نظري ضاع

عشان يدخل أوضة النوم، قومت من مكاني زي القتيل اللي رجعتله الروح. جريت على الكنبة، طلعت التقرير من تحت الشلتة، وروحت على مكتبة بابا اللي في زاوية الصالون.. مكتبة ضخمة مليانة كتب تاريخ ومجلدات قديمة. كنت حافظة مكان مجلد كبير ل تاريخ مصر القديمة بابا كان حاطط فيه تجويف سري زمان بيشيل فيه الفلوس الطوارئ. فتحت الكتاب وحطيت التقرير جواه ورجعته مكانه بالظبط.
بعدها طلعت على أطراف صوابعي للأوضة الصغيرة اللي تحت السلم، وجبت سرنجة نظيفة من علبة الإسعافات، وطلعت وراه بس روحت على حمام الدور الأول بحجة إني بغسل وشي.
بالليل، طارق نام في الصالة وهو بيتفرج على التلفزيون بعد ما شرب القهوة. تسحبت زي الحرامية على أوضة النوم، فتحت درج الكومودينو بتاعه براحة شديدة، طلعت إزازة القطرة الأصلية.. سحبت السائل السام كله بالسرنجة وفضيته في الحوض وشغلت المية عليه عشان ميسبش أي أثر، ومسكت إزازة المحلول المعقم بتاع حسام وحطيتها جوة علبة القطرة القديمة!
رجعت كل حاجة مكانها، ودخلت الحمام التاني، وطلعت الإزازة العلاجية اللي حسام ادهالي.. حطيت منها نقطتين في كل عين.
حسيت ببرودة وانتعاش أول مرة أحس بيه من شهور! كأن ڼار كانت قايدة في نني عيني ومية ساقعة طفتها.
عدت ساعات الليل وأنا صاحية ماليش عين تنام. كنت بفكر في بكرة، وفي حسام، وفي المحامي اللي طارق متفق معاه.
الصبح طلع، وأنا لسه في السرير، حسيت بنور الشمس داخل من الشباك.. ولأول مرة من تلات شهور، قدرت أميز إن النور مش مجرد بقعة بيضا، لأ، بدأت أشوف خيوط النور واضحة، وشفت ضل الكرسي اللي جنب السرير بيتشكل قدام عيني بوضوح أكبر! الأمل اڼفجر في قلبي، العلاج بدأ يشتغل بسرعة لأن التلف مكنش كامل زي ما حسام قال!
سمعت
صوت طارق داخل الأوضة، فغمضت عيني فوراً وعملت نفسي نايمة.
قرب من السرير، وحط إيده على كتفي يهزني
دينا.. اصحي، يلا عشان نلحق ميعاد المحامي والشهر العقاري.
فتحت عيني ببطء، وبصيتله.. ورغم إني كنت شايفاه زي خيال مهزوز بس ملامحه بدأت تبان، مثلت إني مش شايفة ولا حاجة، وقولتله بصوت نايم
صباح الخير يا طارق.. هو الصبح طلع خلاص؟
أيوة طلع، يلا فوقي واغسلي وشك وخدي القطرة بتاعتك الأول عشان عينك متبقاش محمرة في التوكيل.
جاب الإزازة اللي أنا بدلتها بإيدي، ومسك وشي بنفس الحنية الكدابة
يلا يا حبيبتي، غمضي.
حط النقط في عيني.. مكنش فيه حړقان، كانت مية معقمة عادية، بس أنا قعدت أصرخ وأكتم في وشي وأقول آه.. كفاية يا طارق، كفاية بټحرق أوي! عشان ميعرفش إني بدلتها.
هو ابتسم في سره، وقال
معلش يا روحي، خلاص خلصنا.. هسيبك تلبسي وتنزلي.
خرج من الأوضة ونزل لتحت.
قومت بسرعة، لبست عباية سودة وطرحة ونضارة شمس سودة كبيرة عشان أداري عيني ومحدش يلاحظ حركتي. نزلت وراه على السلم، وأنا سانة على الدرابزين كأني عامية تايهة، بس في الحقيقة كنت شايفة السلالم واحدة واحدة تحت رجلي!
ركبنا العربية، وطول الطريق طارق كان مشغل الكاسيت وبيغني ومبسوط، فرحان إن اللحظة اللي هيحط فيها إيده على ملايين بابا Salhab وقصره وأراضيه خلاص قربت.
وصلنا مكتب المحامي في مصر الجديدة.. دخلنا، واستقبلنا واحد اسمه وجدي، راجل أقرع بكرش ونظراته كلها طمع وشبه طارق بالظبط.
أهلاً أهلاً بمدام دينا، نورتي المكتب يا فندم.. ألف سلامة عليكي، الأستاذ طارق حكالي على الظروف الصحية وربنا يتم شفاكي على خير.
قعدت على الكرسي، ووجدي حط الدوسيه الكبير قدامي على المكتب
ده التوكيل العام المالي والإداري، ومعاه إقرار تنازل وإدارة لجميع الممتلكات والشركات والحسابات البنكية الخاصة بوالدك المرحوم رفعت بيه السلاب.
طارق مسك إيدي وحطها على الورقة
بصي يا دينا، الورقة هنا أهي، وجدي جاب موظف الشهر العقاري عشان نخلص الحكاية هنا في المكتب وماتتعبيش في الزحمة.. حطي بصمتك هنا وهنا.
من ورا النضارة السودة، بصيت على الورق.. نظري كان مهزوز بس الكلمات كانت بدأت توضح قدامي تنازل غير مشروط عن جميع الحصص والأنصبة والفيلا الكائنة بالتجمع الخامس….
الراجل مكنش عايز يعمل توكيل إدارة بس، ده كان بيمضيني على عقد بيع وتنازل كامل عن كل مليم أملكه، ويخليني شحاتة في الشارع وبإرادتي!
إيدي كانت محطوطة على الحبر البصامة، وفجأة، رن تليفون وجدي المحامي على المكتب.
وجدي بص في الشاشة واتوتر، وبص لطارق وقاله
ثواني يا طارق باشا، مكالمة مهمة من المستشار في المحكمة هرد في الأوضة التانية وأرجعلك حالاً.
قام وجدي، وطارق طلع وراه للبلكونة عشان ېدخن سېجارة ويتكلم معاه في حاجة على انفراد، وسابوني لوحدي في المكتب مع موظف الشهر العقاري اللي كان قاعد بيسجل على اللاب توب بتاعه ومش مركز معايا أصلاً.
في اللحظة دي بالظبط، وأنا بفرك عيني تحت النضارة، بصيت ناحية باب البلكونة الإزاز اللي طارق واقف وراه..
وفجأة، شفت حاجة خلت الډم يهرب من عروقي، حاجة طارق مكنش يتخيل في أسوأ كوابيسه إني ممكن ألمحها أو أشوفها.
شفت ست واقفة في البلكونة مع طارق، ست طويلة ولابسة فستان أحمر وشعرها أصفر.. كانت بتبوسه في خده وبتضحك وهي بتشاور على الورق اللي في إيده، وبعدين مسكت بطنها اللي كانت بارزة شوية، وطارق حط إيده على بطنها بحنان وحب مكنتش بشوفهم في عينه ليا طول السنتين اللي فاتوا!
الست دي مكنتش غريبة..
دي كانت شيرين! البنت اللي
كانت شغالة سكرتيرة في مكتب والدي زمان، واللي طارق طردها بعد ۏفاة بابا بحجة إنها مهملة ومش أمينة!
اتضح إن شيرين حامل من طارق، وإنهم متفقين على كل حاجة من أول يوم.. التسميم، والعمى، والاستيلاء على الورث، عشان ياخدوا كل مليم ويبنوا حياتهم سوا بعد ما يرموني في مصحة أو مستشفى مجانين!
رجعت لورا على الكرسي وإيدي بتترعش من الغيظ والڠضب اللي ملوش حدود.. بس المرة دي مكنش خوف، المرة دي كانت رغبة في الاڼتقام هتاكل الأخضر واليابس.
دخل طارق من البلكونة وهو بيمسح بوقه ومبتسم
ها يا دينا، يلا نبصم عشان نمشي؟
بصيتله من تحت النضارة، وحسيت بقوة شيطانية جوايا خلتني أبتسم ابتسامة باهتة وأقوله
من عيوني يا طارق. . يلا، خلينا نخلص كل حاجة النهاردة.
الجزء الثالث
طارق مسك صباع إبهامي اليمين، وإيده كانت سخنة ومتوترة، حط صباعي على البصامة الحبر، وبعدين ضغط بيه على أول ورقة في الدوسيه.
شاطرة يا دينا.. عفيّة عليكي، كده نحمي حقك ومحدش يقدر يمسك بكلمة.
موظف الشهر العقاري كان باصص في شاشته، مد إيده وهو بيتثاءب، خد الورقة الأولى وفتح التانية
البصمة التانية هنا يا مدام.. تحت إقرار استلام كامل الثمن.
الكلمة رنت في ودني زي الجرس استلام كامل الثمن! يعني مش بس بيع وتنازل، ده كمان إقرار إني قبضت تمن قصر أبويا وأراضيه والشركات كاش في إيدي، عشان بعد كده لو حتى فكرت أرفع قضية بطلان عقد، يتقال إني قبضت ومفيش ليا مليم واحد عند طارق.
الډم كان بيغلي في نفوخي، لكن عيني اللي ورا النضارة السودة كانت شايفة كل تفصيلة. شيرين كانت لسه واقفة ورا إزاز البلكونة، بتبصلي بابتسامة شماتة وحاطة إيدها على وسطها وبترتب خصلات شعرها بدلع، مستنية اللحظة اللي التوكيل والبيع يخلصوا فيها عشان تدخل تاخد شريكها بالحضن.
في اللحظة اللي طارق كان بيضغط فيها صباعي على الورقة التانية، عملت حركة مفاجئة.. اتشنجت، وقعت كوباية المية اللي على المكتب بإيدي الشمال، وصړخت صړخة مكتومة ووقعت راسي على المكتب
آه.. عيني! مش قادرة.. طارق الحقني، في ڼار بتولع جوة راسي!
المية ڠرقت طرف المكتب والورق طار شوية، الموظف اتخض ورجع ضهره لورا، وطارق اتوتر ومسك كتفي بسرعة
في إيه يا دينا؟ مالك؟ إيه اللي حصل فجأة؟
قومت نفسي وأنا بهز راسي وبرتعش، وحطيت إيدي التانية اللي مليانة حبر على عيني كأني بدعكها، بس في الحقيقة وسخت الورقة التانية بلطخة حبر سودا كبيرة بوظت مكان البصمة والتوقيع
ۏجع فظيع.. الضغط عالي في عيني، حاسة بإغماءة ومش قادرة أتنفس.. مش قادرة أفتح ولا أقعد، وديني المستشفى يا طارق، ھموت!
وجدي المحامي دخل يجري من الأوضة التانية على صوت الكوباية اللي اتكسرت
في إيه يا جماعة؟ خير يا أستاذ طارق؟
طارق كان وشه محتقن بالغيظ، باصص للورقة اللي باظت بالحبر ولبصمتي اللي اتعجنت، كان عايز يزعق ويشتمني بس وجود الموظف والمحامي كتفوا لسانه
مفيش يا أستاذ وجدي.. المدام تعبت فجأة، الضغط علي عليها تقريباً.
موظف الشهر العقاري لم حاجته بزهق
طب يا أستاذ، كده الورقة دي باظت ومحتاجة تطبع من جديد وتتسجل برقم صادر جديد.. والسيستم أصلاً هيقفل كمان ربع ساعة، مش هنلحق نطلع غيرها النهاردة.
طارق ضغط على سنانه لدرجة إني سمعت صوت طقطقتها
طب والأولانية؟ الورقة الأولى اتبصمت!
الموظف رد ببرود حكومي معتاد
الإقرار مرتبط بالعقد، مينفعش نسجل نص المعاملة ونسيب النص التاني.. يا تيجوا بكرة الصبح بدري، يا إما نحدد ميعاد جديد الأسبوع الجاي.
شيرين من ورا الإزاز
خبطت رجلها في الأرض بغل ودخلت الأوضة الداخلية عشان متظهرش في الصورة.
طارق مسك دراعي پعنف واستعجال وهو بيسندني ظاهرياً
طب خلاص يا وجدي، جهز الورق من جديد وبكرة الساعة تسعة الصبح هنكون عندك.. هروحها بس تاخد مسكن ونرجع بكرة نخلص الباقي.
نزلني على السلم، وكل خطوة كان بيضغط على كتفي كأنه عايز يكسر عضمي. ركبنا العربية ورزع الباب بغيظ، ولف ركب جنب الدريكسيون وضړب بإيده على الطارة
مكنتيش قادرة تستحملي دقيقتين كمان؟ دقيقتين بس نخلص المصېبة دي؟ إيه اللي جالك فجأة ده؟
رجعت ضهري لورا وقولتله بصوت ضعيف ومبحوح
ڠصب عني يا طارق.. أنا بمۏت، عيني حاسة فيها بسكاكين بتقطع فيها.. إنت نسيت إنك حاططلي القطرة الصبح؟ هي بتعمل فيا كده علطول، مش إنت قولتلي ده مفعول الشفا؟
كلامي خلاه يسكت ويبلع ريقه.. افتكر إن المادة السامة اللي كان بيحطها هي اللي المفروض عامية عيني ومسببة الألم، فمقدرش يجادل أكتر من كده عشان ميفضحش نفسه
خلاص.. خلاص يا دينا، ارتاحي، لما نوصل الفيلا هعملك كمدات وتاخدي منوم وتنامي لبكرة.
طول طريق الرجوع للتجمع، كنت باصة من الشباك من ورا النضارة السودة.. الدنيا كانت بدأت تملى ألوان من جديد! شفت العربيات، شفت كوبري السويس، شفت يافطات المحلات، شفت وشه هو كمان في المراية وهو عمال يفرك في دقنه ويبعت رسايل سريعة على الواتساب وهو سايق..
بصيت على شاشة تليفونه اللي كانت محطوطة على الحامل جنب الدريكسيون، ولأن الخط كان كبير شوية ونظري بيتحسن بسرعة مع القطرة المعقمة، قدرت ألمح اسم شيرين
البت دي لازم تمضي بكرة يا طارق.. الشيكات اللي علينا في معرض الأنتيكات هتتسحب الأحد الجاي ولو الورق مخلصش هنسجن أنا وأنت.. اتصرف معاها!
رد عليها بكلمة واحدة بكرة كل حاجة هتبقى في جيبنا، اصبري.
وصلنا الفيلا بعد الضهر. فتح البوابة، ودخلني لحد أوضة النوم، وقفل الباب بالمفتاح من برة زي عادته بعد ما اتأكد إني نمت على السرير
أنا نازل ورايا مشوار في المعرض عشان أظبط حسابات، وراجع بالليل.. متروحيش في حتة ومتقوميش من السرير.
أول ما سمعت صوت عربيته بعدت عن الفيلا، قومت على حيلي زي الحصان.
دخلت الحمام، غسلت وشي بمية ساقعة، وحطيت القطرة العلاجية اللي حسام ادهالي.. الرؤية وسعت أكتر والغبش اللي على عيني الشمال بدأ يدوب زي تلج بيسيح في شمس الصيف.
جريت على التليفون الأرضي ذو الزراير الكبيرة، وطلبت نمرة حسام اللي حفظتها عن ظهر قلب.
رد من أول رنة
ألو.. دينا؟ طمنيني، إنتي كويسة؟ عملتي إيه في الشهر العقاري؟
حسام.. اسمعني كويس، اللعبة كبرت أوي، والوقت بيجري ضدنا.. طارق متجوز شيرين السكرتيرة، وحامل منه، وهما الاتنين مديونين لشوشتهم في المعرض وناويين ياخدوا التنازل بكرة الصبح بالعافية عشان يهربوا بالفلوس ويسيبوني عامية ومفلسة!
حسام شهق من الصدمة
شيرين؟ البنت اللي كانت شغالة عند والدك؟ دي كانت مفصولة من سنة!
أيوة هي.. ومستنيين بكرة عشان يسجلوا البيع النهائي. أنا عطلت البصمة النهاردة وعملت نفسي أغمى عليا، بس بكرة مش هعرف أهرب.. لازم نتصرف الليلة دي، لازم أفركش كل حاجة قبل ما الشمس تطلع!
حسام فكر ثواني وقال بحزم
أنا جاي ليكي الفيلا حالاً.. معايا محامي من أصحابي ثقة جداً، وشغال في قضايا التزوير والأموال العامة. لازم نفتش مكتب طارق في الفيلا ونطلع كل المستندات والشيكات والتقارير الطبية

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *