الليلة التي سبقت إعلان خطوبتنا اختفى طارق، وبعد أربع سنوات عاد وهو يظن أنني ما زلت أنتظره! في الليلة التي سبقت إعلان خطوبتنا رسميًا، كان طارق الشافعي يجلس أمامي في حديقة منزل عائلته، بينما كانت أصوات الاستعدادات للحفل تصلنا من الداخل. بعد سنوات من الانتظار، كان الغد هو اليوم الذي ستعلن فيه عائلتانا رسميًا ارتباطنا. كنت سعيدة. بل كنت أظن أنني وصلت أخيرًا إلى اللحظة التي حلمت بها منذ سنوات. نظر طارق إليّ طويلًا، ثم قال يارا بكرة هتكوني رسميًا خطيبتي. ضحكت. أخيرًا. لكنه لم يضحك. كان هناك شيء غريب في عينيه. شيء جعل ابتسامتي تختفي. سألته مالك؟ أخذ نفسًا عميقًا. لو حصل أي حاجة غريبة بكرة أو حتى بعد بكرة عايزك تثقي فيا. عبست. يعني إيه حاجة غريبة؟ هز رأسه. ولا حاجة مجرد إحساس. ثم أمسك يدي وقال وعديني إنك مهما سمعتي، متحكميش عليّ قبل ما تسمعي الحقيقة مني. نظرت إليه باستغراب. طارق، أنت بتخوفني. ابتسم ابتسامة صغيرة. بكرة هقولك كل حاجة. لم أعرف وقتها ماذا كان يقصد. ولم أتخيل أنني لن أراه في اليوم التالي. في السادسة صباحًا، استيقظت على صوت أمي وهي تطرق باب غرفتي بعنف. يارا! اصحي بسرعة! فتحت الباب مذعورة. في إيه؟ كانت أمي شاحبة الوجه. قالت طارق سافر. حدقت فيها. سافر فين؟ جدة. ليه؟ لم تجب. فتحت هاتفي بسرعة. وجدت رسالة منه أُرسلت قبل ساعات يارا، أنا آسف. اضطررت للسفر فجأة. متحاوليش تدوري ورايا دلوقتي. أوعدك إني هشرح لك كل حاجة لما أرجع. اتصلت به. هاتفه مغلق. اتصلت مرة أخرى. ثم ثالثة. لا رد. ذهبت إلى منزل عائلته. وجدت والدته تبكي. سألتها طنط، طارق سافر ليه؟ مسحت دموعها. والله يا يارا، أنا نفسي مش فاهمة. مين كان معاه؟ ترددت. ثم قالت سارة. توقفت. سارة بنت خاله؟ أومأت. شعرت بالارتباك، لكنني لم أشعر بالغيرة. كنت أعرف سارة منذ سنوات. كانت علاقتها بطارق عائلية بحتة. قلت طيب ليه سافر معاها؟ خفضت عينيها. كان لازم يساعدها في موضوع مهم. موضوع إيه؟ لم تجب. وهنا بدأ الشك. ليس في طارق بل في السبب الحقيقي وراء اختفائه. مرت الأيام. ثم الأسابيع. وطارق لم يعد. كان يرسل رسالة كل فترة. أنا بخير. متقلقيش. لسه الموضوع مخلصش. وفي كل مرة أسأله إمتى راجع؟ كان يجيب قريب. لكن ذلك القريب استمر أربع سنوات. خلال السنوات الأربع، تغيرت حياتي. لم أعد أنتظر. لم أعد أعيش على أمل عودته. بدأت عملي، بنيت حياتي، وتعلمت أن بعض الأبواب عندما تُغلق لا يجب أن نقضي أعمارنا أمامها. لكنني لم أنسَ شيئًا واحدًا. آخر جملة قالها لي مهما حصل، متحكميش عليّ قبل ما تسمعي الحقيقة. كنت أظن أن الحقيقة تخص سفره. لكنني لم أكن أعرف أن ما أخفاه عني كان أكبر بكثير. بعد أربع سنوات، عاد طارق إلى القاهرة. وصلتني دعوة من والدته لحفل عودته. وفي أسفل الدعوة كانت جملة مكتوبة بخط يدها يارا لازم تيجي. طارق رجع علشان يقولك الحقيقة. لم أكن أريد الذهاب. لكنني ذهبت. كانت القاعة مزدحمة. ثم دخل طارق. كان مختلفًا. أكثر نضجًا. أكثر هدوءًا. لكن عينيه كانتا تحملان إرهاق أربع سنوات كاملة. ظل يبحث بين الحاضرين. حتى وجدني. توقف. وكأن الزمن عاد إلى الوراء. اقترب مني. يارا. أجبته بهدوء أهلًا يا طارق. ابتسم. لسه زعلانة مني؟ قلت لا. تفاجأ. بس كده؟ أربع سنين كفاية علشان الواحد يتعلم يبطل يستنى. اختفت ابتسامته. قال أنا عارف إني ظلمتك. ليه سافرت؟ سكت. سارة كانت معاك ليه؟ نظر حوله. ثم قال علشان نحمي شخصًا كان في خطر. مين؟ قبل أن يجيب، جاء رجل مسرعًا وهمس في أذنه. تغير وجه طارق. نظر إليّ. يارا لازم أمشي. أمسكت بذراعه. مش بعد أربع سنين. قال الموضوع أخطر مما تتخيلي. إذن فهمني. نظر إليّ طويلًا. ثم قال الشخص اللي كنت بحاول أحميه طول الأربع سنين مش سارة. أمال مين؟ اقترب مني وهمس أنتِ. وفجأة انطفأت أنوار القاعة. تعالت صرخة. ثم دوّى صوت ارتطام قوي. وعندما عادت الأنوار كان طارق قد اختفى. لكن هذه المرة اختفى معه ملف أسود كان يحمله. على الأرض، بجوار المكان الذي كان يقف فيه، وجدت ورقة صغيرة. كانت مكتوبًا عليها بخط يده لو اختفيت مرة تانية، متدوريش ورايا إلا لو كنتِ مستعدة تعرفي الحقيقة كاملة. رفعت عيني. وفجأة ظهرت سارة أمامي. كانت شاحبة. قالت يارا لازم تمشي من هنا. إنتِ عارفة طارق فين؟ أيوه. إذن قولي! قالت طارق خرج من الباب الخلفي. مع مين؟ سكتت. ثم قالت لوحده. تجمدت. لوحده؟ أومأت. هو طلب مني أقولك حاجة واحدة. إيه؟ اقتربت مني وهمست متثقيش في أي حد من عائلة الشافعي. ثم تركتني وخرجت. في صباح اليوم التالي، وصلتني رسالة من رقم مجهول. كانت صورة قديمة. طارق يقف أمام مبنى في جدة. وبجواره سارة. وخلفهما رجل آخر. كان حمزة الشافعي، الأخ الأكبر لطارق. وتحت الصورة جملة لو عايزة تعرفي ليه طارق اختفى، اسألي حمزة عن اللي حصل في الليلة السابقة لسفره. ذهبت إلى منزل عائلة الشافعي. دخلت مكتب حمزة. وضعت الصورة أمامه. إيه اللي حصل ليلة سفر طارق؟ نظر إلى الصورة. ثم أغلق عينيه. كنت أتمنى إنك متعرفيش. أنا عرفت كفاية. فتح درج مكتبه وأخرج ظرفًا قديمًا. كان اسمي مكتوبًا عليه. يارا. مددت يدي. قال الرسالة دي كان طارق كاتبها لك من أربع سنين. فتحتها. كان مكتوبًا يارا، لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا فشلت في حمايتك. رفعت عيني. أحمي من إيه؟ قال حمزة من شخص كان بيراقبك. تجمدت. مين؟ قبل أن يجيب رن هاتفه. نظر إلى الشاشة. كان المتصل طارق. فتح المكالمة. جاء صوت طارق متوترًا حمزة خلي يارا تخرج من البيت فورًا. ليه؟ لأنهم عرفوا إنها قرأت الرسالة. ثم انقطع الاتصال. وفي اللحظة نفسها سمعنا سيارة تتوقف أمام المنزل. ثم خطوات تقترب من الباب. أطفأ حمزة الأنوار. قال متتكلميش. تحرك نحو مكتبه، وضغط على مكان سري في الحائط. انفتح باب مخفي. من هنا. نظرت إليه. إنت عندك مخرج سري؟ قال لأن عيلتنا عندها أسرار أكتر مما تتخيلي. خرجنا من الممر الخلفي. وأثناء سيرنا، وصلني إشعار. رسالة من طارق يارا، أوعي تثقي في حمزة بالكامل. نظرت إلى حمزة الذي كان يسير أمامي. ثم وصلت رسالة ثانية هو مش عدوك لكنه مش قادر يقولك كل الحقيقة. وصلنا إلى مكان آمن. هناك أخبرني حمزة أن والدي كان يعرف جزءًا من القضية. لكن القضية لم تكن تخص أموالًا أو ميراثًا كما كنت أعتقد. كانت تخص مشروعًا ضخمًا تعرض للسرقة قبل سنوات، واختفت معه مستندات تثبت تورط مجموعة من رجال الأعمال. والدي كان أحد الأشخاص الذين ساعدوا في حماية تلك المستندات. لكن أخطر شيء أن اسمي ظهر داخل أحد الملفات. ليه اسمي؟ قال حمزة لأن المستندات اتسجلت باسم شركة كانت والدتك شريكة فيها. أمي؟ أومأ. وحد حاول يستخدم اسمك علشان يوصل للمستندات. بدأت أفهم لماذا كان طارق يحاول حمايتي. لكن بقي سؤال واحد طيب ليه اختفى أربع سنين؟ نظر حمزة إلى الأرض. لأنه كان بيدور على الشخص اللي سرق المستندات. ولقاه؟ رفع عيني نحوي. أيوه. توقفت أنفاسي. مين؟ قبل أن يجيب وصلتني رسالة جديدة من رقم مجهول. لو عايزة تعرفي مين الشخص اللي خان ثقة عائلتك روحي للمخزن القديم في شارع النخيل. في منتصف الليل، ذهبت إلى المخزن. كان المكان مهجورًا. دخلت بحذر. وجدت صندوقًا معدنيًا. فتحته. كان بداخله الملف الأسود الذي اختفى مع طارق. لكن طارق لم يكن هناك. فتحت الملف. وجدت عشرات الأوراق. ثم وجدت صورة. كانت لثلاثة أشخاص والدي. والد طارق. ورجل ثالث لم أعرفه. على ظهر الصورة كُتب الثلاثة اتفقوا على حماية الحقيقة. ثم وجدت ورقة أخرى. وفي أسفلها توقيع واضح. توقيع طارق. لكن التاريخ كان قبل اختفائه بيوم واحد. قرأت الجملة إذا حدث لي شيء، لا تثقوا في الشخص الذي يحمل المفتاح. رفعت رأسي. في نفس اللحظة سمعت صوتًا خلفي لقيتيه. استدرت. كان طارق. واقفًا عند باب المخزن. قلت أنت! اقترب مني. كان لازم أرجع قبل كده. ليه مخبي كل ده؟ علشان أحميك. ومن مين؟ لم يجب. ثم قال من شخص قريب منك. مين؟ وقبل أن ينطق انطفأت أنوار المخزن. وسمعنا صوت باب يُغلق من الخارج. ثم صوت رجل يقول أخيرًا اجتمعتوا. نظر طارق إليّ. وقال يارا مهما حصل، متبعديش عني. ثم سمعنا صوت المفتاح يدور في الباب. وكان واضحًا أن الشخص الذي أغلق علينا كان يعرف طارق جيدًا تحت أمرك، هنكمل من نفس اللحظة، والتشويق هيزيد من غير ما نوصل للنهاية. استدار طارق نحوي فورًا، وكأنه فهم من نبرة الصوت أن الخطر أصبح أقرب مما توقعنا. قال بصوت منخفض يارا، مهما سمعتي متفتحيش الباب. لكن الصوت من الخارج عاد طارق أنت عارف إن الهروب مش هيغير حاجة. اقترب حمزة من الباب، ثم أشار لنا أن نبتعد. سألته هامسة مين ده؟ لم يجب. وفجأة جاء صوت الرجل من الخارج حمزة قول لها الحقيقة قبل ما أقولها أنا. تغير وجه حمزة. نظرت إليه. أي حقيقة؟ ظل صامتًا. صرخت إنتوا لسه هتخفوا عني؟! قال طارق مش دلوقتي. لا، دلوقتي! ثم نظرت إلى الباب. أنا عايزة أعرف مين اللي واقف بره. قال حمزة الرجل ده كان شريك والدك. تجمدت. إيه؟ وكان آخر شخص شاف والدك قبل وفاته. شعرت بقشعريرة. يعني هو عارف الحقيقة؟ قال طارق هو مش بس عارف الحقيقة هو جزء منها. وفجأة انفتح الباب بعنف. تراجعنا جميعًا. دخل رجل في الخمسينات من عمره. كان يحمل حقيبة جلدية قديمة. نظر إليّ مباشرة. ولم يقل شيئًا. ثم وضع الحقيبة على الطاولة. وقال أنتِ شبه أمك جدًا. توقفت أنفاسي. إنت تعرف أمي؟ ابتسم بحزن. أعرفها أكثر مما تتخيلي. تقدم طارق خطوة. إنت وعدت إنك مش هتقرب منها. رد الرجل وأنا ما قربتش منها. ثم أشار إليّ. هي اللي قربت من الحقيقة. سألت اسمك إيه؟ قال كمال. تبادل طارق وحمزة نظرة سريعة. فهمت فورًا أن الاسم ليس غريبًا عليهما. إنت كنت شريك أبويا؟ أومأ. كنت شريكه. ثم صحح وصديقه. قلت إذن قول لي ليه أبويا مات؟ تغير وجهه. والدك لم يمت بسبب المرض. ساد الصمت. إيه؟ نظر إلى طارق. قول لها. طارق هز رأسه. كمال، كفاية. لكن الرجل قال أربع سنين وأنت بتحاول تحميها من الحقيقة، والنتيجة إنهم وصلوا لها برضه. ثم فتح حقيبته. أخرج مجموعة أوراق قديمة. ووضعها أمامي. والدك مات لأنه رفض يسلمهم المستندات. نظرت إلى الأوراق. كانت تحمل توقيعات وأسماء كثيرة. لكن أحد الأسماء كان محاطًا بدائرة حمراء. قرأت الاسم. ثم شعرت بصدمة. حمزة؟ رفعت عيني إليه. كان حمزة واقفًا في مكانه. إنت كنت متهم؟ قال بسرعة لا. تدخل طارق الاسم مش معناه إنه متورط. كمال ابتسم. هو مش متورط. ثم نظر إلى حمزة. لكنه كان يعرف. صرخت يعرف إيه؟ لم يجب حمزة. اقتربت منه. بص في عيني وقول لي. رفع رأسه. كنت أعرف إن والدك كان تحت المراقبة. ومخبي عليّ؟ كنت أحاول أحميك. زي طارق؟ لم يرد. التفتُّ إلى طارق. وأنت؟ قال كنت أعرف. ضحكت بمرارة. يعني كل الناس كانت عارفة وأنا الوحيدة اللي عايشة في الظلام! قال طارق لأنك لو عرفتي وقتها، كانوا هيستخدموك للوصول لينا. سألت مين هم؟ كمال قال دي أهم نقطة. ثم أخرج ورقة أخيرة. الشخص اللي كان بيحرك كل ده مش غريب عنكم. نظرت إليه. مين؟ قال شخص قريب جدًا من عائلتك. توقفت أنفاسي. وقبل أن يقول الاسم، اهتز هاتف طارق. نظر إلى الشاشة. ثم تغير وجهه. سألته مين؟ أعطاني الهاتف. كانت هناك صورة وصلت إليه منذ لحظات. صورة لوالدتي. كانت جالسة في مكان لم أعرفه. وتحت الصورة رسالة لو عايزينها تفضل عايشة هاتوا يارا لوحدها. شعرت بأن الدم تجمد في عروقي. أمي عايشة؟! لم يجب أحد. صرخت أمي عايشة؟! قال طارق أيوه. بدأت دموعي تنزل. فين؟ قال كمال في المكان اللي أخفيناها فيه من أربع سنين. ليه؟ نظر إليّ طويلًا. لأنها كانت الشاهدة الوحيدة على اللي حصل في الليلة اللي اختفى فيها طارق. تجمدت. لكن طارق كان موجودًا معي في الليلة دي. قال كمال أيوه. ثم أضاف وعلشان كده في حاجة واحدة لازم تعرفيها. اقترب مني. طارق لم يكن الشخص اللي اختفى أولًا في تلك الليلة. نظرت إليه. يعني إيه؟ قال قبل ما طارق يسافر شخص آخر لمحة نيوز اختفى. سألت مين؟ لم يجب. فجأة انطفأت الأنوار. وسمعنا صوت رسالة تصل إلى هاتف طارق. ثم جاء صوت كمال في الظلام لقد عرفوا مكاننا. عاد النور للحظة. لكن عندما أضاءت الغرفة كانت الحقيبة قد اختفت. والملف الأسود اختفى معها. والأخطر أن حمزة لم يعد موجودًا. نظرت إلى طارق في ذهول. حمزة فين؟ لم يجب. كان يحدق في الباب المفتوح. ثم قال هو أخد الملف. شعرت بصدمة. حمزة؟ هز رأسه. أيوه. قلت يبقى هو الخائن؟ قال طارق بسرعة لا. أمال ليه أخد الملف؟ نظر إليّ. ثم قال لأنه رايح يسلم نفسه. لمين؟ صمت. ثم أضاف علشان ينقذ والدتك. وفي اللحظة نفسها رن هاتف حمزة. كان موضوعًا على الطاولة. ظهرت رسالة واحدة على الشاشة لو عايزين أم يارا ترجع خلي طارق ييجي لوحده. نظرت إلى طارق. مش هتروح. قال لازم أروح. ليه؟ نظر إليّ. لأنهم لو طلبوا طارق تحديدًا يبقى عرفوا أخيرًا إن أنا اكتشفت مين قائدهم. توقفت أنفاسي. مين؟ اقترب مني. وقبل أن يجيب، جاء اتصال من رقم مجهول. فتح طارق السماعة. جاء صوت رجل هادئ طارق لو عايز تشوف والدتك يارا مرة تانية، تعال للمكان اللي بدأ فيه كل شيء. ارتجفت. والدتي؟ صمت الرجل لحظة. ثم قال وأيوه أنا عارف إنك عايزة تعرفي مين أنا. ثم ذكر اسمًا جعل طارق يتجمد. أما أنا فلم أصدق ما سمعته. لأن الاسم الذي نطق به الرجل كان اسم شخص كنت أظنه مات منذ سنوات ظل طارق ممسكًا بالهاتف، وكأن الاسم الذي سمعه أعاد إليه ذكرى حاول دفنها أربع سنوات كاملة. قلت مين؟ لم يجب. اقتربت منه. طارق مين اللي كلمك؟ رفع عيني نحوي. الرجل اللي اتصل اسمه عادل. تجمدت. عادل؟ أومأ. كان مساعد والدك. بس عادل مات مع أبويا! قال كمال بهدوء ده اللي كنا عايزينك تصدقيه. نظرت إليه بصدمة. يعني عادل عايش؟ أيوه. سألت وهو اللي ورا كل ده؟ قال طارق مش لوحده. ثم نظر إلى كمال. وعشان كده لازم نعرف مين بيساعده. فجأة، وصلتنا رسالة جديدة. صورة لحمزة. كان جالسًا على كرسي في غرفة مظلمة. يداه مقيدتان. وبجواره امرأة. رفعت يدي إلى فمي. كانت أمي. كانت حية. لكن وجهها كان شاحبًا، ويداها ترتجفان. أسفل الصورة جملة آخر فرصة. ثم ظهر عنوان. مكان قديم خارج المدينة. نظر طارق إلى كمال. أنا هروح. قال كمال لوحدك. قلت فورًا لا. التفت إليّ. يارا، المرة دي الموضوع مختلف. أمي هناك. وعشان كده لازم تفضلي هنا. أنا مش هفضل. نظر إليّ طويلًا. ثم قال لو حصل لي حاجة، هتكوني أنتِ الهدف التالي. قلت وأنا مش هسمحلك تختفي مني للمرة التانية. ساد الصمت. لأول مرة منذ عودته، ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة. كنت عارف إنك هتقولي كده. بعد ساعة، كنا أمام مبنى قديم مهجور. كان المكان مظلمًا تمامًا. ترجل طارق من السيارة. أمسك بيدي قبل أن أنزل. مهما حصل، خليكي ورايا. أومأت. دخلنا المبنى. كانت هناك رائحة غبار ورطوبة. ثم سمعنا صوتًا من الطابق العلوي اتأخرت يا طارق. رفع طارق رأسه. عادل. ضحكة الرجل انتشرت في المكان. لسه فاكرني. صعدنا السلالم. وفي نهاية الممر، ظهر عادل. كان أكبر سنًا مما توقعت. لكن عينيه كانتا حادتين. وخلفه وقف رجلان. أما أمي فكانت جالسة على كرسي في المنتصف. وحين رأتني، بدأت تبكي. يارا! اندفعت نحوها. لكن أحد الرجال أمسك بذراعي. صرخت سيبني! قال عادل لسه بدري. تقدم طارق. سيبها. الملف. قال طارق مش معايا. ضحك عادل. عارف. ثم نظر إليّ. لأن حمزة أخده. سألت حمزة فين؟ أشار عادل إلى باب جانبي. هو وسيلة الضغط. ثم قال لكن عندي عرض أفضل. نظر إلى طارق. إنت تسلمني الحقيقة اللي أخفاها والدك وأنا أطلق أم يارا وحمزة. قال طارق إنت عارف إن الحقيقة مش معايا. لا. ابتسم عادل. الحقيقة مع يارا. تجمدت. معايا؟ أشار إلى رأسي. من يوم ما كنتِ طفلة. لم أفهم. ثم قالت أمي بصوت مرتجف يارا هو بيقصد الذاكرة. التفت إليها. ذاكرتي؟ أومأت. في الليلة اللي حصل فيها الحادث أنتِ شوفتي حاجة. شعرت بصداع مفاجئ. صور متقطعة بدأت تظهر في رأسي. ممر مستشفى. ضوء أبيض. صوت امرأة تصرخ. ورجل يحمل صندوقًا. ثم صوت أمي متبصيش يا يارا! وضعت يدي على رأسي. أنا فاكرة. نظر طارق إليّ بقلق. إيه اللي فاكره؟ أغمضت عيني. ثم ظهرت صورة أخرى. والدي يقف أمام باب غرفة. وعادل بجواره. لكن كان هناك شخص ثالث. شخص لم أستطع رؤية وجهه. ثم سمعت صوتًا. صوتًا أعرفه. قلت ببطء في شخص تاني كان معاهم. صمت الجميع. عادل تغير وجهه. مستحيل. فتحت عيني. أنا فاكرة صوته. اقترب طارق. مين؟ قلت كان بيقول لأبويا إن الملف لازم يختفي. أمي بدأت تبكي. وعادل تراجع خطوة. سألته إنت خايف من مين؟ لم يجب. ثم فجأة سمعنا صوت تصفيق من خلفنا. صفقة. ثم أخرى. التفت الجميع. كان هناك رجل يقف عند مدخل الغرفة. لم أستطع رؤية وجهه جيدًا. لكنه قال واضح إن يارا بدأت تفتكر. نظر عادل إليه بخوف. إنت قلت إنك مش هتظهر. رد الرجل الخطة اتغيرت. ثم أضاء المصباح فوقه. رفعت عيني. وتجمدت تمامًا. كان الرجل شخصًا أعرفه. شخصًا كنت أثق به طوال السنوات الماضية. نظر إليّ وقال آسف يا يارا. اقترب طارق مني فورًا. أما أنا فلم أستطع حتى الكلام. لأن الشخص الواقف أمامنا كان آخر شخص يمكن أن أتوقع أن يكون جزءًا من كل هذا ظللت أحدق في الرجل أمامي. لم أستطع تصديق عيني. كان واقفًا بثبات، وكأن السنوات الماضية لم تكن تعني شيئًا. قلت بصوت مرتجف إنت؟ لم يجب. طارق وقف أمامي مباشرة. متقربيش منه. ضحك الرجل بهدوء. لسه بتحميها يا طارق؟ بعد أربع سنين ولسه مش فاهم إنك كنت بتلعب اللعبة من البداية؟ رد طارق أنا عارف أنت مين. تغيرت ملامح الرجل. إذن قول لها. نظرت إلى طارق. قول لي إيه؟ صمت. ثم قال الرجل قول لها مين اللي ساعد والدها يخفي المستندات. نظرت إلى طارق. قال أنا. اتسعت عيناي. إنت؟ أيوه. تراجع الرجل خطوة. لكن مش بالطريقة اللي فاهمها. صرخت أنا مش فاهمة أي حاجة! قال طارق والدك اكتشف قبل سنوات إن المستندات دي مش مجرد أوراق تخص شركة. أمال تخص إيه؟ كانت دليل على شبكة كبيرة من التلاعب والفساد. قال الرجل والدك قرر يفضحهم. ثم ابتسم. وده كان أكبر خطأ عمله. أمي بدأت تبكي. قلت لها إنتِ كنتِ عارفة؟ هزت رأسها. كنت عارفة جزء. ليه ما قولتيليش؟ لأن والدك طلب مني أحميك. نظرت إلى الرجل. وإنت؟ قال أنا كنت أعمل مع والدك. وبعته؟ سكت. ثم قال في البداية، كنت أحاول أحميه. طارق قاطعه لحد ما اكتشفت إنك بتشتغل لحسابهم. ابتسم الرجل. اكتشفت متأخر. ثم أخرج هاتفه. ضغط على الشاشة. ظهر تسجيل قديم لوالدي. كان يتحدث مع شخص خارج الكاميرا. قال أبي لو حصل لي حاجة، الملف لازم يوصل ليارا. توقفت أنفاسي. ثم جاء صوت الرجل في التسجيل وليه يارا؟ أجاب والدي لأنها الوحيدة اللي مش هتقدروا تستخدموها ضدنا. انقطع التسجيل. قلت ليه أنا؟ قالت أمي لأن والدك كان مؤمن إنك لازم تعرفي الحقيقة يومًا ما. ثم اقتربت مني. لكن ما كانش عايزك تدفعي ثمنها. فجأة سمعنا صوتًا من الغرفة المجاورة. صرخة حمزة. طارق اندفع ناحية الباب. الرجل حاول منعه. لكن طارق دفعه جانبًا وفتح الباب. وجدنا حمزة مربوطًا إلى كرسي. وبجواره رجل آخر. كان يمسك بالملف الأسود. صرخ حمزة طارق! الملف! اندفع طارق نحوه. لكن الرجل مزق أول صفحة من الملف وأشعل فيها النار. صرخت لا! حاولت الوصول إليه، لكن أمي أمسكت بي. كان الدخان يملأ المكان. الرجل ألقى بقية الملف على الأرض. ثم قال حتى لو أخدتوا الأوراق الحقيقة لسه ناقصة. طارق نظر إليه. إيه اللي ناقص؟ ابتسم. الصفحة الأخيرة. تجمد طارق. قال حمزة الصفحة الأخيرة كانت مع والدك. رد الرجل بالضبط. ثم نظر إليّ. ومادام والدك مات محدش يعرف مكانها. قلت أنا أعرف. ساد الصمت. التفت الجميع نحوي. حتى أنا لم أفهم لماذا قلتها. لكن فجأة تذكرت شيئًا. صندوقًا خشبيًا صغيرًا. كان والدي يحتفظ به في غرفته. لطالما منعني من الاقتراب منه. تذكرت كلماته عندما كنت طفلة لو في يوم رجعتِ البيت وملاقينيش افتحي الصندوق. رفعت رأسي. الصندوق عندي. تغير وجه الرجل. فين؟ قلت مش هقول. اقترب مني. لكن طارق وقف بيننا. مش هتقرب منها. قال الرجل أنت مش فاهم الصندوق هو المفتاح. سألته مفتاح لإيه؟ ابتسم. لمكان فيه الحقيقة كلها. ثم أضاف ولو فتحتيه هتعرفي مين الشخص اللي خان والدك فعلًا. نظرت إلى طارق. ثم إلى أمي. كانت تبكي. وفجأة قالت يارا متفتحيش الصندوق. التفت إليها. ليه؟ قالت بصوت خافت لأن والدك ما حطش فيه مستندات. توقفت. أمال حط إيه؟ نظرت إليّ. ثم قالت حط تسجيل. تسجيل لإيه؟ قبل أن تجيب، انطفأت الأنوار مرة أخرى. وعندما عادت كان الرجل قد اختفى. لكن الملف الأسود ظل على الأرض. وبجواره ورقة صغيرة. التقطها طارق. قرأها. ثم تغير وجهه. قلت مكتوب إيه؟ ناولني الورقة. كان عليها سطر واحد لو يارا عرفت الحقيقة، طارق هو أول شخص لازم تبعد عنه. رفعت عيني إليه. ولأول مرة منذ عودته لم أعرف هل أصدقه أم لا ظللت أنظر إلى الورقة في يدي. ثم رفعت عيني إلى طارق. ليه مكتوب إنك أول شخص لازم أبعد عنه؟ لم يقترب مني. بل ظل واقفًا مكانه. قال بهدوء لأن اللي كتبها عارف إنك هتشكي فيا. ومين كتبها؟ الشخص اللي كان بيحاول يخلينا نشك في بعض. تدخل حمزة طارق كان عارف إن الرسالة دي ممكن تظهر. نظرت إليه. إنت كمان كنت عارف؟ أومأ. من فترة. ضحكت بمرارة. جميل يعني كل واحد فيكم عنده جزء من الحقيقة وأنا آخر واحدة تعرف. قال طارق علشان كده لازم نوقف اللعبة دي. اقترب مني ببطء. المرة دي مش هخبي عنك حاجة. ثم أشار إلى الملف المحترق. الصفحة الأخيرة مش موجودة هنا. سألت أين؟ في الصندوق اللي والدك سابه. عدنا إلى منزل والدي قبل الفجر. كانت أمي معنا. ظلت صامتة طوال الطريق. عندما دخلنا غرفته القديمة، توقفت أمام خزانة خشبية. قالت كان بيحتفظ بالصندوق هنا. بدأنا نبحث. لم نجد شيئًا. حتى لاحظتُ أن إحدى ألواح الأرضية مختلفة عن الباقي. انحنيت. نزعت اللوح. وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا. كان مغلقًا بقفل قديم. أخرجت المفتاح الذي وجدناه داخل الملف. أدخلته. صدر صوت نقرة. فتح الصندوق. في الداخل كان هناك جهاز تسجيل صغير. وشريط ذاكرة. وصورة. التقطت الصورة. كانت لوالدي مع أمي وأنا طفلة. لكن خلفنا كان يقف رجل آخر. نظرت إليه. ثم شهقت. ده طارق اقترب. مين؟ قلت عادل. كان عادل يقف خلف والدي في الصورة. لكن التاريخ المكتوب على ظهرها كان بعد وفاته المزعومة بثلاث سنوات. قال حمزة إذن الصورة اتصورت بعد ما المفروض إنه مات. وضعت الصورة جانبًا. ثم أخذت جهاز التسجيل. ضغطت التشغيل. خرج صوت والدي. يارا لو بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقولك الحقيقة بنفسي. حبست أنفاسي. أول حاجة لازم تعرفيها طارق بريء. نظرت إليه. كانت عيناه ثابتتين على الجهاز. تابع صوت والدي هو قضى سنوات بيحاول يحميك، لكن فيه شخص أقنعه إن أفضل طريقة هي إنه يبعد عنك. توقفت. ثم جاء صوت والدي مرة أخرى والشخص ده كان أقرب شخص لطارق. نظرت إلى حمزة. لكنه قال فورًا مش أنا. استمر التسجيل لو الشخص ده ظهر قدامك يومًا، متواجهيهوش. ثم جاء صوت تشويش. وبعده لأن الشخص اللي يبحث عنك مش عايز الملف. توقف التسجيل للحظة. ثم قال والدي هو عايزك أنتِ لأنك الشاهدة الوحيدة. تجمدت. شاهدة على إيه؟ لم يجب التسجيل. بل انتقل إلى جزء آخر. سمعنا صوت أمي. كانت تتحدث وهي تبكي البنت شافت كل حاجة. ثم جاء صوت والدي لازم نمسح ذاكرتها عن الليلة دي. شهقت. يمسحوا ذاكرتي؟! أمي أغمضت عينيها. كنتِ صغيرة. عملتوا فيا إيه؟ قالت محدش أذاك. لكن التسجيل أكمل يارا لن تتذكر الحادثة الآن. لكن الذاكرة ممكن ترجع مع الوقت. شعرت بصداع قوي. وفجأة تدفقت صورة في رأسي. ممر المستشفى. أبي. عادل. رجل ثالث. ثم شيء آخر. رأيت طارق. لكن طارق كان أصغر سنًا. وكان يقف عند باب الغرفة. سمعته يقول أنا هحميها. فتحت عيني فجأة. نظرت إليه. كنت هناك. أومأ. أيوه. وأنت عرفتني من الليلة دي؟ أيوه. وليه ما قلتليش؟ قال لأن والدك طلب مني. إيه اللي حصل؟ لم يجب. ثم اقتربت أمي. قالت في الليلة دي والدك اكتشف إن عادل كان بيسرب المعلومات. توقفت. وعادل حاول ياخد الملف. أكمل طارق لكن والدك خبّاه. فين؟ نظر طارق إلى الصندوق. في مكان محدش يعرفه. نظرت إليه. إلا أنا. أومأ. لأن والدك ترك لك علامة. فتحت الصورة. كان خلفها رقم صغير مكتوب بالقلم. 17. سألت ده معناه إيه؟ حمزة نظر إلى الرقم. ثم تغير وجهه. الدور السابع عشر. في إيه؟ قال في البرج القديم اللي كان والدك بيشتغل منه. تدخلت أمي المبنى اتقفل من سنين. قال طارق لكن لو الصفحة الأخيرة موجودة، فهي هناك. فجأة اهتز هاتف طارق. رسالة من رقم مجهول. لو رايحين للبرج متأخرتوش. ثم ظهرت صورة حديثة للمبنى. وفي نافذة بالطابق السابع عشر كان هناك شخص يقف خلف الزجاج. يحمل في يده ورقة. وتحت الصورة كُتب أنا مستنيكم لكن يارا تيجي لوحدها. نظر طارق إليّ. مش هتروحي. لكنني أغلقت الصندوق. وقلت المرة دي أنا اللي هحدد اللعبة وضعت الصندوق داخل حقيبتي، ونظرت إلى طارق بثبات. أنا هروح. هز رأسه فورًا. لا. أنت بنفسك قلت إنهم عايزين يوصلوا لي. يبقى لازم أعرف ليه. مش بالطريقة دي. تدخل حمزة طارق عنده حق. الرسالة واضحة، الشخص ده عايز يبعدك عن أي حماية. نظرت إليهما. وأنا مش هروح لوحدي. سكتا. قلت هتروحوا معايا لكن هو مش هيعرف. بعد ساعة، كنا أمام البرج القديم. كان المبنى مهجورًا، والنوافذ مغطاة بالغبار. دخلنا من الباب الخلفي. كان المصعد متوقفًا. صعدنا السلالم حتى وصلنا إلى الطابق السابع عشر. الممر كان مظلمًا. وفي نهايته، كان هناك باب مفتوح. على الباب ورقة صغيرة. يارا فقط. نزعتها. قال طارق مفيش خطوة من غيري. دخلنا معًا. الغرفة كانت فارغة تقريبًا. مكتب قديم. كرسي. وشاشة كبيرة مضاءة. وفجأة اشتغلت الشاشة. ظهر تسجيل لرجل لم أره من قبل. قال يارا، لو وصلتي هنا، يبقى الخطة الأولى فشلت. سألت مين أنت؟ ضحك. السؤال ده هتعرفي إجابته بعد شوية. ظهر خلفه ملف. قال والدك لم يكن مجرد رجل أعمال. توقفت. كان يعمل في مشروع سري. ظهر مستند على الشاشة. المشروع كان اسمه ملف النخيل. نظر طارق إلى الشاشة. المشروع ده اتقفل. رد الصوت اتقفل رسميًا فقط. ثم ظهرت صور قديمة. صور لأشخاص. من بينهم والدي. ووالد طارق. وعادل. لكن الصورة الأخيرة جعلتني أتجمد. كانت أمي. قال الرجل والدتك كانت جزءًا من المشروع. التفتُّ إليها. لكن أمي لم تكن معنا. تذكرت فجأة أنها بقيت في السيارة. فهمت أنني لم أعد أعرف عنها شيئًا. ثم ظهر ملف آخر. كان يحمل اسمي. يارا الشاهدة رقم 17. اقترب طارق من الشاشة. إنت عايز إيه منها؟ قال الرجل الذاكرة. أي ذاكرة؟ الليلة التي مات فيها والدها. قلت أنا فاكرة جزء منها. ضحك. أنتِ فاكرة أكثر مما تتخيلي. ثم انطفأت الشاشة. وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت باب يُغلق خلفنا. ركض حمزة نحوه. مقفول! حاول فتحه. لا فائدة. ثم اشتغل مكبر الصوت. جاء صوت الرجل طارق لو عايز الباب يفتح، لازم تجاوب على سؤال واحد. سكت طارق. أنت ليه رجعت القاهرة بعد أربع سنين؟ أجاب علشان أحمي يارا. ضحك الصوت. غلط. تجمد طارق. إذن علشان إيه؟ قال الصوت علشان تنتقم. ساد الصمت. نظرت إلى طارق. تنتقم من مين؟ لم يجب. ثم جاء الصوت قول لها الحقيقة يا طارق. اقتربت منه. طارق؟ خفض رأسه. ثم قال أنا رجعت علشان أواجه الشخص اللي تسبب في موت والدك. اتسعت عيناي. إنت عرفت مين هو؟ أومأ. أيوه. مين؟ رفع عيني إليّ. وقبل أن يجيب انفتح الباب فجأة. لكن لم يكن هناك أحد خلفه. فقط ظرف أبيض على الأرض. أخذه حمزة. كان مكتوبًا عليه إلى يارا. فتحته. وجدنا بداخله مفتاحًا. ورقة صغيرة لو عايزة تعرفي قاتل والدك، افتحي الخزنة رقم 17. نظر حمزة إلى طارق. الخزنة موجودة هنا. أشار طارق إلى آخر الممر. ذهبنا إليها. كان هناك صف طويل من الخزائن القديمة. رقم 17 في المنتصف. أدخلت المفتاح. فتح الباب. لكن الخزنة لم تكن تحتوي على أوراق. كانت تحتوي على هاتف قديم. وشريحة واحدة. وشريط فيديو صغير. وعليه اسم واحد مريم. اسم أمي. حدقت في الاسم. ليه اسم أمي هنا؟ طارق لم يجب. شغلت الهاتف. كان يحتوي على تسجيل صوتي واحد. ضغطت عليه. جاء صوت أمي. لكنها كانت تبكي. قالت يارا لو وصلتي للتسجيل ده، يبقى طارق فشل في إبعادك عن الحقيقة. تجمد طارق. تابعت أمي وأنا لازم أقولك الحقيقة قبل ما يفوت الأوان. ثم صمتت ثوانٍ. وقالت الرجل اللي تسبب في موت والدك مش عادل. توقفت أنفاسي. ثم قالت إنه شخص أقرب لك مما تتخيلي. انقطع التسجيل. في اللحظة نفسها، جاء صوت خطوات في الممر. ثم ظهر شخص عند نهاية الباب. كان يحمل سلاحًا. قال خلاص كفاية أسرار. تراجع حمزة. أما طارق فوقف أمامي. لكن الرجل لم يوجه سلاحه إلى طارق. بل رفعه نحوي. وقال يارا إنتِ اللي لازم تيجي معايا. اقترب خطوة. ثم قال اسمًا واحدًا جعل طارق يصرخ متقولش اسمها! لكن الرجل قاله بالفعل. وكان الاسم هو اسم المرأة التي أخفاها طارق عني طوال أربع سنوات كان الاسم الذي نطق به الرجل ليلى. تجمدت في مكاني. نظرت إلى طارق. إنت كنت مخبي ليلى عني؟ هز رأسه بسرعة. مش بالشكل اللي إنتِ فاهمه. صرخ الرجل من آخر الممر خلاص يا طارق! اللعبة انتهت. لكن طارق لم يلتفت إليه. ظل ينظر إليّ. ليلى كانت شاهدة على اللي حصل في الليلة اللي مات فيها والدك. وأنا قضيت الأربع سنين اللي فاتوا بدور عليها. قلت ولما لقيتها؟ اكتشفت إنها كانت بتحاول تحميكي هي كمان. الرجل ضحك. تحميها؟ أنتم كلكم بتحبوا الكلمة دي. ثم رفع هاتفًا أمامنا. ظهرت عليه صورة لليلى. كانت في مكان مجهول، لكنها كانت حية. قال هي عندنا. اندفع طارق خطوة إلى الأمام. لو لمستها قاطعه الرجل مش هلمسها. مش قبل ما يارا تفتح الملف. نظرت إلى الخزنة. الملف مش معايا. ابتسم. بل معاك. أخرجت الهاتف القديم. ده اللي لقيته. قال شغليه. ضغطت الزر. ظهر تسجيل مصور. كانت ليلى تجلس أمام الكاميرا. وجهها كان متعبًا، لكنها بدت هادئة. قالت يارا، لو إنتِ بتشوفي التسجيل ده، يبقى طارق قدر يوصل للخزنة. نظرت إلى طارق. أكملت ليلى أول حاجة لازم تعرفيها إن اللي حصل في الليلة دي ماكانش حادث. تجمدت. كان مخططًا له. ظهر خلفها ملف. والدك كان اكتشف إن حد من شركائه بيبيع أسرار المشروع. ثم ظهرت صورة عادل. لكن عادل لم يكن العقل المدبر. رفعت عيني إلى الشاشة. أمال مين؟ قالت ليلى الشخص اللي كان بيحرك كل شيء كان قريبًا من عائلتك جدًا. توقفت لحظة. ثم قالت وأنا عرفت اسمه. انقطع الفيديو فجأة. صرخت ليه التسجيل وقف؟! الرجل المسلح قال لأن الجزء الأخير عندي. قلت وماذا تريد؟ أريد منك شيئًا بسيطًا. إيه؟ تفتكري. حدقت فيه. أفتكر إيه؟ قال الليلة اللي كنتِ فيها طفلة. شعرت بصداع مفاجئ. وفجأة ظهرت في رأسي صورة. ممر طويل. أضواء مستشفى. صوت أمي. وصوت رجل يصرخ خدوا البنت! وضعت يدي على رأسي. طارق اقترب مني. يارا! قلت أنا فاكرة. تراجع الرجل خطوة. إيه اللي افتكرتيه؟ أغمضت عيني. ثم قلت كان فيه شخص ثالث. ساد الصمت. شخص كان واقف جنب باب الغرفة. الرجل لم يعد يبتسم. تابعت وأنا شفته. طارق قال يارا، متضغطيش على نفسك. لكن الذاكرة بدأت تعود. رأيت الرجل بوضوح. كان يحمل ملفًا. وكان يتحدث مع والدي. ثم سمعت جملة لو البنت اتكلمت، كل حاجة هتنهار. فتحت عيني فجأة. نظرت إلى الرجل المسلح. أنت مش الشخص اللي كان في الغرفة. قال طبعًا لا. لكن أنت تعرفه. سكت. ثم سمعت صوتًا خلفنا. أنا أقدر أقولك مين هو. استدرنا جميعًا. كانت أمي تقف عند نهاية الممر. لكنها لم تكن وحدها. كانت ليلى بجوارها. حية. وحرة. تجمد الرجل المسلح. إزاي؟ ابتسمت أمي. لأنك كنت بتراقب المكان الخطأ. اقتربت ليلى. وقالت وأنت وقعت في الفخ. فجأة ظهرت مجموعة من رجال الأمن من السلالم. تراجع الرجل وحاول الهرب، لكن حمزة أمسك به. وبعد دقائق، انتهى كل شيء. لكن أمي لم تنظر إلى الرجل. كانت تنظر إليّ فقط. اقتربت مني. يارا أنا آسفة. قلت مين كان العقل المدبر؟ خفضت رأسها. ثم قالت شخص كنتِ تثقي فيه. نظرت إلى طارق. ثم حمزة. لكن أمي هزت رأسها. مش واحد منهم. أخرجت من حقيبتها صورة قديمة. كانت لرجل يقف مع والدي قبل سنوات. أعطتني الصورة. قرأت الاسم خلفها. وتجمدت. كان اسم الرجل عماد الشافعي. والد طارق. نظرت إلى الرجل العجوز الذي كان يقف بعيدًا. ثم إلى طارق. لكن إزاي؟ قالت أمي لأنه لم يكن هو العقل المدبر. ثم أضافت كان يحاول كشف الحقيقة، ولهذا اضطر إلى الاختفاء. سألت إذن مين؟ أمي نظرت إلى حمزة. ثم قالت الشخص الوحيد الذي كان يعرف مكان كل المستندات. التفت الجميع نحو حمزة. لكنه لم يتحرك. لم يدافع عن نفسه. فقط أخرج هاتفه، ووضعه على الطاولة. ثم قال أنا عارف إنكم هتشكوا فيا. نظر إلى طارق. لكن قبل ما تحكموا لازم تسمعوا التسجيل الأخير. شغّل الهاتف. خرج صوت والدي. وكان يقول لو حمزة وصل للتسجيل ده، يبقى الخطر الحقيقي ظهر. توقف الجميع. ثم أكمل حمزة مش عدونا. تنفستُ ببطء. لكن والدي تابع عدونا شخص آخر شخص موجود في حياتنا من قبل ما تولد يارا. ثم انقطع التسجيل. رفعت عيني إلى حمزة. مين الشخص ده؟ أجاب معرفش. لكن ليلى قالت فجأة أنا أعرف. التفتنا إليها. قالت وعندي الدليل. ثم أخرجت ورقة من حقيبتها. كانت تحتوي على اسم واحد فقط. وعندما قرأته شعرت أن كل ما حدث خلال السنوات الأربع كان مجرد بداية. لأن الاسم لم يكن اسم غريب كان اسم شخص قريب جدًا من يارا نظرت إلى الورقة مرة أخرى. كان الاسم واضحًا. سامي. أخي الأكبر. تجمدت في مكاني. سامي؟ رفعت عيني إلى أمي. أخويا؟ لم تجب. وهنا فهمت أن صمتها أخطر من أي اعتراف. التفتُّ إلى طارق. إنت كنت تعرف؟ قال بهدوء كنت بشك. من إمتى؟ من أول ما رجعت. ضحكت بمرارة. وكنت هتقول لي إمتى؟ بعد أربع سنين كمان؟ اقترب مني. المرة دي كان لازم أتأكد. قاطعتنا ليلى سامح مش مجرد أخوها. نظرت إليها. أمال إيه؟ وضعت ورقة أخرى أمامي. كان هو الشخص اللي دخل المستشفى ليلة اختفاء طارق. تغير وجه طارق. ده مستحيل. عندي الدليل. أخرجت ليلى صورة من ملفها. كان سامي واقفًا أمام باب غرفة في المستشفى. وبجانبه رجل لم أتعرف عليه. لكن طارق عرفه فورًا. ده عادل. قالت ليلى بالضبط. نظرت إلى الصورة. بس عادل مات قبل الصورة دي. قالت ليلى وده اللي كانوا عايزين الجميع يصدقه. شعرت بقشعريرة. يعني عادل عايش؟ أومأت. وعنده اسم جديد. سألت إيه اسمه؟ نظرت إلى طارق. عماد. ساد صمت ثقيل. والد طارق رفع رأسه فجأة. عماد؟ قالت ليلى أيوه. تغير وجهه. عماد الشافعي؟ لا. توقفت لحظة. ثم قالت عماد منصور. نظرت إلى طارق. مين ده؟ قال شخص كان شريكًا قديمًا لوالدي. ثم تذكر شيئًا. لكن والدي قال إنه مات. ليلى هزت رأسها. هو ما ماتش. في تلك اللحظة، وصل هاتف سامي. نظرت إلى الشاشة. كانت رسالة منه. يارا، متصدقيش أي حاجة قالوها لك. ثم رسالة ثانية لو عايزة تعرفي الحقيقة، تعالي البيت. وتحتها عنوان. عنوان منزل لم أسمع به من قبل. رفعت الهاتف. هو عايزني أروح له. طارق قال فورًا مش هتروحي. قلت لو هربنا، عمرنا ما هنعرف الحقيقة. دي ممكن تكون خدعة. وممكن تكون فرصتنا الوحيدة. تدخل حمزة هنروح كلنا. وصلنا إلى المنزل بعد منتصف الليل. كان مهجورًا. الباب مفتوح. دخلنا بحذر. وجدنا غرفة واحدة مضاءة في آخر الممر. وصوت سامي جاء منها يارا ادخلي. تقدم طارق أمامي. دخلنا. كان سامي واقفًا بجوار نافذة. لم يكن يحمل سلاحًا. بل كان يحمل صندوقًا صغيرًا. قال أنا عارف إنكم فاكرين إني السبب. صرخت إنت كنت مع عادل! أيوه. ليه؟ خفض رأسه. علشان أحميكي. نظرت إليه بغضب. كل واحد بيقول نفس الجملة! قال لأن الحقيقة فعلًا كانت كده. ثم فتح الصندوق. كان بداخله شريط قديم. قال والدك أعطاني ده قبل موته. تقدمت نحوه. ليه؟ لأنه كان عارف إنه مش هيعيش طويلًا. شغّل الشريط. ظهر والدي على الشاشة. قال يارا لو سامي وصلك بالتسجيل ده، يبقى لازم تعرفي الحقيقة. ثم ظهرت صورة قديمة لي ولأخي. تابع والدي سامي مش أخوك من الأب. تجمدت. نظرت إلى سامي. إيه؟ قال سامي أنا ابن أمك من زواجها الأول. شهقت. يعني يعني إحنا إخوات من الأم، مش من الأب. ساد الصمت. ثم تابع التسجيل والد يارا الحقيقي شخص آخر تمامًا. نظرت إلى طارق. ثم إلى أمي. ثم إلى الرجل العجوز. لكن والدي لم يذكر الاسم. بل قال اسم الرجل موجود في الصفحة الأخيرة من الملف. رفعت رأسي. الملف. الصفحة الأخيرة. التي اختفت منذ سنوات. قال سامي أنا أخفيتها. ليه؟ لأن الاسم كان هيكشف الشخص اللي كان بيحاول يوصل لك. قلت مين؟ نظر سامي إلى الباب. وفجأة سمعنا صوت سيارة تتوقف بالخارج. قال سامي لأن الشخص ده عرف إنك هنا. ثم انطفأت الأنوار. وسمعنا صوت رجل من الخارج سامي انتهى وقت الاختباء. تراجع طارق خطوة. أما سامي فأغلق الصندوق بسرعة. ثم نظر إليّ. يارا، لازم تختاري دلوقتي. أختار إيه؟ قال تهربي مع طارق أو تعرفي الحقيقة. نظرت إلى الباب. ثم إلى الملف. ثم قلت هعرف الحقيقة. ابتسم سامي ابتسامة حزينة. كنت عارف إنك هتختاري كده. ثم فتح الصندوق مرة أخرى. وأخرج الصفحة الأخيرة. ناولني إياها. كانت تحتوي على اسم واحد. قرأت الاسم ثم رفعت عيني ببطء. لأن الشخص الذي يحمل هذا الاسم كان يقف معنا في نفس الغرفة قرأت الاسم المكتوب على الصفحة سامي. رفعت عيني إليه ببطء. إنت؟ هز رأسه. أنا كنت عارف إن اليوم ده هييجي. صرخت إنت اللي كنت بتحرك كل ده؟! لا. ثم وضع يده على صدره وقال أنا كنت بحاول أمنع اللي بيحصل. أخرج من جيبه تسجيلًا صغيرًا. اسمعيه. ضغط التشغيل. جاء صوت الرجل الذي ظهر في الصور سامي، لو فضلت تحمي يارا، هتخسرها زي ما خسرت أبوها. ثم جاء صوت سامي مش هسيبها. وتوقف التسجيل. نظرت إليه. مين كان بيهددك؟ قال عادل. تجمد الجميع. عادل كان عايز الملف لأنه كان يحتوي على دليل يدينه في كل اللي حصل. ثم نظر إليّ. ولما فشل، حاول يخليكي أنتِ المفتاح. بدأت كل القطع تتجمع. طارق لم يتركني. سارة لم تكن منافسة. ليلى لم تكن سرًا عاطفيًا. وسامي لم يكن عدوي. كان الجميع يحاولون حمايتي من شخص واحد. لكن بقي سؤال أخير. فين عادل؟ ساد الصمت. ثم جاء صوت من خلفنا هنا. استدرنا. كان الرجل يقف عند الباب. لكن هذه المرة لم يكن وحده. كانت الشرطة خلفه. اقترب أحد الضباط وألقى القبض عليه. نظر عادل إليّ. وقال أبوك كان فاكر إنه يقدر يدفن الحقيقة. ثم ابتسم. بس الحقيقة دايمًا بتطلع. أجابه طارق وأنت كمان هتدفع ثمنها. بعد أسابيع، ظهرت الحقيقة كاملة. والدي كان قد اكتشف شبكة فساد كبيرة، وعادل حاول إسكات كل من عرف بها. سامي احتفظ بالأدلة. ليلى كانت شاهدة. وطارق قضى السنوات الأربع في البحث عن ليلى وإبعاد الخطر عني. أما سارة، فكانت تساعده فقط في تنفيذ الخطة. لم تكن هناك خيانة. ولم تكن هناك علاقة سرية. كان الجميع يحاولون حمايتي، حتى لو أخطأوا عندما أخفوا الحقيقة عني. وقفت أمام طارق بعد انتهاء كل شيء. قلت أربع سنين. قال عارف. كنت ممكن تخليني أعرف. كنت خايف أخسرك. ابتسمت بحزن. وأنت خسرتني أربع سنين علشان تحميني. خفض عينيه. ثم قال هل لسه عندي فرصة أصلح ده؟ نظرت إليه طويلًا. ثم قلت الفرصة موجودة بس المرة دي مفيش أسرار. ابتسم. وعد. مد يده. وضعت يدي فيها. لكن هذه المرة لم يكن هناك إعلان خطوبة متأجل، ولا سفر مفاجئ، ولا أسرار خلف الأبواب. فقط شخصان مرّا بأربع سنوات من الخوف وسوء الفهم ثم اختارا أن يبدأا من جديد. وفي النهاية، لم تكن قصتنا عن رجل اختفى وامرأة انتظرته. كانت عن الحقيقة التي احتاجت أربع سنوات حتى تظهر وعن حب لم يمت رغم كل الأكاذيب التي حاولت أن تدفنه.