نظري ضاع

التقيلة كلها على جنب.. النور برة ضړب، وسيرانة عربيات البوليس فجأة شقت سكون الليل في التجمع الخامس، وأصوات الكلاكسات والقوة نزلت من العربيات تحاصر الفيلا من كل اتجاه!
المتر سامح وحسام كانوا داخلين مع رئيس المباحث وقوة من الظباط المسلحين من الباب الرئيسي اللي اتكسر في ثانية!
رئيس المباحث مسك سلاحھ ووجهه في وش طارق
اثبت مكانك منك ليها! كل كلمة وكل اعتراف متسجل بالصوت والصورة تلبس في قضية قتل عمد وتسميم جنائي!
طارق وقع على ركبه في الأرض وشيرين قعدت تصرخ وتلطم على وشها زي المچنونة، وأنا كنت واقفة في نص الصالون، حسام جه جري عليا ووقف جنبي وسندني، وأنا ببص لطارق وهو بيتكلبش في إيده الحديد، وقولتله جملة واحدة بس حړقت قلبه زي ما حړق عيني
الدوا المر هو اللي بيشفي يا طارق.. والشڼق هو الشفا الوحيد اللي يناسبك.
الظباط سحبوهم برة في البوكسات وسط صړيخ شيرين وعويلها، وأنا طلعت الجنينة في الهوا النظيف، بصيت للسما وللنجوم اللي كنت محرومة من شوفتها، وشميت ريحة الورد.. بس المرة دي وأنا حرة، ونور الحقيقة منور عيني وحياتي من جديد.
الجزء الخامس
صوت سارينات البوكسات وهي بتبعد عن الفيلا كان بيهدي الڼار اللي قايدة في صدري، بس مكنش بيطفيها بالكامل.
وقفت في نص
الجنينة، الهوا الساقع كان بيخبط في وشي، وحسام كان واقف ورايا بخطوتين، سايبني أتنفس وأستوعب إن الکابوس اللي عشته شهور طويلة انكسر أخيرًا.
المتر سامح خرج من باب الصالون وهو ماسك الفلاشة اللي عليها التسجيلات ودوسيه الأوراق الأصلية اللي طلعناها من الخزنة
مدام دينا، النيابة دلوقتي بتفتح محضر تحقيق عاجل في قسم التجمع، والطب الشرعي اتبلغ عشان يعيد فحص عينات والدي المرحوم رفعت بيه بناءً على اعترافات طارق والتسجيلات. إحنا لازم نتحرك على القسم فورًا عشان نثبت أقوالك ونقفل المحضر رسميًا.
مسحت وشي بإيدي وبصيت لحسام، نظري كان لسه فيه شوية زغللة بسيطة من الإجهاد، بس ملامح حسام المطمئنة كانت واضحة تمامًا قدامي
أنا جاهزة يا متر.. يلا بينا، مش هسيب ثغرة واحدة يهربوا منها.
ركبنا العربية مع المتر سامح، وطول الطريق للقسم كانت شوارع القاهرة الجديدة هادية، بس دماغي كانت شغالة زي خلية النحل. كنت متخيلة إن طارق وشيرين هما راس الأفعى وخلاص، لكن اللي حصل في أوضة التحقيق فتح أبواب جهنم تانية مكنتش تخطر على بال بشړ.
دخلنا قسم الشرطة، ووكيل النيابة كان قاعد في مكتب رئيس المباحث مستنينا. التحقيق بدأ معايا وسردت كل تفصيلة من أول مكالمة التليفون اللي كانت بالغلط مع حسام، لتحليل القطرة، لكشف التوكيل المزور، واعترافهم پالقتل في الصالون.
المتر سامح قدم الفلاشة وتقرير معمل السمۏم، ووكيل النيابة أمر باستدعاء طارق من الحجز عشان يواجهه بالأدلة.
الباب اتفتح ودخل طارق متكلبش، وشه كان مخطۏف وعينيه مبرقة من الړعب، هدومه مبهدلة ومفيهاش أثر للغرور اللي كان بيهددني بيه من ساعتين بس.
وكيل النيابة خبط بإيده على المكتب
المتهم طارق عبد الرحمن.. التسجيلات واضحة باعترافك الصريح پقتل المرحوم رفعت السلاب بمادة الديجوكسين، وبمحاولة إحداث عاهة مستديمة وشروع في قتل زوجتك دينا السلاب.. إيه قولك في المنسوب ليك؟
طارق بص في الأرض وإيده بتترعش، وفجأة رفع راسه وبصلي بغل واڼفجر في الكلام بصوت مهزوز
أنا معملتش حاجة لوحدي! شيرين هي اللي جابت المادة.. ومكنتش فكرتي أصلاً! إحنا متورطين مع ناس أكبر مننا يا باشا!
الأوضة كلها سكتت، والمتر سامح عدل نضارته وبص لطارق بتركيز
ناس مين يا طارق؟ انطق وماتلفش وتدور!
طارق بلع ريقه وبص لوكيل النيابة بړعب حقيقي
الحاج رفعت مكنش تاجر أنتيكات عادي.. كان ماسك مزادات لقطع أثرية وتحف أصلية نادرة تابعة لعائلات قديمة ومجموعات خاصة، وفي ناس تقيلة جدًا في السوق هما اللي طلبوا تصفيته لما رفض يمرر شحنة لوحات ومخطوطات أثرية مهربة كانت هتخرج برة مصر باسم المعرض بتاعه!
قلبي وقع في رجلي، وقفت من على الكرسي وزعقت فيه
بتكدب! بابا عمره ما دخل قرش حرام في بيته!
طارق رد باڼهيار
مش بكدب والله العظيم! أبوكي رفض يمرر الشحنة، وهددهم إنه هيسلم الملفات للمباحث ولوزارة الآثار.. هما اللي كلفوا شيرين تتقرب مني عشان تقنعني أخلص منه وناخد احنا المعرض والفيلا ونمرر الشحنة وناخد النسبة بتاعتنا! الشحنة لسه متخزنة في مخزن سري تحت البدروم بتاع المعرض القديم في وسط البلد، وميعاد تسليمها لناس أجانب كمان تمان وأربعين ساعة!
وكيل النيابة بص لرئيس المباحث وأمر فورًا بإثبات أقوال طارق، وتحريز مفاتيح المعرض، وإصدار إذن نيابة عاجل لمداهمة المخزن السري في وسط البلد والقبض على أي
أطراف تانية وردت أسماؤهم.
خرجنا من القسم على مطلع الفجر، حسام سألني بقلق وهو بيسندني
دينا.. إنتي كويسة؟ اللي قاله طارق ده يغير مسار القضية كلها، كده في شبكة كاملة كانت بتلعب ورا ضهر والدك.
بصيت لنور الصبح اللي طالع فوق عماير التجمع وقولت بحسم
مش
هرتاح يا حسام إلا لما المعرض والمخزن يتفتحوا وحق بابا ينضف قدام الدنيا كلها.. أنا لازم أكون موجودة مع القوة لما يروحوا يفتشوا المعرض، أنا الوحيدة اللي حافظة كل شبر بابا كان بيخبي فيه أوراقه وحاجته.
المتر سامح وافق، ورئيس المباحث استعد بقوة تانية ومعانا إذن النيابة للتوجه لمقر معرض والدي القديم في شارع شريف بوسط البلد.
وصلنا وسط البلد والشمس كانت لسه بتبدأ تشق الشوارع الفاضية. المعرض كان مقفول بيبانه الصاج الكبيرة، ريحة التاريخ والعراقة كانت بتطلع من ورا البوابات اللي بابا قضا فيها عمره كله.
الظباط فتحوا الأقفال ودخلنا، المعرض كان مليان تماثيل رخامية ولوحات زيتية قديمة متغطية بملايات بيضا.
نزلت مع رئيس المباحث وحسام لمدخل البدروم تحت.. كان في باب خشب مصفح وراه تجويف سري في الحيطة، طارق اعترف بمكانه في التحقيق.
كسروا القفل وفتحوا الباب.. النور كشف عن صناديق خشب كبيرة مربوطة بأحزمة جلد ومكتوب عليها علامات شحن دولية.
الظباط فتحوا أول صندوق بحذر، وظهرت جواه قطع مذهبة ومخطوطات ملفوفة بعناية فائقة كانت جاهزة للتهريب.
وفوق واحد من الصناديق الكبيرة في الزاوية، لقيت ظرف جلد أسود مقفول بالشمع الأحمر، عليه خط إيد والدي الله يرحمه إلى ابنتي دينا.. الأمانة التي قد تكلفني حياتي.
مديت إيدي المرتعشة ومسكت الظرف بحرص، وحسام وقف جنبي يثبتني. فتحت الظرف ببطء وطلعت منه ورقة بخط والدي، ومعاها مفتاح نحاسي صغير وشريحة إلكترونية تانية خالص غير اللي كانت في الخزنة.
الرسالة كانت بتوضح إن والدي كان حاسس بالغدر قبل مۏته بأيام، وإنه سجل كل تحركات الشبكة دي وحط الوثائق اللي تبرئ اسمه وتكشف الرؤوس الكبيرة اللي ورا طارق وشيرين في مكان أخير مكنش يخطر على بالهم..
وفي آخر سطر، كان بابا كاتب يا دينا.. لو الورقة دي وصلت لإيدك، اعرفي إن طارق مش هو النهاية.. في مفتاح تاني لخزنة في بنك إسكندرية باسمك، فيها حقيقة عيلتنا والسر اللي خلاهم يدخلوا بيتنا من سنين.
بصيت لحسام وللمتر سامح اللي كانوا مبهوتين من المفاجأة، وقولت بصوت واثق
الحړب مخلصتش بحبس طارق وشيرين.. دي لسه بتبدأ، والسر اللي بابا سابه في البنك هو اللي هيكشف كل الخيوط المستخبية.
الفصل الأخير
المفتاح النحاسي الصغير كان متلج في كف إيدي، بس وزنه كأنه جبل شايل أسرار عمر كامل بابا خباها عني عشان يحميني.
رئيس المباحث حرز الصناديق والمخطوطات كلها بالكامل، وعربيات النجدة ملّت شارع شريف في وسط البلد عشان تنقل المضبوطات لمخازن وزارة الآثار والنيابة العامة.
المتر سامح وقف على جنب بيكلم وكيل النيابة في التليفون، ورجع لينا وعينيه بتلمع بانتصار
مدام دينا، طارق لما عرف إننا وصلنا للبدروم السري ولقينا الصناديق قبل ما تتسلم، انهار تمامًا في التحقيق واعترف بأسماء شبكة التهريب ورجال الأعمال اللي كانوا بيضغطوا عليه وعلى شيرين.. النيابة أصدرت أوامر ضبط وإحضار للكل، والقضية بقت قضية رأي عام رسمية.
حسام قرب مني، وبص للظرف الأسود والمفتاح النحاسي اللي في إيدي
دينا.. رسالة والدك بتقول إن في خيط أخير في بنك إسكندرية فرع محطة الرمل، لازم نتحرك على هناك قبل ما أي حد من أطراف الشبكة دي يحاول يوصل للخزنة دي قبلك.
مسحت دمعة كانت متعلقة في طرف عيني، ودخلت المفتاح في جيبي بحرص
مش هرتاح يا حسام إلا لما أقفل الدايرة دي كلها.. على إسكندرية فورًا.
ركبنا عربية المتر سامح وطلعنا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. طول السكة والشمس طالعة فوق المزارع والبيوت، كنت باصة في المراية الجانبية.. عيني كانت رجعت لطبيعتها تمامًا، النور صافي،
ومفيش أي أثر للضباب اللي عشت فيه شهور الړعب اللي فاتت.
وصلنا فرع البنك العريق في محطة الرمل على وقت الضهر. دخلنا مع المتر سامح وقدمنا إعلام الوراثة والبطاقة الشخصية والمفتاح النحاسي الأصلي اللي بابا سابه.
مدير الفرع استقبلنا باحترام، ونزل معايا بنفسه لغرفة الخزائن الحديدية المصفحة تحت الأرض.
وقفت قدام الخزنة رقم ١١٤، حطيت المفتاح، ولفيته لفتين.. التكة الرنانة أعلنت فتح الباب التقيل.
سحبت الصندوق المعدني وفتحته على الترابيزة قدام حسام والمتر سامح.
جوة الصندوق مكنش فيه فلوس ولا مجوهرات.. كان فيه مذكرات والدي بخط إيده، متوثقة بتواريخ وأيام السنين اللي فاتت، ومعاها عقود ملكية قديمة باسم جدي، وأهم وثيقة فيهم عقد ملكية كامل لمجموعة لوحات فنية وتاريخية مسجلة رسميًا باسمي أنا شخصيًا، ووصية قطعية بتأسيس مؤسسة خيرية وثقافية باسم عائلة السلاب لحماية التراث ودعم المحتاجين.
وفي الصفحة الأخيرة من المذكرات، بابا كان كاتب
يا بنتي ونور عيني دينا.. من يوم ما والدتك ماټت وأنا عايش عشانك وعشان أحميكي من عيون الطمع.. كنت عارف إن في ذئاب حوالينا، وسجلت كل كلمة وكل حركة عشان يوم ما يغدروا بيا ميعرفوش يمسوا شعرة منك.. خليكي دايمًا قوية، والحق مبيضعش وراه مطالب.
حضنت الدفتر على صدري وغمضت عيني، وحسيت براحة وسکينة مكنتش حسيتها من سنين، كأن روح بابا بتطبطب على كتفي وبتقولي خلاص يا بنتي، كل حاجة رجعت لأصلها.
مرت تلات شهور بعد اليوم ده..
محكمة جنايات القاهرة أصدرت حكمها التاريخي بإجماع الآراء الإعدام شنقًا لطارق عبد الرحمن پتهمة القټل العمد مع سبق الإصرار والترصد لوالدي والشروع في قتلي بالسم، والسجن المؤبد لشيرين وباقي أفراد شبكة التهريب پتهمة التآمر وتزوير المحررات الرسمية وسړقة الآثار.
وفي يوم جمعة مشمس وهادي، كنت واقفة في جنينة الفيلا في التجمع الخامس.. الورد والفل اللي بابا زرعهم كان مفتح ومغطي الجنينة بريحة الياسمين.
الفيلا اتحولت رسميًا لمقر مؤسسة رفعت السلاب الخيرية للخدمات الطبية ودعم المكفوفين، وحسام كان واقف جنبي بيراجع التجهيزات الأخيرة لافتتاح أول معمل كيميائي خيري لفحص الأدوية مجانًا للناس البسيطة.
بصيت لحسام وابتسمت، وقولتله وأنا بشم ريحة الورد بحرية كاملة
مكالمة الغلط اللي طلبتها زمان يا حسام.. طلعت هي النجاة الوحيدة اللي ربنا كتبهالي في طريقي.
حسام ابتسم ورد بهدوء وهو باصص لنور الشمس
مفيش حاجة بتحصل صدفة يا دينا.. ربنا عمى بصيرتهم هما، ورجعلك نورك عشان تكوني النور اللي هينور حياة ناس كتير بعدك.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *