بعد تلت سنين

مايا حست بنـار صدره العريض وهي محبوـسة بين إيديه، ورغم إن الموقف كان كفيل يرعب أي حد، إلا إن عينيها الخضرا لمعت بتحدي أكبر. رفعت وشها وبصت له ابتسامة ثقة مستفزة:
— “ماشي يا فهد.. يلا نشوف مين فينا اللي نَفسه أطول في المعركة دي. بس سيبني دلوقتي عشان ورايا مكالمة مهمة لازم أعملها.”
فهد ساب وسطها ببطء، وعينيه لسه مثبتة عليها كأنه بيقرا أفكارها:
— “مكالمة لإيه؟”
مايا طلعت تليفونها وبكل برود ضربت رقم، وفتحت السبيكر. الصوت جيه من الناحية التانية مخنوق وفي غلبة وزعيق؛ ده كان صوت “شيريهان” مرات أبوها.
— “ألحقني يا فؤاد بيه! البوليس برة القصر ومعاهم أمر بالقبض عليك بتهمة تزوير شيكات لشركة الألفي! الشيكات طلعت من غير رصيد وحسابك اتقفل!”
صوت أبوها “فؤاد” جيه من بعيد وهو بيزعق ومرعوب:
— “مش ممكن! فهد الألفي هو اللي مديني الشيكات دي بنفسه! ده فخ.. ده فخ!”
مايا قفلت الخط من غير ما تنطق بكلمة واحدة، وبصت لفهد اللي كان بيراقبها وعلامات الإعجاب الممزوجة بالخطورة باينة على وشه. حطت التليفون في جيب فستانها وقالت:
— “الخطوة الأولى تمت. أبويا دلوقتي بيتدمر، ومرات أبويا وبناتها زمانهم بيموتوا من الرعب. بكرا الصبح، هروح ليهم السجن بنفسي.. بس بالشكل الجديد.”
فهد مشي ناحية مكتبه، قعد على الكرسي بتاعه وسند راسه لورا، وحط رجل على رجل بكل هيبة وهو بيقول:
— “هتروحي.. وأنا هكون معاكي. مش هسيب مراتي تروح لوحدها، خصوصاً وهي بالجمال ده. بس متفتكريش إن اللي عملتيه ده هيعدي بالساهل يا مايا. أنتي استغلّيتي اسم شركتي وسيستم حساباتي، ودي حاجة عقابها عندي كبير.”
مايا قربت من المكتب، وسندت بإيديها عليه وميلت ناحيته:
— “والعقاب ده هيكون إيه بقى يا فهد بيه؟”
فهد عينيه اسودت وتملكه زاد لدرجة مرعبة، قام وقف تاني وقرب منها لحد ما بقى مفيش بينه وبينها غير سنتيمترات، وقال بنبرة واضحة ومفهاش هزار:
— “عقابك إنك مش هتخرجي من القصر ده ولا خطوة من غيري. تليفونك ده من بكرا هيكون متراقب، وكل خطوة في انتقامك أنا اللي هكون مشرف عليها. أنتي ملكي يا مايا، وبقيتي لعبتي المفضلة، وأنا مابفرطش في ألعابي الغالية.”
مايا ومستسلمتش، بالعكس، نظرتها كانت مليانة قسوة وانتقام:
— “موافقة يا فهد.. خلينا سوا لحد ما نشوف مين اللي هيحكم التاني في الآخر.”
في اللحظة دي، بدأت رواية جديدة خالص؛ رواية مفيهاش مجرد راجل غني وبنت غلبانة، دي معركة تملك وانتقام بين اتنين ميعرفوش الرحمة، وكل واحد فيهم لابس قناع أخطر من التاني.
ثاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان القصر هادي، هدوء ما قبل العاصفة.
مايا كانت واقفة قدام المراية الكبيرة في أوضتها، بتسرح شعرها الأسود الطويل اللي سابته مفرود على ضهرها بحرية لأول مرة من سنين. اختارت فستان أسود كلاسيك، شيك وجريء، بيبين رشاقتها وقوامها الفاتن، وحطت ميك اب خفيف ركز على عينيها الخضرا اللي كانت بتلمع بنظرة انتقام حادة. مفيش قناع خلاص.. الرماد اختفى، والألماس ظهر.
الباب اتفتح فجأة من غير ما حد يخبط، وفهد دخل. كان لابس بدلة سودا كاملة، هيبته تخض، ورغم العرجة الخفيفة اللي في رجله، إلا إن خطواته كانت ثابتة ومرعبة. وقف عند الباب، وبص لها من فوق لتحت.. عينيه اسودت أكتر وهو بيشوف التحول الرهيب ده. تملكه زاد وثبت نظراته عليها كأنه بيحفر صورتها في عقله.
فهد قرب منها ببطء لحد ما وقف وراها بالظبط، وبص لوشها من خلال المراية، وقال بصوت رخيم مليان تملك:
— “جمالك ده عقاب ليا أنا قبل ما يكون انتقام من عيلتك يا مايا. بس خروجك من القصر بالشكل ده.. مش هيعدي على خير.”
مايا لفت ليه وبصت في عينيه بكل ثقة:
— “أنا مبقتش استخبى يا فهد. والنهاردة ليلتي.. ليلة الحساب.”
فهد مسك إيدها، وضغط عليها برقة لكن بقوة تمنعها من الحركة، وسحبها وراه وهو بيقول:
— “يلا.. العربية مستنية برة، وفؤاد بيه زمانه مستني بنته ‘العاجزة’ بفارغ الصبر.”
في قسم الشرطة، كان فؤاد المنشاوي قاعد في مكتب المأمور، وشه باهت، ودموعه نازلة من الرعب وهو بيحاول يقنعهم إن فهد الألفي هو اللي مضى الشيكات. الباب اتفتح، ودخل فهد الألفي بهيبته وطوله، وجنبه.. مايا.
فؤاد بص للوش الفاتن اللي داخل مع فهد، مكنش مستوعب، فضل يتنح ويفرك في عينيه، وقال بصوت متقطع ويرعش:
— “مايا؟.. مستحيل! أنتي مين؟ فين بنتي؟”
مايا مشيت بخطوات وثوق وثبات، وقفت قدامه، وقلعت نظارتها الشمسية السودا، وبصت له بنظرة باردة وقاسية زي التلج:
— “أنا بنتك يا فؤاد بيه. البنت القبيحة الجاهلة اللي بعتها عشان تسدد ديونك. البنت اللي مرات أبوك وبناتها كانوا بيعاملوها كأنها خدامة تحت رجليكم.”
فؤاد وقف وهو مش مصدق، حاول يقرب منها ويمسك إيدها:
— “مايا.. أنتي؟ الجمال ده كله.. والذكاء ده؟ أنتي عملتي فيا إيه؟ ساعديني يا بنتي، فهد الألفي نصب عليا والشيكات طلعت مزورة!”
هنا فهد قرب خطوة، وحط إيده على وسط مايا بتملك واضح وقدام أبوها، وشدها لحضنه وهو بيبص لفؤاد بنظرة مرعبة:
— “فؤاد بيه.. ارفع إيدك عن مراتي. والشيكات دي بنتك هي اللي لعبت بالسيستم بتاعي ولبستهالك.. يعني مفيش حد هينقذك من السجن.”
فؤاد بص لمايا بذهول وصدمة هزت كيانه:
— “أنتي؟ أنتي اللي عملتي فيا كده يا مايا؟ أنتي اللي دمرتي أبوكي؟”
مايا ميلت راسها، وبكل برود وقسوة قالت له:
— “ده مش تدمير يا بابا.. ده تمن العشر سنين اللي عشتهم ورا القناع بسببكم. والنهاردة.. تألقي هو أول مسمار في نعش عيلتكم.. والمرة الجاية الدور على مراتك وبناتك.”
فهد ابتسم ابتسامة مظلمة، وبص لمايا وقال بنبرة مليانة شغف وتحدي:
— “شفتي؟ قولتلك اللعبة معايا ليها طعم تاني. ودلوقتي.. يلا نمشي، عشان حسابك معايا في القصر لسه مخلصش.”فؤاد وقع على الكرسي ورا الصدمة، كأنه كبر عشرين سنة في ثانية واحدة، وبقى بيبص لبنته اللي كان فاكرها نقطة ضعفه وهي بتتحول لأكبر كابوس في حياته.
مايا لفت ضهرها بكل برود وخرجت من المكتب، وكعب جزمتها كان بيرن في الممر زي طبول الحرب. فهد مشي جنبها، وعينيه منزلتش من عليها، تملكه وسيطرته كانوا بيزيدوا مع كل خطوة. ركبوا العربية السودا الكبيرة، وأول ما الباب اتقفل والستائر الإيجار اتشدت، فهد لف ليها وبسرعة البرق مسك دراعها وشدها عليه لدرجة إن وشها بقى قصاد وشه بالظبط.
فهد بنبرة حامية وفيها أنفاس مكتومة من الغضب والشغف:
— “عجبتيني.. وقفتك وقسوتك قدام أبوكي تخلي أي راجل ينبهر بيكي. بس متفتكريش إن حركتك دي هتنيم فهد الألفي يا مايا. أنتي استخدمتي اسمي وعربياتي ورجالي عشان صفقاتك الخاصة.. واللعب معايا بالنار بيحرق.”
مايا مكانتش خايفة، قربها منه كان بيخلي ضربات قلبها تزيد لكن عنادها كان أقوى. بصت في عينيه السودا وقالت بنبرة مستفزة:
— “وأنا مبخافش من النار يا فهد.. وبعدين مش أنت اللي قولت إننا هنبدأ اللعبة سوا؟ أنا نفذت أول خطوة، ودلوقتي دوري أرجع البيت وأشوف هعمل إيه في الباقي.”
فهد ضغط على دراعها أكتر، وابتسم ابتسامة غامضة ومرعبة:
— “ترجعي البيت؟ قصدك ترجعي لقصرك.. لسجنك الجديد. من اللحظة دي، تليفونك ده معايا.”
وبإيد واحدة سحب التليفون من جيب فستانها وحطه في جيبه وهو بيكمل:
— “خروج من الأوضة مفيش غير بإذني. تحركاتك كلها هتبقى تحت عيني. أنا هجيبلك حقك من مرات أبوكي وبناتها وهخليهم يركعوا تحت رجليكي، بس ده هيحصل بشروطي أنا وطريقتي أنا.. أنتي بقيتي تخصيني، ومفيش حاجة تخص فهد الألفي بتتحرك من وراه.”
العربية وصلت القصر، وفهد نزل ومسك إيدها بقوة وسحبها وراه لجوا. طلعوا الجناح الكبير، وأول ما دخلوا، فهد قفل الباب بالمفتاح وحطه في جيبه، وبص لها بتحدي وتملك أسود ملوش أخر:
— “دلوقتي.. أنتي محبوسة معايا في العرين. وريني بقى يا مايا، من غير تليفونك ومن غير خططك، إزاي هتروضي الفهد؟”
مايا رجعت خصلة من شعرها ورا ودنها، وقربت منه بكل ثقة لحد ما اتقابلت عينيهم في مواجهة مفيهاش تراجع، وقالت بصوت واطي ومثير:
— “المحبوس في الأوضة دي مش أنا يا فهد.. المحبوس هنا هو قلبك وتملكك اللي هيموتوا ويعرفوا الخطوة الجاية بتاعتي إيه. افتح عينيك كويس.. عشان اللعبة يلا بدأت بجد.”
فهد ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة مليانة قسوة على شغف، وبصوت زي الرعد الواطي قال لها: بقلم مايا خالد
— “قلبي؟ أنتي بتتكلمي عن حاجة ماتت في الحادثة من سنة يا مايا. اللي قدامك ده مجرد وحش، والوحش ده لما بيحط إيده على حاجة غالية… بيكسر عضم أي حد يفكر يلمسها، حتى لو كان الشخص ده هو نفسه.”
قرب منها أكتر لدرجة إنها حسّت بحرارة أنفاسه المكتومة، ومد صابعه يمررها على خط فكها الحاد بنعومة مرعبة:
— “فاكرة إن حركتك باللغات في المكتب والشيكات دي تخليني ألف حوالين نفسي؟ أنا من ساعة ما دخلتي القصر ده وأنا مراقب كل ثانية بتتنفسي فيها. تفتكري حساب البنك الوهمي اللي عملتيه باسمي، دخلتي عليه من أنهي شبكة؟ من شبكة القصر بتاعي.. يعني أنا اللي فتحتلك الباب وسبتك تلعبي عشان أشوف أخرك.”
مايا عينيها الخضرا وسعت للحظة، الصدمة هزت ثقتها لأول مرة. فهد مكنش نايم، فهد كان سايبها تتحرك بمزاجه هو. لكن بسرعة رجعت لبرودها المعتاد، ورفعت حاجبها وقولت له:
— “يعني كنت عارف.. وسبتني أحبس أبويا؟”
فهد لف وضهرها وبدأ يمشي في الأوضة بخطواته الثابتة التقيلة، ووقف قدام الشباك الكبير اللي بيبص على جنينة القصر:
— “وأمنعك ليه؟ أبوكي كان كلب فلوس، ووجوده برة كان هيوجع دماغي. أنتي وفرتي عليا مجهود. بس الذكاء ده مكانه مش السجن يا مايا.. مكانه عندي أنا. برة، أنتي مراتي الإمبراطورة اللي الكل يعملها ألف حساب، لكن عندي لأ هترجعي مايا ملكي أنا.





