جنون امي بقلم زهرة الربيع
وصلت البيت، كانت الساعة قربت على المغرب. فتحت الباب بإيد بترتعش. كان البيت هادي، وريحة الأكل اللي أبويا طابخه مالية المكان. أبويا خرج من المطبخ، لابس مريلة الأكل، وابتسم ابتسامته الحنونة المعتادة اللي كانت بالنسبة لي مصدر الأمان في الدنيا.
”نسمة؟ حبيبتي رجعتي؟” قالها بلهفة وقرب مني، “عملتي إيه مع أمك؟ كلمتيها؟ تطمنيني يا بنتي، شكل عيونك بيقول إنك عيطتي كتير.”
أنا وقفت
في مكاني، رجليا مش شيلاني. بصيت على كتفه الشمال.. كان لابس قميص بيتي خفيف بس كمه طويل لحد المعصم. بلعت ريقي بصعوبة وقلت بصوت مخنوق: “الزيارة كانت صعبة يا بابا.. أمي.. أمي لسة تعبانة.”
قرب مني أكتر، وحط إيده على كتفي عشان يهديني: “معلش يا حبيبتي، ربنا يشفيها. أنا قولتلك بلاش تروحي عشان ما تتعببش أعصابك قبل فرحك.”
في اللحظة دي، ومعدتي بتقلب من كتر الخوف، قررت إني لازم أتأكد. لازم أعرف هل أمي مظلومة ومجنونة بفعل فاعل، ولا هي فعلاً غايبة عن الوعي وتخيلت الوحمة وتخيلت كل حاجة.
قلتله وأنا بحاول أبتسم ابتسامة باهتة: “بابا.. الدنيا حر أوي النهار ده، إنت ليه دايماً لابس طويل كده في البيت؟ ما تقلع الجاكيت أو ترفع أكمامك شوية.”
أبويا ثُبت في مكانه وثانية واحدة بس.. مجرد ثانية، شفت في عيونه نظرة حادة، نظرة رعب وجحود عمري ما شفتها في عيونه أبداً طوال 15 سنة! النظرة اختفت بسرعة وحل محلها الهدوء المزيف، وقال بنبرة هادية: “أصل جسمي بياخد برد بسرعة يا بنتي من التكييف.. إنتي عارفة عضمي وجاعني من كبر السن.”
النظرة دي.. النظرة السريعة دي كانت الكافية إنها تزرع الشك في قلبي زي الخنجر.
حاولت أتصرف بطبيعية عشان ما يحسش بأي تغيير. قعدت معاه على الترابيزة وأنا حاسة إن الأكل بيمر في زوري زي الشوك. كان بيطالعني بتركيز غريب، وكأنه بيحاول يقرا اللي جوه دماغي، وأنا كنت بتهرب من نظراته وبدعي إن مايا ترجع بسرعة من كليتها عشان وجودها يقلل حدة التوتر
اللي كان خافق في الشقة.
لما مايا رجعت، كان الليل جه خلاص. اتعشينا في جو مشحون بالسكوت. أبويا دخل أوضته ونام. البيت بقى كحل وهادي زي المقبرة. تسحبت بالراحة، رجليا مش حاسة بيها، ومشيت في الممر المظلم لحد باب أوضة أبويا. الباب كان موارب حاجة بسيطة.





