روايات روماني مكرم 3

في غمضة عين، وُجدنا في الشارع في منتصف الليل ننتظر سيارة إسعاف لم تأتِ، وأنا أقف عاجزة تمامًا أرى أخي والسند الوحيد لي يصارع الموت أمامي.
في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كنا نغرق في العجز، ظهر إبراهيم!
لم أكن قد استدعيته، لكنه كان كعادته كل ليلة يراقب الشارع من بعيد ليطمئن على وجودنا. بمجرد أن رأى التجمع والصراخ، ركض إلينا كالمجنون. لم يسأل ماذا حدث، بل حمل محمود على ظهر دون أن ينتظر أحداً، وركض به نحو سيارته التي استأجرها حديثًا، وصرخ فينا:
— اركبي يا شيماء! اركب يا حاج! محمود هيبقى كويس والله العظيم!
خلال تلك الليلة المرعبة في المستشفى، رأيت إبراهيم الذي لم أكن أعرفه؛ تحول إلى أسد يذود عن عائلتي. فتح أبواب المستشفى بماله وحضوره، وجلب كبار الأطباء، وظل واقفًا على قدميه طوال ثماني عشرة ساعة متواصلة دون أن يذوق طعم النوم أو قطرة ماء. كان يمسك بيد أبي الكبيرة، ويقبّلها ويعده بدموع صادقة:
— محمود أخويا يا حاج مصطفى، وحق ربنا لو احتاج قلبي لأشيله من صدري وأديهوله!
حين خرج الطبيب ليؤكد أن محمود تجاوز مرحلة الخطر بفضل سرعة نقله ورعايته في الساعات الأولى، انهار إبراهيم ساجدًا على أرض المستشفى يبكي بحرقة وشكر لله.
في تلك اللحظة بالذات، انكسر الجزء الأخير من الجدار الجليدي في قلبي. رأيت في عينيه الندم الذي تحول إلى شهامة، والتسرع الذي انثقل إلى رجولة حقيقية تُعتمد في الشدائد. لم يكن يمثل، ولا كان يحاول كسب رضايا، بل كان يفعل ذلك لأنه أدرك أخيرًا معنى أن يكون “سندًا” للبيت وللأهل.
مر أسبوع آخر، واسترد محمود عافيته وعاد إلى البيت على قدميه. وكان أول ما فعله أخي محمود بعد أن استجمع قوته، هو أن أمسك بيدي وأخذني إلى صالة بيتنا حيث كان أبي وإبراهيم يجلسان.
نظر محمود إلى إبراهيم وقال له بصوت نابع من القلب:
— أنت شلتني على ظهرك وقفت جنبي في موتي يا إبراهيم… الراجل اللي يظهر في الشدة بالشكل ده، يأتأمن على روح أخته وهو مطمن.
التفت أبي إليّ، وابتسامة هادئة تعلو وجهه الطيب:
— الست شهور خلصوا يا شيماء… وأظن إبراهيم دفع ثمن غلطته وزيادة، وأثبت إنه راجل يصون ويحمي. القرار قرارك يا بنتي.
نظرت إلى إبراهيم. كان يقف حابسًا أنفاسه، ويداه ترتجفان بانتظار الكلمة التي ستحدد مصير حياته. رأيت في وجهه شحوب الأيام الماضية، ورأيت نضجًا جديدًا خطته التجارب والقسوة.





