حكايات ليلي

رد من غير ما يبصلي
وأنا كمان.
الرجل المسن رفع عينيه ناحية الشباك، وابتسم.
وبعدين رفع ظرف أبيض في إيده.
أمي اتوترت.
الظرف ده
آسر بص لها.
إنتِ عارفاه؟
هزت رأسها.
أبوكي كان مستنيه من سبع سنين.
كمال قال
لازم نخرج من الباب الخلفي.
لكن آسر رفض.
لأ.
كمال بص له باستغراب.
إنت مجنون؟
لو هربنا، هنفضل طول عمرنا بنهرب.
ثم التفت لي.
مريم، هتفضلي هنا.
قلت فورًا
لأ.
مريم
أنا تعبت من إن كل واحد يقرر يحميّني بإخفاء الحقيقة عني.
سكت آسر.
ثم قال
تمام.
نزلنا كلنا للصالة.
آسر فتح الباب.
الرجل المسن دخل بهدوء، ومعاه رجلين وقفوا عند المدخل.
أول ما شاف آسر، قال
كبرت يا ابن أخويا.
آسر رد ببرود
وإنت لسه عايش.
ضحك الرجل.
كنت عارف إني هرجع.
ليه؟
عشان أخلص اللي بدأته.
بص لي.
وأخيرًا قابلت مريم.
وقفت مكاني.
إنت عايز مني إيه؟
قال
الحقيقة.
الحقيقة عن إيه؟
أخرج الظرف الأبيض.
عن والدك.
أمي قالت
سيبها يا فؤاد.
إذن اسمه فؤاد.
بص لأمي.
إنتِ آخر واحدة لها حق تتكلم.
أمي ردت
أنا عشت سبع سنين بعيد عن بنتي عشان أحميها.
فؤاد قال
لا عشان تخبي عنها الحقيقة.
آسر تدخل
كفاية.
فؤاد ابتسم.
لسه بتحميها يا آسر؟
آسر قال
مش محتاجة أحميها منك.
فؤاد وضع الظرف على الطاولة.
افتحيه يا مريم.
بصيت لآسر.
هز رأسه.
فتحت الظرف.
جواه مستندات قديمة، وصورة لرجل مربوط في كرسي.
شهقت.
مين ده؟
فؤاد قال
والدك.
إيدي ارتعشت.
مستحيل.
الصورة اتاخدت بعد اختفائه.
قلبت الورقة.
كان عليها تاريخ بعد اليوم اللي قيل فيه إنه مات.
بصيت لأمي.
كنتِ عارفة؟
دموعها نزلت.
كنت أعرف إنه عايش لفترة.
لفترة؟
وبعدها انقطعت أخباره.
فؤاد قال
لأنه رفض يقول مكان الملف الحقيقي.
آسر سأله
وإنت كنت بتعذبه؟
فؤاد رد ببرود
أنا كنت محتاج إجابة.
ياسين تقدم خطوة.
فين هو دلوقتي؟
فؤاد بص له.
ياسين
ياسين اتجمد.
إنت فاكرني؟
فؤاد ابتسم.
أنا اللي خليتك تختفي.
آسر اتقدم نحوه.
إنت السبب في كل ده.
فؤاد قال
لأ.
ثم أشار إلى كمال.
هو اللي بدأ.
كل العيون راحت ناحية كمال.
كمال قال
كذاب.
فؤاد أخرج ورقة ثانية.
عندي الدليل.
كمال تراجع.
آسر أخذ الورقة.
قرأها.
وبعدين بص لكمال.
توقيعك.
كمال قال
متفبرك.
فؤاد ضحك.
يبقى اسأل مريم.
أنا بصيت له باستغراب.
أنا؟
قال
والدك ترك لك دليلًا لا يمكن تزويره.
فين؟
فؤاد أشار للملف الأصفر.
في آخر صفحة.
فتحت الملف بسرعة.
كانت آخر صفحة عبارة عن جدول طويل، وفي نهايته رمز غريب.
تحت الرمز كان مكتوب
الرمز لا يفتح إلا باسم الشخص الذي أنقذ مريم ليلة اختفائي.
بصيت لآسر.
إنت قلت إنك أنقذتني.
آسر سكت.
فؤاد ابتسم.
هنا بقى السؤال الحقيقي.
اقترب خطوة.
هل آسر هو فعلًا الشخص اللي أنقذك؟
آسر لم يرد.
أنا بصيت له.
قول الحقيقة.
ظل ساكتًا لثوانٍ.
ثم قال
لأ.
اتسعت عيني.
إيه؟
آسر بصوت هادئ
أنا ما أنقذتكش.
ساد الصمت.
أمي غطت وجهها بيديها.
وياسين بص لآسر بصدمة.
أما فؤاد فابتسم.
ثم قال
أخيرًا قلتها.
آسر رفع عينيه ناحيتي.
لكن الشخص اللي أنقذك
سكت.
كان شخصًا ما حدش فينا كان يتوقع إنه يرجع.
وفجأة
اتفتح باب البيت من وراينا.
وظهر رجل واقف في المدخل.
كان شعره أبيض، ووشه متغير من السنين.
لكن عينيه
أنا عرفتهم فورًا.
الرجل قال بصوت متعب
مريم
أنا اتجمدت.
لأن الصوت كان نفس الصوت اللي كنت بسمعه في أحلامي وأنا طفلة.
ثم قال
أنا أبوكي فضلت باصة للرجل اللي قدامي، ومش عارفة أصدق الرسالة ولا أصدق عيني.
أمال مين؟
الرجل سكت.
أمي قربت مني وقالت
مريم، اسمعيني الأول.
رجعت خطوة.
أنا سمعت كفاية!
آسر كان واقف ساكت، لكن عينيه كانت بتتحرك بين الرجل والموبايل.
قال
الرسالة دي مش صدفة.
بصيت له.
يعني إيه؟
اللي بعتلك الرسالة عارف إن الشخص ده موجود هنا.
الرجل الغريب قال
وأنا عارف مين بعتها.
الكل بص له.
مين؟
أشار ناحية كمال.
كمال صرخ
كذاب!
الرجل قال
نفس الرقم اتستخدم قبل كده في تسريب مواعيد آسر.
آسر بص لكمال.
موبايلك.
كمال رفض.
مش هديهولك.
ياسين تقدم خطوة.
يبقى واضح إن عندك حاجة تخبيها.
كمال حاول يتحرك، لكن آسر وقف في طريقه.
مفيش حد هيخرج من البيت.
كمال بصله بغضب.
إنت مش فاهم إنت بتعمل إيه.
آسر رد
لأ، أنا بدأت أفهم.
والدي الحقيقي كان واقف عند الباب، متوتر.
بصيت له.
لو إنت أبويا فعلًا، قول لي حاجة محدش يعرفها غيري.
سكت.
وبعدين قال
وإنتِ عندك سبع سنين، كنتِ بتخافي من صوت المطر.
اتجمدت.
دي كانت حقيقة.
حاجة عمري ما حكيتها لحد.
قال
وكنتِ بتحطي الكرسي جنب سريرك وتنامي وإنتِ ماسكة دبدوب أبيض صغير.
دموعي نزلت.
كان اسمه لولو.
ابتسم بحزن.
أيوه.
قربت منه خطوة.
لكن قبل ما أوصل له، أمي قالت
مريم، استني.
بصيت لها.
ليه؟
قالت
لأنه أبوكي فعلًا.
سكتت لحظة.
لكن الرسالة قالت الحقيقة في حاجة واحدة.
قلبي انقبض.
إيه؟
أمي قالت
الشخص اللي قدامك مش نفس الرجل اللي اختفى من البيت من سبع سنين.
بصيت لها بعدم فهم.
يعني؟
قالت
أبوكي اختفى فعلًا.
أمال ده مين؟
والدي قال بهدوء
أنا.
أمي هزت رأسها.
إنت أبوها لكن بعد اللي حصل، اضطر يغير هويته وشكله بالكامل عشان يفضل عايش.
فهمت أخيرًا.
الرسالة كانت بتحاول تخليني أشك فيه بسبب شكله المختلف.
لكن السؤال الأهم لسه موجود.
طب مين بعت الرسالة؟
آسر رفع الموبايل.
هنكتشف.
فتح الرسالة وحلل الرقم.
بعد ثواني، قال
الرقم مش مسجل باسم أي حد.
ثم نظر لكمال.
لكن آخر إشارة للرقم ظهرت من جهاز موجود داخل المؤسسة.
كمال قال بسرعة
يعني إيه؟
آسر رد
يعني الشخص اللي بيسرب كل حاجة لسه جوه المؤسسة.
ياسين قال
مين؟
آسر سكت.
ثم فتح ملف الحضور الخاص بالموظفين.
بدأ يقلب الصفحات.
فجأة وقف.
مريم
نعم؟
مين كان معاك يوم الحفلة قبل ما تحصل مشكلة الزهور؟
بدأت أفتكر.
كانت مديرة الحفلة، وكمال كان موجود، وفي موظفة اسمها داليا
آسر رفع عينيه.
داليا؟
أيوه.
فينها دلوقتي؟
اتصل بأحد موظفي الأمن.
داليا فين؟
جاءه الرد بعد ثواني.
ملامحه اتغيرت.
خرجت من المؤسسة من عشر دقائق.
قلت
من عشر دقائق؟!
آسر قفل المكالمة.
ومن غير ما تسجل خروج.
كمال بص للأرض.
آسر لاحظ.
إنت تعرف حاجة؟
كمال قال
لأ.
لكن ياسين كان قد التقط هاتفه.
لحظة.
فتح إحدى الصور القديمة الموجودة في الملف.
ثم قربها من الشاشة.
بصوا هنا.
الصورة كانت من سبع سنين.
والكل ظهر فيها.
أبويا.
أمي.
آسر.
كمال.
وفؤاد.
لكن في آخر الصورة، كانت واقفة فتاة صغيرة.
قلت
مين دي؟
ياسين قرب الصورة.
دي داليا.
اتسعت عيني.
داليا كانت هنا من سبع سنين؟
والدي قال
أيوه.
سألت
كانت بتشتغل إيه؟
رد
ما كانتش موظفة.
آسر قال
كانت شاهدة.
شاهدة على إيه؟
أبويا نظر إلى فؤاد.
ثم قال
على اللي حصل في الليلة اللي اختفيت فيها.
فجأة رن هاتف آسر.
رقم داليا.
رد فورًا
داليا؟
جاء صوتها مرتجفًا
أستاذ آسر أنا غلطت.
إنتِ فين؟
في المكان اللي بدأ منه كل شيء.
فين؟
سكتت ثواني.
ثم قالت
المؤسسة القديمة.
وفجأة انقطع الاتصال.
آسر بص لنا.
لازم نروح هناك.
لكن قبل ما نتحرك، وصل لمريم تسجيل صوتي جديد.
ضغطت تشغيل.
وجاء صوت داليا
مريم لو سمعتي التسجيل ده، ماتثقيش في أي حد هيقول لك إنه عارف الحقيقة. لأن الشخص اللي خان أبوكي لسه عايش.
ثم جاء صوت رجل آخر في الخلفية.
صوت مألوف جدًا.
صوت جعل آسر يتجمد في مكانه.
وقال الرجل
وهي قربت تعرفني آسر فضل ساكت ثواني، وكأن الصوت اللي سمعناه رجّعه لسنين فاتت.
بص لوالدي.
ثم قال
الصوت ده مش غريب عليا.
والدي رد
لأنه صوت الشخص اللي كنا بندور عليه.
اتجهنا كلنا للمؤسسة القديمة.
وصلنا قبل الفجر بقليل.
المكان كان مهجور، لكن النور كان شغال في غرفة واحدة.
دخلنا بحذر.
لقينا داليا قاعدة قدام مكتب قديم، ووشها مليان خوف.
أول ما شافتنا قالت
أنا آسفة يا مريم.
إنتِ كنتِ بتراقبيني؟
هزت رأسها.
أيوه.
ليه؟
بكت.
لأنهم هددوا أمي.
آسر قال
مين هم؟
داليا أشارت إلى ملف على المكتب.
كمال وفؤاد.
كمال اتصدم.
كدابة!
داليا قالت
عندي تسجيلات وتحويلات تثبت كل حاجة.
والدي فتح الملف.
كانت الأدلة كاملة.
تحويلات مالية، رسائل، تسجيلات، وأسماء الأشخاص اللي شاركوا في إخفاء الحقيقة.
آسر بص لكمال.
انتهى كل شيء.
كمال حاول ينكر، لكن الأدلة كانت أقوى من أي كلام.
أما فؤاد، فحاول يهرب، لكن الشرطة كانت وصلت بعد ما أبلغ آسر عنها.
وأخيرًا ظهرت الحقيقة كاملة.
والدي لم يمت.
أمي لم تتخلَّ عني.
وياسين لم يكن هاربًا.
كلهم كانوا يحاولون النجاة من شبكة كان كمال وفؤاد جزءًا منها.
أما آسر
فكان يعرفني من طفولتي فعلًا، لكنه لم يتدخل في حياتي طوال السنوات الماضية إلا بعدما تأكد أن الخطر عاد من جديد.
وفي اليوم التالي، جلست مع والدي وأمي لأول مرة بعد سنين طويلة.
كان عندي أسئلة لا تنتهي.
وكان عندهم اعتذارات أكتر.
لكن للمرة الأولى
ما كانش في أسرار.
أما آسر، فوقف بعيدًا عند باب المؤسسة.
ناداني
مريم.
بصيت له.
ابتسم وقال
البورتريه لسه موجود.
ضحكت.
واللافتة؟
اتشالت.
ليه؟
قال
عشان صاحب الصورة قرر إن الصورة مش محتاجة حماية.
ضحكت وأنا بهز رأسي.
وبعدين قلت
بس عندي شرط.
إيه؟
ممنوع تحط صورة جديدة في المؤسسة.
ضحك.
ليه؟
قلت
عشان مش ناقصة فضايح تاني.
ضحكنا، وانتهت الحكاية من حيث بدأت
بصورة.
لكن المرة دي، الصورة ما كانتش سرًا.
كانت مجرد ذكرى لأغرب بداية ممكنة لحكاية غيّرت حياتي.
لأن أحيانًا
أكبر غلطة بنفتكر إنها هتفضحنا
بتكون هي نفسها أول خطوة لحاجة ما كناش متوقعينها أبدًا.





