رهف وادهم حصري بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

بقلم #ماياخالد حصري فقط صفحة روايات مايا خالد.

​أدهم إيده اتجمدت على المفتـاح، وبص لها بذهول كأن الكلمة ضربته في قلبه.

السكوت نزل على العربية زي الجبل. أدهم إيده اتجمدت على المفتاح، وعينيه مثبتة على رهف بذهول، كأن السحر انقلب على الساحر والكلمة طلعت في وقت هو مش معمول حسابه ليه أصلاً.
​نظرات رهف كانت بتستحلفه يرد، نظرات واحدة مستنية طوق نجاة، بس أدهم، اللي العقل عنده دايماً يسوق القلب، استوعب حجم الصدمة. الدم هرب من وشه، وحس إن في سكين جرح كبرياءه ورجولته.. البنت اللي شايلها على إيده وهي عندها عشر سنين، البنت أم ضفاير اللي مسح دموعها يوم وفاة أمها وسماها “أمانته”، شايفاه حبيبه؟
​أدهم سحب إيده من على المفتاح ببطء، ولف بجسمه كله ليها. ملامحه اتحولت من الغضب لجمود وقسوة أرعبت رهف أكتر من زعيقه:
​”أنتِ اتجننتِ يا رهف؟ أنتِ سامعة نفسك بتقولي إيه؟”
​رهف بلعت ريقها بالعافية، بس حاولت تتشبت بآخر أمل:
​”أنا بسألك يا أدهم.. الخوف ده، والغيرة دي، والسهر، والاهتمام.. كل ده عشان عمي وصاك عليا؟ ولا في حاجة تانية أنت بتداريها؟”
​ضحكة ساخرة وموجعة طلعت من بين سنان أدهم، ضحكة خلت قلب رهف يتكسر مية حتة قبل ما ينطق:
​”حاجة تانية؟ أنتِ عبيطة يلا؟! حب إيه وكلام فارغ إيه اللي بتفكري فيه؟ أنا اللي مربيكي يا هانم! أنا اللي مسحت دموعك وغسلت وشك لما جيتيلي يتيمة ومش فاهمة حاجة في الدنيا! كبرتك وعلمتك وعملتك بني آدمة.. تقومِ تتخيلي في دماغك المريضة دي إني بصالك بصة تانية؟”
​رهف اتسمرت، الدموع اتجمدت في عينيها من كتر الصدمة، وأدهم كمل بقسوة أشد عشان يقطع العرق ويسيح دمه:
​”أنا زي أخوكي الكبير يا رهف.. زي أبوكي! المسئولية اللي شايلها ناحيتك هي اللي مخلياني أستحمل قرفك ودلعك كل السنين دي، عشان أرد جميل عمي الله يرحمه. إنما إياكي.. إياكي تفكري في يوم إن ممكن يكون في قلبي ليكي حاجة غير كده. أنتِ بالنسبة لي عيل أنا اللي مربيه، ومفيش راجل بيبص للبنت اللي رباها بيكبرها!”
​الكلمات كانت بتنزل على رهف زي المطارق، تبص له وهي مش مصدقة إن ده أدهم اللي كان بيسهر جنبها وهي عيانة، ده اللي كان بيجيب لها ألعابها وهو مش حيلته جنيه. تحولت نظرتها من الانكسار لبرود مفاجئ، برود طالع من قاع الوجع.
​مسحت دموعها بظهر إيدها بحركة سريعة، وهزت رأسها ببطء وهدوء يوجع:
​”أسفة.. فهمت غلط.”
​أدهم بص لها باستغراب من تحول نبرتها، وهي كملت بصوت ثابت وجاف تماماً:
​”كنت فاكرة إن الاهتمام الخانق ده طالع من مشاعر حقيقية.. اتاريها مجرد تأدية واجب وتقيلة على قلبك. عموماً، من النهاردة أنت مش مجبر تستحمل قرفي ولا تدفع ثمن جميل بابا.. أنا ببريك من المسئولية دي تماماً يا أدهم.”
​حطت إيدها على أكرة الباب عشان تفتح، بس لفت له بصة أخيره، بصة موتت فيها كل نقطة حنية كانت شايلاها له، وقالت بصوت واطي بس حاد زي السيف:
​”وعشان تبقى عارف.. لو كنت عارفة إن تربيتك ليا هتخليك تتحكم في حياتي بالشكل ده، وتمنن عليا إنك عملتني بني آدمة.. كنت رفضت أعيش معاك من البداية!”
​فتحت باب العربية ونزلت.
​قفرت الباب وراها بهدوء مريب، ودخلت بوابة البيت بخطوات ثابته من غير ما تلتفت وراها ولا خطوة.
​أدهم فضل قاعد في العربية، مش قادر يتنفس. كلامها كان بيتردد في ودنه زي الصدى: “كنت رفضت أعيش معاك من البداية”.. “ببريك من المسئولية”. الكلمة قطعت قلبه، حس إن ضهره اتكسر نصين، وإنه ضرب نفسه بالنار وهو فاكر إنه بيصلح الأمور. حط رأسه على الدريكسيون وغمض عينيه بوجع مكتوم، مش عارف يتصرف ولا يستوعب إن البنت أم ضفاير كبرت بجد.. وراحت من إيده.
دخل أدهم البيت بخطوات ثقيلة، صوت تسحيب جزمتو على الأرض كان كفيل يبيّن حجم العبء اللي شايله. الشقة كانت هادية، ونور الصالة الواطي مبيّن أمه، الحاجة فاطمة، قاعدة على الكنبة وفي إيدها المسبحة، ومصحف مفتوح جنبها على الترابيزة.. مستنياه كعادتها.
​أول ما سمعت صوت الباب، رفعت رأسها ونزلت النظارة الطبية على مناخيرها وبصت له بقلق بالغة:
​”تأخرت ليه يا أدهم؟ ورهف مالها؟ دخلت على أوضتها كأنها حد بيجري وراها، قفلت الباب بالمفتاح ولا ردت عليا ولا رضيت تفتح لما خبطت.. مال وشها كان زي الليمونة المصرورة كده ليه؟”
​أدهم حط مفاتيح العربية والمحفظة على الترابيزة بصوت رنان، ومسح على وشه بإيديه الاثنين بتعب مكتوم، وحاول يهرب بعينيه من نظرات أمه اللي حافظة كل تفصيلة في وشه:
​”مفيش يا أمي.. كانت في الحفلة وتعبانة شوية من الزحمة والمزيكا، قالت تدخل تنام.”
​الحاجة فاطمة حطت المسبحة على المصحف وقامت وقفت قدامه، وقربت منه ببطء، عينيه المشدودة وعروق زوره البارزة كانت فاضحاه:
​”تعبانة برضه يا أدهم؟ ولا أنت طيرت برج من عقلها كالعادة؟ يا بني اتقِ الله في البنت.. رهف مبقتش رهف الصغيرين اللي كنت بتشيلها على كتافك وتجيب لها غزل البنات، البنت خلصت ثانوية خلاص وكبرت وبقت أنسة.. كفاية شد واعتصار فيها، البنت بدل ما تلجألك وتعتبرك أمانها، بقت بتخاف منك ومن دخلتك!”
​أدهم غمض عينيه بوجع، الجملة لمست الجرح الحامي، وكلام رهف في العربية كان لسه بيكويه وينزل منه دم: “لو كنت عارفة إن تربيتك ليا هتخليك تتحكم في حياتي بالشكل ده.. كنت رفضت أعيش معاك من البداية!”.
​رد على أمه بنبرة فيها حرقة وغضب مكتوم وهو بيشاور على صدره:
​”أنا مبظلمهاش يا أمي! أنا بحميها! أنتِ مش شفتي كانت واقفة فين ولا بتعمل إيه عشان تعذريني! أنا بربي وبحافظ على اسم أبويا واسمي، ولا أنتِ نسيتي وصية عمي وهو بيموت؟ نسيتي لما مسك إيدي وقال لي ‘رهف أمانتك يا أدهم، يا تطلعها بر الأمان يا تاخد حقها مني يوم القيامة’؟”
​الحاجة فاطمة حطت إيدها الدافية على دراعه، وبصت له بنظرة حكيمة وموجعة في نفس الوقت:
​”عمك رحمة الله عليه وصاك تصونها وتكون لها سند.. ما وصاكش تكسرها ولا تطفي فرحتها بالدنيا. المسئولية مش جفاء وقسوة ولا دراع مفتول يا ابن بطني.. رهف يتيمة الأم والأب، واليتيم محتاج حنية قبل الأحكام، محتاج قلب يسعه مش سجن يقفل عليه. اتعلم تكسبها وتصاحبها بدل ما تصحي في يوم تلاقيها بتبعد عنك خالص وما تقدرش ترجعها.. ساعتها مش هينفعك الندم.”
​الكلمة نزلت على قلب أدهم زي التلج المغلغل بالدبابيس.. “تلاقيها بتبعد عنك خالص”.
​بلع ريقه بالعافية وصدره بيعلى ويهبط، وعقله بيرفض يعترف إنه ممكن يكون خسرها للأبد. قال بجمود بيحاول يقنع بيه نفسه قبل أمه:
​”ربك يصلح الحال يا أمي.. تصبحي على خير، أنا طالع أوضتي.”
​سابها ومشى بخطوات سريعة قبل ما تلمح الدمعة اللي اتجمعت في طرف عينيه. أول ما قرب من أوضته، اتسمر مكانه قدام باب أوضة رهف المتقفل. حط إيده على الخشب ببطء كأنه بيلمسها هي، وسَمِع كتمة النحيب والعياط الخافت اللي طالع من جوه.. عياط طالع من حرقة قلب كان بيقطع في قلبه حتة حتة، وقف مش قادر يتحرك ولا عنده الشجاعة يفتح الباب ويمسح دموعها زي ما كان بيعمل زمان وهو بيطبطب عليها وهي صغيرة.عدت الأيام بسرعة، وجت نتيجة الثانوية العامة ورهف جابت المجموع اللي يدخلها الكلية اللي بتحلم بيها. بس أدهم حس إن النتيجة دي أخدت معاها “رهف القديمة” للابد.
​رهف تحولت 180 درجة. مبقتش تعمل مشاكل، مبقتش تعترض على كلامه، ولا تطلب تخرج، تطيع كلامه بالظبط وعلى القد.. هدوء قاتل، ولما يكلمها ترد على قد السؤال بابتسامة رسمية وميتة خلت أدهم يتجنن ويحس إنه بقى غريب عنها كلياً.
​مع بداية الدراسة في الجامعة، كانت رهف نازلة تشترِ حاجات ومستلزمات للكلية مع ندى أخت أدهم. رهف كانت لابسة طقم شيك ومرتب، وشهـا هادي بس عينيها فيها قوة وجفاء مش متعودين عليه.
​وهم ماشيين في الشارع القريب من الورشة، ندى شاوررت فجأة على كافيه مفتوح وشيك:
​”إيه ده! مش ده أدهم أخويا قاعد هناك؟”
​رهف رفعت عينين متصنعة البرود وبصت ناحية الكافيه. أدهم كان قاعد على ترابيزة مع بنت في قمة الشياكة والجمال، شعرها مظبوط، لابسة فورمال، وبتتعامل معاه بتلقائية شديدة وبتضحك.
​الصدمة كانت في أدهم نفسه.. كان بيضحك ويهزر معاها ووشه مفيهوش التكشيرة والعصبية الدائمة اللي رهف متعودة تشوفها منه. عمره ما ضحك معاها كده، دايماً وش مشدود واعتراض على كل حاجة تعملها.
​ندى بفضول:
​”تعالي نسلم عليه ونشوف مين دي!”
​رهف ببرود وجفاف يغطي الوجع اللي أكل قلبها من جوه:
​”لا يا ندى، روحي أنتِ لو عايزة.. أنا هستناكي هنا.”
​ندى جريت على أخوها وسلمت عليه، وأدهم أول ما شاف ندى رفع عينيه بسرعة لقط رهف واقفة بعيد، حاطة إيدها في جيب الجاكيت وبتبص للناحية التانية بلامبالاة قاتلة. أدهم وشه اتغير وضحكته اختفت في ثانية، وقال لندى بصوت مسموع:
​”دي الباشمهندسة ياسمين.. زبونة عندنا في الورشة وبنظبط تصميمات لشغلها.”
​البنت ابتسمت لندى، بس أدهم عينيه كانت مثبتة على رهف اللي حتى مبصتش ناحيته ولا كلفت نفسها تقرب تسلم.
​بعدها بيومين، أدهم مكنش قادر يستحمل السكوت والجدار اللي رهف بنته حوالين نفسها. استناها وهي نازلة للكلية الصبح، وقفل عليها السكة عند الباب.
​أدهم بنبرة متوترة بيحاول يفتح كلام:
​”رهف.. أنا أصل يعني.. لو في أي حاجة واقفة معاكِ في مواد الكلية أو محتاجة مساعدة في المذاكرة، أنا موجود ومستعد أذاكر لك زي زمان.. أنتِ عارفة إن الميكانيكا والهندسة لعبتي.”
​رهف وقفت، بصت له بنظرة هادية خالية من أي مشاعر، وابتسمت ابتسامة خفيفة ومستفزة من كتر البرود:
​” شكراً يا أدهم.. بس مش محتاجة تعطل نفسك ولا تشيل همي.”
​أدهم حواجبة اتعقدت وضيّق عينيه:
​”يعني إيه مش محتاجة؟ الكلية جديدة عليكِ والمواد تقيلة!”
​رهف بجمود وثبات يرعب:
​”أصل في معيد عندنا في الكلية بيدينا أونلاين ومظبط معايا كل حاجة ومسهل المادة جداً.. فا مش حابة أشغلك عن شغلك وزباينك.”
​الكلمة نزلت على أدهم زي الصاعقة. كلمة “معيد” خلت الدم يغلي في عروقه، والغيرة تنهش في صدره من غير ما يقدر ينطق أو يتحكم فيها، ورهف سابته واقف في حيرته وغيظه وشغلت نفسها ونزلت بخطوات ثابته، وهيا سايبة أدهم مش عارف يتعامل مع “رهف الجديدة” إزاي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *