نظري ضاع
إني مقفول عليا بمفتاح من برة، سكت بحزن وقالي هو جوزك بيحبسك كده بجد؟
حسام اتصرف ورميتله نسخة مفتاح قديمة من بلكونة الدور الأول، وفتح ودخل.
لأول مرة من أسابيع أخرج الجنينة وحد ساندني.. أول ما شميت ريحة الورد عيطت بحړقة.
حسام مكنش بيبصلي بشفقة، كان بيسمع وبس. وقبل ما يمشي، عينه جت على قطرة عيني اللي على الترابيزة
ممكن أبص عليها بعد إذنك؟
اديتهاله، فتحها وشمها وفجأة ملامحه اتقلبت
مين اللي بيعملك التركيبة دي؟
طارق بيقول
صيدلية مخصوص بتعملها بتركيبة مستوردة عشان حالتي.
حسام سحب منها كام نقطة في إزازة صغيرة كان واخدها معاه ومشي.
بعد تلات أيام رجع، ومكنش على وشه أي ابتسامة.
دينا، اسمعيني كويس واهدي خالص.
مسك إيدي وقالي
إنتي نظرك مابيروحش بسبب مرض ولا حاجة.
قلبي دق في صدري زي الطبلة
قصدك إيه؟
حسام حط الإزازة قدامي
أنا حللت العينة في المعمل عندي.. دي فيها مادة كاوية بتسبب التهابات وتآكل في القرنية، واستخدامها كل يوم كفيل يعمي أي حد في شهور.
الدنيا لفت بيا والدم جمد في عروقي
مستحيل.. لأ!
مين اللي كان بيحطلك القطرة دي كل يوم بإيده؟
مقدرتش أنطق.. الإجابة كانت واضحة زي الشمس.
كل ليلة، وطارق باصص في عيني ومسكن بوشي بحنية مزيفة وهو بينقطلي السم بإيده.
حسام قرب مني وقال بصوت واطي
جوزك مش بيعالجك يا دينا.. جوزك بيعميكي على ڼار هادية.
وفي اللحظة دي فهمت إن اللي كنت فاكراه ابتلاء من ربنا، كان خطة شيطانية عشان أكون تحت رحمته.. ومكنتش متخيلة طارق ممكن يوصل لحد فين تاني عشان يلهف كل مليم بابا سابهولي.
الجزء الثاني
الكلمة نزلت على دماغي زي جردل مية متلجة في عز طوبة.. جوزك بيعميكي على ڼار هادية.
فضلت قاعدة مكاني على الكنبة في الصالون، مفيش حركة، حتى الهوا حسيت إنه وقف في زوري ومش عارفة أطلعه ولا أدخله. الصمت اللي ساد الفيلا كان مرعب، مكنش مسموع فيه غير صوت دقات قلبي اللي كانت بټضرب في وداني زي المطرقة، وصوت تكات الساعة القديمة اللي بابا الله يرحمه كان معلقها في مدخل الدور الأرضي.
حسام فضل باصصلي، حاسس بالصدمة اللي شلت لساني. مد إيده بهدوء وحط التقرير بتاع المعمل في إيدي، الورق كان ناعم وصوت خروشته في صوابعي خلاني أترعش.
دينا.. فوقي، لازم تستوعبي اللي بيحصل، ومينفعش ټنهاري دلوقتي خالص.
صوتي طلع واطي ومبحوح، زي ما أكون خارجة من تحت الأنقاض
أنت.. أنت متأكد يا حسام؟ يعني مفيش احتمال واحد في المية إن المعمل اتلخبط؟ إن العينة فسدت من الشمس مثلاً؟ أي حاجة تانية غير اللي بتقوله ده؟
حسام اتنهد تنهيدة طويلة فيها ۏجع وغيظ
دينا، أنا شغال كيميائي بقالي عشر سنين، ومش دي المرة الأولى اللي أحلل فيها مركبات سمية. المادة اللي محطوطة في القطرة دي مركب كيميائي مشتق من مواد قلوية كاوية، محطوطة بتركيز خبيث جداً.. تركيز ضعيف ميعملش حړق فوري للعين يخليكي ټصرخي وتروحي الطوارئ، لأ، تركيز مدروس بالمللي جرام عشان يعمل التهاب تدريجي، تآكل في خلايا القرنية، ومع كل يوم يزود الضباب لحد ما يحصل تلف دائم في العصب البصري والشبكية.. اللي عمل التركيبة دي مش صيدلي بيعالج، ده مچرم بېموت نظرك بالبطيء عشان لما تتعمي محدش يشك، ويتقال مرض وراثي مناعي نادر زي ما هو مفهمك ومفهم الدكاترة!
الدموع نزلت من عيني سخنة زي الڼار، بس مكنتش دموع ضعف.. كانت دموع قهر وغدر. شريط حياتي مع طارق في السنتين اللي فاتوا عدى قدام عيني في ثواني. افتكرت أول يوم اتقدملي فيه في المعرض بتاع بابا، افتكرت حنيته المزيفة، اهتمامه لما بابا ماټ، إصراره إنه يمسك كل حاجة، وافتكرت أكتر حاجة بتوجع كل ليلة وهو بيقعدني قدام التسريحة، يمسك وشي بإيديه الاتنين بحنية، ويقولي غمضي يا حبيبتي.. مټخافيش، الشفا بيجي بالصبر، وينزل النقطة في عيني وأنا أتوجع وأقوله بټحرق أوي يا طارق، فيرد عليا ببرود معلش، الدوا المر هو اللي بيشفي!
طلع هو اللي بيحطلي السم بإيده.. الراجل اللي
كنت بنام على دراعه وأنا حاسة بالأمان.
مسحت وشي بإيدي ورفعت راسي لحسام
والحل إيه يا حسام؟ هروح في داهية.. أنا محپوسة هنا ونظري ضايع، ولو واجهته هيعمل فيا إيه؟ هيقتلني رسمي؟
حسام قرب مني ووطى صوته أكتر
المواجهة دلوقتي اڼتحار يا دينا. طارق لو حس إنك كشفتيه، مش هيستنى يعميكي، ممكن يخلص عليكي في ثانية ويقول وقعت من على السلم ولا جالها هبوط في الدورة الدموية ومحدش هيسأل وراه. إحنا لازم نلعب اللعبة بذكائه هو، بل وأخبث منه كمان.
أعمل إيه؟ قولي، أنا همشي وراك خطوة بخطوة.
أول حاجة، القطرة دي مش هتدخل عينك تاني من اللحظة دي.. أنا جايبلك معايا إزازة تانية شبهها بالظبط، نفس الحجم واللون، بس دي فيها محلول ملحي معقم ومرطب للعين خالي من أي مواد فعالة. لما يجي يحطلك، هتمثلي إنه حط من بتاعته.. بس المشكلة إنه هو اللي بيشيل الإزازة في جيبه أو في درج التسريحة.
فكرت ثواني وقولتله
هو بيسيب الإزازة في درج الكومودينو جنبه، كل يوم قبل ما ينام بيطلعها ويحطلي، وبعدين يرجعها تاني ويقفل الدرج. أنا ممكن أبدل السائل اللي جوة الإزازة بتاعته.. أفضيه في الحمام وأحط مكانه المحلول بتاعك!
حسام هز راسه بإعجاب
بالظبط، ده اللي هيحصل. وكمان جايبلك قطرة تانية علاجية قوية جداً عشان نلحق اللي نقدر نلحقه من القرنية بتاعتك. التقرير بيقول إن التلف لسه مش كامل، القرنية ملتهبة ومحروقة سطحيًا، لكن العصب البصري لسه بيستجيب للضوء.. لو وقفنا المادة دي وبدأنا العلاج ده في السر، نظرك ممكن يبدأ يرجع تدريجيًا في خلال أيام وأسابيع!
الكلمة رجعت فيا الروح من جديد.. يعني الأمل لسه موجود؟ يعني ممكن أشوف النور تاني وأشوف وشوش الناس؟
حسام حط إيده على كتفي
بس بشرط يا دينا.. حتى لو بدأتي تشوفي خيالات، أو شفتي طارق بوضوح، إياكي تبيني! لازم تفضلي تمثلي إنك عامية تماماً، ومبتشوفيش غير سواد.. تمثلي إن حالتك بتسوء أكتر، لحد ما نعرف هو ناوي على إيه بالظبط ونمسك عليه دليل يوديه ورا الشمس ويحميكي منه للأبد.
موافقة.. والله العظيم لهوريه، هندمه على كل دمعة نزلت من عيني.
فجأة، سمعنا صوت كلاكس عربية برة على البوابة الحديد!
قلبي وقع في رجلي. حسام اتخض وبص من الشباك اللي بيطل على المدخل
ده جوزك رجع! عربيته بتركن جوة!
الړعب ملاني، طارق رجع بدري عن ميعاده بساعتين كاملين!
حسام، لو شافك هنا هيقتلك وېقتلني! اخرج من الباب الخلفي بتاع المطبخ اللي بيودي على ممر الجنينة.. بسرعة! وخد بالك الترباس بتاع المطبخ مزيت ومبيعملش صوت.
حسام مسك إيدي بسرعة
خبي التقرير ده يا دينا! إياكي يقع تحت إيده! وخدي إزازة المحلول دي خبيها في هدومك دلوقتي، وافتكري.. إنتي عامية ومش شايفة حاجة!
جري حسام على المطبخ بخفة زي الشبح، وأنا وقفت مكاني في الصالون، إيدي بتترعش والورق بتاع التقرير في إيدي. أوديه فين؟ أخبيه فين ومفيش وقت؟
سمعت صوت مفاتيح طارق بتتحط في كالون الباب الرئيسي.. تكة.. التانية.
بسرعة البرق، حطيت التقرير تحت شلتة الكنبة الكبيرة اللي كنت قاعدة عليها، ودخلت إزازة المحلول جوة جيبي الداخلي في الروب، وقعدت على الكنبة، ريحت ضهري ورجعت راسي لورا وعملت نفسي نايمة أو دايخة ومستسلمة للعمى.
الباب اتفتح، وصوت خطوات جزمته الرنانة على الرخام كان بيقرب.
دينا؟ إنتي لسه قاعدة هنا؟
فتحت عيني ببطء، مثبتة نظري في الفراغ قدامي زي ما اتعودت أعمل لما كان النور يروح
طارق؟ رجعت بدري ليه؟ في
حاجة نسيتها؟
قرب مني ووقف قدام الكنبة، حسيت بظله وضخامة جسمه وهو باصصلي بتفحص
الاجتماع اتأجل.. قولت أرجع أشوفك وأتغدى هنا. إنتي مالك شكلك مفركش كده ليه؟ والفيلا ريحتها زي ما يكون حد كان هنا؟
اټخضيت من جوة، بس استجمعت كل ذرة ثبات انفعالي فيا ورديت ببرود
حد مين يا طارق؟ هو أنا بشوف عشان أعرف مين دخل ومين خرج؟ ريحة إيه.. يمكن ريحة الهوا بتاع الجنينة لما فتحت الشباك أشم شوية ورد قبل ما الشمس تحمى.
سكت شوية، ومشى في الصالة يبص حواليه. كنت سامعة صوت خطواته وهو بيدور بعينه على أي حاجة مش في مكانها.. كان شكاك زي التعبان، مبيفوتش هفوة. وصل لحد ترابيزة المطبخ، وبعدين رجع تاني وقعد على الكرسي اللي قصاد الكنبة بالظبط.
طيب كويس.. على فكرة، الأستاذ وجدي المحامي كلمني، ومستنينا بكرة في مكتبه عشان نخلص موضوع التوكيل.
جسمي كله اتشنج، بس حاولت مابينش
توكيل إيه تاني يا طارق؟ مش قولتلك لما نظري يتحسن شوية وأقدر أقرا الورق بنفسي؟
طارق ضحك ضحكة باردة مستفزة، وقام قرب مني، وطى عليا ومسك إيدي بقوة خلت صوابعي توجعني
وهو نظرك هيتحسن يا دينا؟ متضحكيش على نفسك.. الدكتور قايل إن الحالة بتتدهور، وعشان مصلحتك ومصلحة أملاك أبوكي، لازم حد يدير كل ده قبل ما الضرايب والديون تبهدل الدنيا.. بكرة هنروح للشهر العقاري، هتبصمي وتخلصي الحكاية، مفهوم؟
بصيت في اتجاه صوته وأنا مبرقة عيني كأني تايهة، وقولتله باستسلام مزيف
اللي تشوفه يا طارق.. اللي تشوفه، أنا أصلاً مبقاش فارق معايا حاجة خلاص.
ابتسم، وحسيت بنبرة الانتصار في صوته
شاطرة.. كده عقلتي. هقوم أغير هدومي وأعملنا فنجانين قهوة.
أول ما طلع الدور التاني
لمحة نيوز


