روايات روماني مكرم 3

ابتسمت ببطء، وقلت بصوت هادئ ومستقر:

— أنا جاهزة أرجع بيتي يا إبراهيم… البيعة كملت، والدرس اتعلمناه كلنا.

في اليوم التالي، كانت العودة مبهجة كأنها حفل زفاف جديد. لم أعد إلى البيت مكسورة أو مجبرة، بل عدت مالكة للشقة بعقد رسمي، ومالكة لكرامتي وشرفي أمام الشارع كله.

دخلت الشقة التي شهدت الظلم والصرخات، لكنها هذه المرة كانت تعبق برائحة البخور والورد. وقف إبراهيم عند الباب، وأصرّ ألا أطأ العتبة بقدمي، بل حملني بين يديه وأدخلني إلى الصالة وهو يبتسم بدموع الفرح.

وضعني على الأريكة، وجثا على ركبتيه أمامي، وأخرج من جيبه علبة مخملية صغيرة، فتحها ليريني مصاغي الذهبي بالكامل، ومعه قطعة ذهبية جديدة ثقيلة أشتراها لي ليجبر بها خاطري.

وقال وهو ينظر في عيني بصدق مطلق:

— ده مش عشان أشتري خاطرك يا شيماء… ده عشان أفكرك كل يوم إنك جوهرة بيتي، وإن اللي يفرط فيكِ ما يستاهلش يعيش.

عادت الحياة إلى مجاريها، لكن بأسس جديدة لا تتزعزع.

حسن قضى عقوبته في السجن، وخرج منها مكسورًا لا يجرؤ على رفعه رأسه في المنطقة، واضطر للعمل في مكان بعيد ليقتاد يومه. وأمه عاشت بقية أيامها في عزلة وندم، تدرك أن قسوتها وجشعها حرمها من الدفء واللمة، وكانت ترى من بعيد كيف أصبحتُ أنا الآمرة والناهية في بيت ابنها الكبير بفضل الله وحكمتي.

أما إبراهيم، فقد أصبح السد المنيع الذي يحميني من كل سوء. تعلم أن العقل والتروي هما أساس الرجولة، وأصبح يحسب ألف حساب لكل كلمة قبل أن تنطق بها شفتاه.

وبعد عام واحد من تلك الأحداث، أشرقت شقتنا بصرخات طفل صغير أسميناه “محمود”، ليكون شاهدًا على أن البيت الذي يبنى على الصبر، وكرامة المرأة، والعدل… لا تهدمه رياح الظلم مهما بلغت قسوتها.

تتجلى الحكمة من هذه القصة في عدة دروس إنسانية واجتماعية بالغة الأهمية:

* الأمانة لا تضيع وصاحبها لا يُخزى:

التمسك بالأمانة والشرع ومخافة الله – حتى في أشد لحظات الخوف والضغط – يمنح الإنسان قوة وثباتاً، ويجعل الله له فرجاً ومخرجاً مهما حِيكت ضده المؤامرات.

* التثبت والتروي قبل الحكم على الآخرين:

التسرع والانقاد وراء العاطفة أو كلام الأقارب دون تثبت وتبين يتسبب في دمار البيوت وهدم العلاقات. الظن والشك السريع يُعميان العقل عن رؤية الحقيقة ويقودان إلى الندم الشديد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *