مايا حست بنـار صدره العريض وهي محبوـسة بين إيديه، ورغم إن الموقف كان كفيل يرعب أي حد، إلا إن عينيها الخضرا لمعت بتحدي أكبر. رفعت وشها وبصت له ابتسامة ثقة مستفزة: — "ماشي يا فهد.. يلا نشوف مين فينا اللي نَفسه أطول في المعركة دي. بس سيبني دلوقتي عشان ورايا مكالمة مهمة لازم أعملها." فهد ساب وسطها ببطء، وعينيه لسه مثبتة عليها كأنه بيقرا أفكارها: — "مكالمة لإيه؟" مايا طلعت تليفونها وبكل برود ضربت رقم، وفتحت السبيكر. الصوت جيه من الناحية التانية مخنوق وفي غلبة وزعيق؛ ده كان صوت "شيريهان" مرات أبوها. — "ألحقني يا فؤاد بيه! البوليس برة القصر ومعاهم أمر بالقبض عليك بتهمة تزوير شيكات لشركة الألفي! الشيكات طلعت من غير رصيد وحسابك اتقفل!" صوت أبوها "فؤاد" جيه من بعيد وهو بيزعق ومرعوب: — "مش ممكن! فهد الألفي هو اللي مديني الشيكات دي بنفسه! ده فخ.. ده فخ!" مايا قفلت الخط من غير ما تنطق بكلمة واحدة، وبصت لفهد اللي كان بيراقبها وعلامات الإعجاب الممزوجة بالخطورة باينة على وشه. حطت التليفون في جيب فستانها وقالت: — "الخطوة الأولى تمت. أبويا دلوقتي بيتدمر، ومرات أبويا وبناتها زمانهم بيموتوا من الرعب. بكرا الصبح، هروح ليهم السجن بنفسي.. بس بالشكل الجديد." فهد مشي ناحية مكتبه، قعد على الكرسي بتاعه وسند راسه لورا، وحط رجل على رجل بكل هيبة وهو بيقول: — "هتروحي.. وأنا هكون معاكي. مش هسيب مراتي تروح لوحدها، خصوصاً وهي بالجمال ده. بس متفتكريش إن اللي عملتيه ده هيعدي بالساهل يا مايا. أنتي استغلّيتي اسم شركتي وسيستم حساباتي، ودي حاجة عقابها عندي كبير." مايا قربت من المكتب، وسندت بإيديها عليه وميلت ناحيته: — "والعقاب ده هيكون إيه بقى يا فهد بيه؟" فهد عينيه اسودت وتملكه زاد لدرجة مرعبة، قام وقف تاني وقرب منها لحد ما بقى مفيش بينه وبينها غير سنتيمترات، وقال بنبرة واضحة ومفهاش هزار: — "عقابك إنك مش هتخرجي من القصر ده ولا خطوة من غيري. تليفونك ده من بكرا هيكون متراقب، وكل خطوة في انتقامك أنا اللي هكون مشرف عليها. أنتي ملكي يا مايا، وبقيتي لعبتي المفضلة، وأنا مابفرطش في ألعابي الغالية." مايا ومستسلمتش، بالعكس، نظرتها كانت مليانة قسوة وانتقام: — "موافقة يا فهد.. خلينا سوا لحد ما نشوف مين اللي هيحكم التاني في الآخر." في اللحظة دي، بدأت رواية جديدة خالص؛ رواية مفيهاش مجرد راجل غني وبنت غلبانة، دي معركة تملك وانتقام بين اتنين ميعرفوش الرحمة، وكل واحد فيهم لابس قناع أخطر من التاني. ثاني يوم الصبح، الشمس طلعت وكان القصر هادي، هدوء ما قبل العاصفة. مايا كانت واقفة قدام المراية الكبيرة في أوضتها، بتسرح شعرها الأسود الطويل اللي سابته مفرود على ضهرها بحرية لأول مرة من سنين. اختارت فستان أسود كلاسيك، شيك وجريء، بيبين رشاقتها وقوامها الفاتن، وحطت ميك اب خفيف ركز على عينيها الخضرا اللي كانت بتلمع بنظرة انتقام حادة. مفيش قناع خلاص.. الرماد اختفى، والألماس ظهر. الباب اتفتح فجأة من غير ما حد يخبط، وفهد دخل. كان لابس بدلة سودا كاملة، هيبته تخض، ورغم العرجة الخفيفة اللي في رجله، إلا إن خطواته كانت ثابتة ومرعبة. وقف عند الباب، وبص لها من فوق لتحت.. عينيه اسودت أكتر وهو بيشوف التحول الرهيب ده. تملكه زاد وثبت نظراته عليها كأنه بيحفر صورتها في عقله. فهد قرب منها ببطء لحد ما وقف وراها بالظبط، وبص لوشها من خلال المراية، وقال بصوت رخيم مليان تملك: — "جمالك ده عقاب ليا أنا قبل ما يكون انتقام من عيلتك يا مايا. بس خروجك من القصر بالشكل ده.. مش هيعدي على خير." مايا لفت ليه وبصت في عينيه بكل ثقة: — "أنا مبقتش استخبى يا فهد. والنهاردة ليلتي.. ليلة الحساب." فهد مسك إيدها، وضغط عليها برقة لكن بقوة تمنعها من الحركة، وسحبها وراه وهو بيقول: — "يلا.. العربية مستنية برة، وفؤاد بيه زمانه مستني بنته 'العاجزة' بفارغ الصبر." في قسم الشرطة، كان فؤاد المنشاوي قاعد في مكتب المأمور، وشه باهت، ودموعه نازلة من الرعب وهو بيحاول يقنعهم إن فهد الألفي هو اللي مضى الشيكات. الباب اتفتح، ودخل فهد الألفي بهيبته وطوله، وجنبه.. مايا. فؤاد بص للوش الفاتن اللي داخل مع فهد، مكنش مستوعب، فضل يتنح ويفرك في عينيه، وقال بصوت متقطع ويرعش: — "مايا؟.. مستحيل! أنتي مين؟ فين بنتي؟" مايا مشيت بخطوات وثوق وثبات، وقفت قدامه، وقلعت نظارتها الشمسية السودا، وبصت له بنظرة باردة وقاسية زي التلج: — "أنا بنتك يا فؤاد بيه. البنت القبيحة الجاهلة اللي بعتها عشان تسدد ديونك. البنت اللي مرات أبوك وبناتها كانوا بيعاملوها كأنها خدامة تحت رجليكم." فؤاد وقف وهو مش مصدق، حاول يقرب منها ويمسك إيدها: — "مايا.. أنتي؟ الجمال ده كله.. والذكاء ده؟ أنتي عملتي فيا إيه؟ ساعديني يا بنتي، فهد الألفي نصب عليا والشيكات طلعت مزورة!" هنا فهد قرب خطوة، وحط إيده على وسط مايا بتملك واضح وقدام أبوها، وشدها لحضنه وهو بيبص لفؤاد بنظرة مرعبة: — "فؤاد بيه.. ارفع إيدك عن مراتي. والشيكات دي بنتك هي اللي لعبت بالسيستم بتاعي ولبستهالك.. يعني مفيش حد هينقذك من السجن." فؤاد بص لمايا بذهول وصدمة هزت كيانه: — "أنتي؟ أنتي اللي عملتي فيا كده يا مايا؟ أنتي اللي دمرتي أبوكي؟" مايا ميلت راسها، وبكل برود وقسوة قالت له: — "ده مش تدمير يا بابا.. ده تمن العشر سنين اللي عشتهم ورا القناع بسببكم. والنهاردة.. تألقي هو أول مسمار في نعش عيلتكم.. والمرة الجاية الدور على مراتك وبناتك." فهد ابتسم ابتسامة مظلمة، وبص لمايا وقال بنبرة مليانة شغف وتحدي: — "شفتي؟ قولتلك اللعبة معايا ليها طعم تاني. ودلوقتي.. يلا نمشي، عشان حسابك معايا في القصر لسه مخلصش."فؤاد وقع على الكرسي ورا الصدمة، كأنه كبر عشرين سنة في ثانية واحدة، وبقى بيبص لبنته اللي كان فاكرها نقطة ضعفه وهي بتتحول لأكبر كابوس في حياته. مايا لفت ضهرها بكل برود وخرجت من المكتب، وكعب جزمتها كان بيرن في الممر زي طبول الحرب. فهد مشي جنبها، وعينيه منزلتش من عليها، تملكه وسيطرته كانوا بيزيدوا مع كل خطوة. ركبوا العربية السودا الكبيرة، وأول ما الباب اتقفل والستائر الإيجار اتشدت، فهد لف ليها وبسرعة البرق مسك دراعها وشدها عليه لدرجة إن وشها بقى قصاد وشه بالظبط. فهد بنبرة حامية وفيها أنفاس مكتومة من الغضب والشغف: — "عجبتيني.. وقفتك وقسوتك قدام أبوكي تخلي أي راجل ينبهر بيكي. بس متفتكريش إن حركتك دي هتنيم فهد الألفي يا مايا. أنتي استخدمتي اسمي وعربياتي ورجالي عشان صفقاتك الخاصة.. واللعب معايا بالنار بيحرق." مايا مكانتش خايفة، قربها منه كان بيخلي ضربات قلبها تزيد لكن عنادها كان أقوى. بصت في عينيه السودا وقالت بنبرة مستفزة: — "وأنا مبخافش من النار يا فهد.. وبعدين مش أنت اللي قولت إننا هنبدأ اللعبة سوا؟ أنا نفذت أول خطوة، ودلوقتي دوري أرجع البيت وأشوف هعمل إيه في الباقي." فهد ضغط على دراعها أكتر، وابتسم ابتسامة غامضة ومرعبة: — "ترجعي البيت؟ قصدك ترجعي لقصرك.. لسجنك الجديد. من اللحظة دي، تليفونك ده معايا." وبإيد واحدة سحب التليفون من جيب فستانها وحطه في جيبه وهو بيكمل: — "خروج من الأوضة مفيش غير بإذني. تحركاتك كلها هتبقى تحت عيني. أنا هجيبلك حقك من مرات أبوكي وبناتها وهخليهم يركعوا تحت رجليكي، بس ده هيحصل بشروطي أنا وطريقتي أنا.. أنتي بقيتي تخصيني، ومفيش حاجة تخص فهد الألفي بتتحرك من وراه." العربية وصلت القصر، وفهد نزل ومسك إيدها بقوة وسحبها وراه لجوا. طلعوا الجناح الكبير، وأول ما دخلوا، فهد قفل الباب بالمفتاح وحطه في جيبه، وبص لها بتحدي وتملك أسود ملوش أخر: — "دلوقتي.. أنتي محبوسة معايا في العرين. وريني بقى يا مايا، من غير تليفونك ومن غير خططك، إزاي هتروضي الفهد؟" مايا رجعت خصلة من شعرها ورا ودنها، وقربت منه بكل ثقة لحد ما اتقابلت عينيهم في مواجهة مفيهاش تراجع، وقالت بصوت واطي ومثير: — "المحبوس في الأوضة دي مش أنا يا فهد.. المحبوس هنا هو قلبك وتملكك اللي هيموتوا ويعرفوا الخطوة الجاية بتاعتي إيه. افتح عينيك كويس.. عشان اللعبة يلا بدأت بجد." فهد ضحك ضحكة مكتومة، ضحكة مليانة قسوة على شغف، وبصوت زي الرعد الواطي قال لها: بقلم مايا خالد — "قلبي؟ أنتي بتتكلمي عن حاجة ماتت في الحادثة من سنة يا مايا. اللي قدامك ده مجرد وحش، والوحش ده لما بيحط إيده على حاجة غالية... بيكسر عضم أي حد يفكر يلمسها، حتى لو كان الشخص ده هو نفسه." قرب منها أكتر لدرجة إنها حسّت بحرارة أنفاسه المكتومة، ومد صابعه يمررها على خط فكها الحاد بنعومة مرعبة: — "فاكرة إن حركتك باللغات في المكتب والشيكات دي تخليني ألف حوالين نفسي؟ أنا من ساعة ما دخلتي القصر ده وأنا مراقب كل ثانية بتتنفسي فيها. تفتكري حساب البنك الوهمي اللي عملتيه باسمي، دخلتي عليه من أنهي شبكة؟ من شبكة القصر بتاعي.. يعني أنا اللي فتحتلك الباب وسبتك تلعبي عشان أشوف أخرك." مايا عينيها الخضرا وسعت للحظة، الصدمة هزت ثقتها لأول مرة. فهد مكنش نايم، فهد كان سايبها تتحرك بمزاجه هو. لكن بسرعة رجعت لبرودها المعتاد، ورفعت حاجبها وقولت له: — "يعني كنت عارف.. وسبتني أحبس أبويا؟" فهد لف وضهرها وبدأ يمشي في الأوضة بخطواته الثابتة التقيلة، ووقف قدام الشباك الكبير اللي بيبص على جنينة القصر: — "وأمنعك ليه؟ أبوكي كان كلب فلوس، ووجوده برة كان هيوجع دماغي. أنتي وفرتي عليا مجهود. بس الذكاء ده مكانه مش السجن يا مايا.. مكانه عندي أنا. برة، أنتي مراتي الإمبراطورة اللي الكل يعملها ألف حساب، لكن عندي لأ هترجعي مايا ملكي أنا. في اللحظة دي، تليفون فهد الخاص رن. أخرجه من جيبه وبص للشاشة، وابتسامة خبيثة ظهرت على وشه. فتح الخط وساب السبيكر شغال. صوت "شاهيناز" بنت أبوها الكبيرة جيه وهو كله عياط وشهقات رعب: — "فهد بيه! أرجوك الحقنا! البوليس قبض على بابا، ومرات عمي بتقول إن مايا هي السبب! مايا البنت القبيحة دي مستحيل تعمل كده.. أرجوك يا فهد بيه ساعدنا، إحنا ملناش غيرك!" فهد بص لمايا بنظرة تملك وسيطرة، ورد على التليفون وهو عينيه ثابتة في عينيها: — "شاهيناز.. مايا مبقتش البنت القبيحة اللي كنتوا بتذلوها. مايا بقت حرم فهد الألفي. والشركة بتاعتكم؟ أنا هشتري أسهمها كلها النهاردة برخص التراب، وإنتي وأمك وأختك قدامكم بالظبط ساعتين تلموا هدمتكم وتخرجوا من الفيلا.. لأنها بقت ملك لمراتي." قفل السكة في وشها من غير ما يستنى رد، وحط التليفون على المكتب وبص لمايا اللي كانت واقفة مبهورة بقسوته وسرعة تنفيذه لانتقامها. فهد قرب منها تاني، وحاصرها بوشه وبصوت كله تحدي: — "أنا رجعتلك حقك في ثانية واحدة وجبت عيلتك الأرض.. من غير ما ترفعي صباع واحد. تفتكري بقى المقابل اللي هأخده منك في الأوضة دي هيكون إيه؟" يتبع بقلم مايا خالد مايا بلعت ريقها بصعوبة، للحظة واحدة حسّت إن الراجل ده بيمشي في عروقها زي السّم، بذكائه وقسوته وتملكه اللي بيكتم النَفَس. لكن كبريائها رفض يستسلم؛ هي مش جارية في قصر السلطان، هي مايا المنشاوي اللي عاشت سنين بتخطط لليوم ده. رجعت راسها لورا وسندت على الحيطة، وبصت في عينيه اللي زي الصقر وقالت بنبرة باردة ومستفزة: — "المقابل؟ أنت مأخدتش رأيي يا فهد بيه وأنت بتدمرهم بطريقتك. أنا كنت عايزة أدمرهم بالبطيء، أشوفهم وهم بيشحتوا لقمة لقمة.. أنت ريحتهم ورميتهم في الشارع مرة واحدة. مين قال لك إن ده الانتقام اللي يرضيني؟" فهد عينيه ضاقت، والشرار اللي فيها زاد. قرب أكتر لدرجة إن صدره بقا لامس فستانها الأسود، ومسك فكها بإيده وضغط عليه بخفة عشان يجبر عينها تفضل في عينه: — "الانتقام بطريقتي أنا بيموت أسرع يا مايا. وأنا مابحبش تضييع الوقت. أما بخصوص المقابل.. فـ أنا مابطلبش، أنا بأمر وبأخد اللي أنا عايزه." مايا حطت إيدها على إيده اللي ماسكة وشها، وحاولت تبعدها وهي بتقول بعناد: — "وأنا مباخدش أوامر من حد. تملّكك ده آخره الباب ده يا فهد. برة الأوضة دي أنا مرات الإمبراطور قدام الناس، وجواها.. إحنا اتنين أعداء في حرب، والذكاء في الحرب هو اللي بيكسب، مش العضلات وقوة الإيد." فهد ساب وشها فجأة، وضحك ضحكة عالية رنت في أركان الأوضة الفاضية، لف وضهرها وهو بيصلح ياكة بدلته السودا الشيك وقال: — "أعداء؟ بحب المسمى ده قوي. خلّينا أعداء.. بس افتكري إن العدو اللي قدامك معاه مفتاح سجنك، ومعاه تليفونك، ومعاه كل خيط في حياتك القديمة والجديدة." مشى ناحية الباب، وطلع المفتاح من جيبه، وقبل ما يفتح بص لها بصه أخيرة سحرتها غصب عنها، وقال بنبرة هادية لكن مرعبة: — "أنا خارج دلوقتي ورايا تصفية حسابات شركة أبوكي عشان أنقلها باسمك رسمي.. هسيبك هنا تفكري في خطوتك الجاية ورا القناع اللي قلعتيه. الجناح مقفول عليكي يا قطتي.. لحد ما أرجع وأشوف هتروضيني إزاي." فتح الباب وخرج، وقفل القفل من برة بتكة عالية هزت قلب مايا. مايا وقفت في نص الأوضة، بصت للمراية الكبيرة، وشافت وشها الفاتن وعينيها الخضرا اللي بقت مليانة غضب وتحدي. مشيت ناحية الشباك وبصت على عربية فهد وهي بتتحرك وتخرج من بوابة القصر الكبيرة. جزت على سنانها وقالت لنفسها بصوت واطي كله وعيد: — "ماشي يا فهد.. فاكر إنك حبستني؟ أنت متعرفش إن البنت اللي عاشت عشر سنين بتخدع العالم كله، تقدر تخدعك في ثانية واحدة.. واللعب لسه مخلصش." مايا ملتفتش كتير لليأس. وبسرعة بدأت تتحرك في الجناح الواسع وعينيها بتدور على أي ثغرة. فهد فاكر إنه لما ياخد تليفونها ويقفل الباب يبقى شل حركتها، ميعرفش إنها دارسة كل شبر في القصر ده من قبل ما تدخله. مشيت ناحية السرير الكبير، ورفعت المرتبة ببطء، وطلعت من تحتيها تليفون تاني خالص، صغير وقديم، كانت مخبياه من أول ليلة دخلت فيها القصر كخطة بديلة. فتحته بسرعة وكتبت رسالة مشفرة لرقم مجهول: "الهدف الأول سقط. فؤاد المنشاوي في السجن، والفيلا بقت ملكي. ابدأ الخطوة التانية فوراً.. صفقات الميناء الخاصة بفهد الألفي لازم تقف." ابتسمت وخبّت التليفون تاني في مكان سري، وقعدت على الكرسي بكل برود وهي بتشرب مية وبتستنى رجوعه. بعد ثلاث ساعات، الباب اتفتح بعنف. دخل فهد، وعينيه كانت بتطلع شرار، وشه مقلوب وعروق رقبته بارزة من العصبية. رمى مفاتيح عربيتة على المكتب بغضب، وبص لمايا اللي كانت قاعدة حاطة رجل على رجل وبتبص له بمنتهى الهدوء. فهد قرب منها بخطوات سريعة وضغط على دراعها وهو بيجز على سنانه: — "أنتي عملتي إيه؟" مايا برفع حاجب وببرود قاتل: — "عملت إيه في إيه يا فهد بيه؟ أنا محبوسة في أوضتك بقالي تلات ساعات من غير تليفون ومن غير ما أشوف بني آدم.. هكون عملت إيه يعني؟" فهد صوته رجّ الأوضة: — "شغل الميناء بتاعي وقف! أكبر شحنة أجهزة كهربائية ومعدات جاية باسم شركتي الحجز اتحط عليها في الجمرك بسبب بلاغ سري طالع من جهاز كمبيوتر متوصل بالشبكة الخاصة بالقصر ده! تفتكري مين اللي مصلحته يلوي دراع فهد الألفي في السوق غيرك؟" مايا وقفت، وبكل ثبات قربت وشها منه لدرجة إن أنفاسهم اختلطت، وقالت بنبرة همس مليانة تملك وتحدي: — "قولتلك يا فهد.. اللعب بالنار بيحرق. أنت فاكر إنك لما تحبسني هبقى جارية عندك؟ أنا قولتلك من الأول، تألقي هو انتقامي.. وانتقامي مش من أبويا بس، انتقامي من أي حد فاكر إنه يقدر يكسرني أو يتحكم فيا، حتى لو كان الشخص ده هو فهد الألفي." فهد حس بنار الغضب بتتحول لشغف مرعب جوا قلبه. البنت دي بتلعب مع الموت، وكل ما بتتحداه، كل ما تملكه وهوسه بيها بيزيد لدرجة الجنون. مسك🫣 وشها بإيديه الاتنين🕊 وبص في عينيها الخضرا بقسوة وعشق مظلم: — "أنتي بتلعبي في حتة خطيرة قوي يا مايا.. شحنة الميناء دي أنا هخلصها في ثانية، بس اللعبة دي تمنها هيكون غالي عليكي. أنتي قفلتي عليا الأبواب، وأنا من النهاردة مش هكون مجرد جوزك على الورق.. أنا هوريكي الوحش بجد هيكون إزاي." مايا ضحكت ضحكة رقيقة سحرت كيانه في عز غضبه: — "وريني يا فهد.. أنا مستنية." فهد ضغط على فكها برقة مغلفة بقسوة، وعينيه الأسودت من الغضب والشغف ركزت على شفايفها اللي بتضحك بتحدي. قّرب أكتر لدرجة إنه مبقاش في أي مسافة بينهم، وهمس بصوت حاد ومبحوح: — "الضحكة دي.. هتقلب بكا ندم يا مايا. أنتي فاكرة إن التليفون الصغير اللي تحت المرتبة مخفي عني؟" مايا ضحكتها اختفت فجأة، وعينيها الخضرا وسعت من الصدمة. جسمها اتصلب بين إيديه وهو بيبتسم ابتسامة منتصرة ومظلمة. فهد مد إيده التانية في جيب بدلته، وطلع التليفون الصغير القديم ورماه على السرير ببرود وهو بيكمل: — "أنا اللي أمرت رجالي يسيبوا التليفون ده في مكان تجيبيه منه.. وأنا اللي خليت الخط المشفر ده يشتغل. الرسالة اللي أنتي بعتيها عشان توقفي شحنة الميناء؟ وصلت لرجالي أنا قبل ما توصل للي مشغلينك برة. الشحنة متوقفتش ولا حاجة، ده كان مجرد فخ عشان أشوف هتلعبي بـ أنهي كارت." مايا حسّت لأول مرة إن الأرض بتهتز تحت رجليها. الراجل ده مش بس ذكي، ده بيقرا أفكارها ومسبقها بخطوتين. تملكه مكنش مجرد حيطان وقفل باب، ده كان محاصر روحها وعقلها. حاولت تبعد عنه وتداري ارتباكها، لكن فهد . لف إيده حول وسطها وشدها ليه أكتر، لدرجة إنها حسّت بدقات قلبه العنيفة والمجنونة. بص في عينيها وقال بنبرة تملك أسود: — "أنا قولتلك.. أنتي دخلتي عرين الفهد برجليكي. اللعبة دي أنا اللي حاطط قوانينها من أول يوم أبوكي رماكي ليا فيه. الشحنة تمام، وأبوكي في السجن، وعيلتك بتطرد في الشارع دلوقتي.. وكل خيوطك في إيدي." مايا جزت على سنانها، ورغم الصدمة، عينيها لمعت بشرار عنيد وقالت بصوت واطي ومليان قسوة: — "عايز إيه يا فهد؟ طالما كاشف كل حاجة وبتحركني زي العرايس.. مستني إيه؟ ما تخلص عليا وتنهي اللعبة!" مّرر صوابعـ.ه على شعرها الأسود الطويل، ونزل لودنها وهمس بأنفاس حامية: — "أخلص عليكي؟ أنا لسه مبدأتش أستم، مـ.ـتع بيكي يا مايا. اللعبة لسه في أولها.. وأنتي بقيتي هوسي. من النهاردة، مفيش خطط من ورا ضهري، ومفيش قناع.. النهاردة هتعرفي يعني إيه تبقي ملك لفهد الألفي بالكامل." حملها فجأة بين إيديه وهي بتحاول تقاومه وتضربه في صدره، لكن قوته وتملكه كانوا أقوى من عنادها. رماها على الأرض ببطء، ورمى الجاكيت بدلته السودا وبيرميه على الأرض، وعينيه بتقول إن الهروب من نار تملكه بقى مستحيل. مايا سحبت روحها لورا على السرير وهي بتبص له بعيون مشحونة بالغضب والتحدي، شعرها الأسود الطويل اتفرد حواليها زي ليل مظلم، ورغم إن الموقف كان يحبس الأنفاس، إلا إن كبريائها منحيش. رفعت راسها وبصت لملامحه الحادة وهو واقف فوقيها بكل هيبته وتملكه، وقالت بصوت قوي ومرعش ومفيهوش خوف: — "فاكر إنك لما تقلع الجاكيت وتقفل الأوضة هتمكّن مني يا فهد؟ أنت كشفت تليفوني وخطتي، ماشي.. برافو عليك. بس لسه مكشفتش اللي جوايا. جسمي ممكن تحبسه هنا، بس عقلي وروحي مستحيل تملكهم، ومستحيل أكون لعبة في إيدك." فهد نزل لمستواها ببطء، وسند بإيديه الاتنين على السرير حوالين راسها، محاصرها بالكامل بجسمه العريض وعيونه السودا اللي كانت بتلمع بشغف مرعب. قّرب من وشها لدرجة إن أنفاسه الحامية بقت بتلفح بشرتها البيضاء، وهمس بنبرة رخيمة ومثيرة: — "أنا مش عايز أحبس جسمك يا مايا.. أنا عايز الهيبة والعناد اللي في عينيكي دول ينحنوا ليا أنا وبس. عايز لما تبصي للعالم كله تبقي باردة وقاسية زي التلج، ولما تبصي في عيوني... تفتكري إنك ملكي." مّرر صباعه ببطء شديد على شفايفها، وكمل بصوت واطي ومليان تملك: — "أنتي مفكرة نفسك شيطانة في الانتقام؟ أنا بقى اللي علّمت الشيطان إزاي يبتسم وهو بيحرق اللي قدامه. وعنادك ده هو اللي مخليني مش شايف في الدنيا ست غيرك من ليلة ما دخلتي هنا." مايا حسّت بقشعريرة هزت كيانها من كلامه ونظراته اللي بتخترقها، تملكه الأسود ده كان زي المغناطيس، بيسحبها لـ منطقة خطيرة هي مكانتش عامله حسابها فيها. حطت إيديها على صدره، وضغطت بخفة وهي بتحاول تثبت نبرة صوتها: — "التملك ده هيق*تلك يا فهد.. لأن البنت اللي عاشت عشر سنين بتخدع عيلتها والعالم كله ورا قناع عشان ليلة زي دي، مستحيل ترضى بـ إن راجل يتحكم في مصيرها.. حتى لو كان الراجل ده هو فهد الألفي." فهد مسك إيديها الاتنين اللي على صدره بيد واحدة، وثبتهم فوق راسها ببطء وقوة، وبصوت مليان ثقة تامة قال لها: — "أنا مش هتحكم في مصيرك.. أنا هبقى مصيرك الجديد يا مايا. ومن بكرا.. العالم كله هيشوف إمبراطورية الألفي وهي بتكبر بيكي، بس طول ما إحنا هنا.. القوانين قوانيني أنا." في اللحظة دي، وقبل ما مايا ترد، صدى صوت خبط عنيف ومفاجئ جيه من البوابة الخارجية للقصر، وصوت كلاب الحراسة بدأ يشتغل برة في الجنينة بجنون. فهد رفع راسه وعينيه ضاقت بشرار مرعب، ساب إيديها ووقف على طوله ببطء، والتملك اللي في عينيه اتحول لـ لغة حرب وقسوة مميتة. لفت نظره لمايا وقال بنبرة حاسمة: — "شكل في حد قاصد ينتحر النهاردة وجاي لحد عندي.. خليكي هنا ومتحركيش." مايا قعدت بسرعة على السرير، وعينيها الخضرا لمعت بذكاء وفضول: — "تفتكر مين اللي يجرؤ ييجي هنا في وقت زي ده؟" فهد ابتسم ابتسامة مظلمة وهو بيلبس ساعته تاني وقال: — "هنزل أشوف.. بس لو طلعت خطة تانية من خططك يا قطتي.. العقاب المرة دي مش هيعجبك."فهد خرج من الأوضة وقفل الباب وراه بتكة عالية، ساب مايا في قمة توترها وفضولها. نزلت من على السرير بسرعة، وراحت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على البوابة الرئيسية، وحاولت تدقق في الضلمة برة لعلها تلمح أي حاجة. تحت، عند البوابة، الأضواء الكاشفة بتاعة القصر كلها اشتغلت، ورجال الحراسة كانوا محوطين عربية فخمة سودا وقفت فجأة برة. فهد نزل السلم بخطوات ثابتة ومرعبة، وفتح باب القصر الكبير ووقف على العتبة، وعينيه بتقرا الموقف بكل برود وقسوة. الباب بتاع العربية اللي برة اتفتح، ونزلت منها واحدة ست بتعيط بهستيريا وتصرخ، وجنبها حارسين ساندينها... دي كانت "شيريهان" مرات أبوها، ومعاها بنتها "شاهيناز". شيريهان أول ما شافت فهد، رمت نفسها تحت رجلين الحراس وهي بتصرخ بصوت مبحوح: — "فهد بيه! أرجوك، أبوس إيدك ارحمنا! الرجالة بتوعك طردونا من الفيلا ورموا حاجتنا في الشارع! فؤاد ضاع ومستقبله انتهى، إحنا ملناش ذنب في الشيكات! وافقنا على الجوازة دي عشان نخدمك.. أرجوك متضيعناش!" فهد كان واقف حاطط إيديه في جيوب بنطلونه، وباصص ليهم باحتقار شديد، وصوت كلاب الحراسة وهي بتهجم على السور كان بيزود الرعب في قلوبهم. وبنبرة صوت هادية لكنها زي الس*كينة حامية قال: — "خدمتوني؟ أنتي وبناتك عشتوا سنين في خير فؤاد المنشاوي، وكنتوا بتعاملوا بنته الصغير على إنها خدامة ليكم. فاكرين إن فهد الألفي نايم على ودانه؟ أنا وافقت على اللعبة دي عشان أكسر عين فؤاد.. وعينكم أنتوا كمان." شاهيناز رفعت راسها وهي بتعيط، وبصت لفهد بنظرة توسل: — "بس مايا دي واحدة جاهلة وقبيحة! إزاي تضيع عيلة بحالها عشانها؟ دي متستاهلكش يا فهد بيه!" فهد ضحك ضحكة قوية ومرعبة، وخطى خطوتين لقدام لغاية ما بقى قريب منهم، وقال بصوت هز المكان: — "جاهلة وقبيحة؟ مايا اللي أنتوا بتتكلموا عنها دي.. هي اللي قفلت حسابات أبوكم بكلمة منها. مايا هي الإمبراطورة الجديدة لقصر الألفي. والوش اللي كنتوا بتذلوه.. النهاردة بقا هو اللي بيتحكم في مصيركم." فهد لف لرجاله وبصوت حاسم أمرهم: — "ارموا الحريم دول برة أرض القصر، ولو لمحت حد فيهم قريب من البوابة تاني.. حسابه هيكون معايا أنا شخصياً." الحراس سحبوا شيريهان وبنتها وهما بيصرخوا ويموتوا من الرعب، والعربية مشيت بسرعة وسابتهم في الشارع في وسط الضلمة. فهد لف ضهره ودخل القصر ببطء، وطلع السلم وهو بيصلح لياقة قميصه. فتح باب الجناح ببطء، ودخل لقى مايا واقفة جنب الشباك، وعينيها الخضرا بتلمع بمليون سؤال وسؤال. قفل الباب وراه، وقرب منها لحد ما بقى وشها في وشه، وابتسم ابتسامة تملك ومحبة سودا غريبة، وهمس: — "شفتي؟ جبتهم لحد عندك يركعوا تحت رجليكي عشان تبرد ناري ونارك.. تفتكري لسه في حد تاني في الكون ده يقدر يحميكي من تملكي غيري؟" مايا بصت في عينيه، ولأول مرة حسّت إن قلبها وعنادها بدأوا يلينوا قدام الراجل ده، وقالت بصوت دافي مليان تحدي جديد: — "أنت عملت كل ده عشان تكسر عنادي يا فهد.. بس أنا لسه مأعلنتش استسلامي." فهد مالت شفايفه بابتسامة غامضة، وقرب منها خطوة كمان لحد ما بقاش في الهوا مساحة تفصل بينهم. رفع إيده وبطراف صوابعه مشى على خصلات شعرها الطويل، وقال بنبرة واطية حامية زي جمر النار: — "وأنا مش عايزك تستسلمي يا مايا.. الاستسلام بيفقد اللعبة متعتها. أنا عايزك بكل عنادك، بذكائك الشيطاني، وبكل القسوة اللي داريتيها ورا قناعك سنين. أنا عايز أروض القسوة دي بمزاجي." مايا خدت نَفس طويل، ورغم إن قرب فهد وتملكه المرة دي كان بيحاصرها بجد، إلا إنها رفعت عينيها الخضرا وبصت له بثبات: — "شفت شيريهان وبنتها برة وهم بيموتوا من الرعب.. المنظر كان ممتع، مش هُنكر. بس أنت فاكر إنك بكده بتثبت لي إنك حاميتي؟ أنت بتثبت لي إنك تقدر تعمل فيا زيهم لو عصيت أوامرك في يوم." فهد ضحك ضحكة رجولية دافية هزت الجناح، ولمح البرق لف دراعه حول وسطها وشدها ليه بقوة، لدرجة إنها حست بدقات قلبه السريعة اللي فضحت هوسه بيها، وقال:جميع الحقوق محفوظة © بقلم مايا خالد — "أنتي غبية يا مايا؟ رغم كل ذكائك ده مش فاهمة؟ شيريهان وبناتها وأبوكي مجرد نمل دوست عليه عشان ضايقوا مراتي. أنتي في كفة، والعالم كله في كفة تانية. أنتي مش جارية في قصري.. أنتي شريكتي في السواد ده. بس الشراكة دي ليها قائد واحد.. وهو أنا." مايا حطت كفوف إيديها على صدره العريض، وحست بقوة عضلاته، وقالت بنبرة فيها مكس غريب بين التحدي والدلال لأول مرة: — "والقائد ده مش ناوي يرجع لي تليفوني؟ ولا هنقضي شهر العسل وإحنا بنراقب البوابة برة؟" فهد ابتسم، ومد إيده في جيب بنطلونه وطلع تليفونها الذكي الأصلي ورماه على الترابيزة القريبة منهم وهو بيقول: — "التليفون اهو.. وريني بقى هتعملي إيه. بس افتكري.. كل شبكة، كل مكالمة، كل حرف هتكتبيه، متسجل في سيستم عقلي أنا قبل سيستم القصر. خروج من هنا من بكرا الصبح هيكون معايا.. هنروح شركة أبوكي اللي بقت باسمك، عشان تستلمي إمبراطوريتك الجديدة." مايا لفت ببطء، مشيت ناحية الترابيزة وخدت تليفونها، وبصت له من فوق كتفها بنظرة سحرت كيانه: — "موافقة يا فهد بيه. بكرا الصبح هيبدأ الشغل بجد.. وهنشوف الإمبراطورة الجديدة هتعمل إيه في سوق الألفي." فهد قعد على الكرسي الكبير، وحط رجل على رجل بكل هيبة وتملك، وعينيه منزلتش من عليها وهي بتتحرك في الأوضة زي القطة الفاتنة، وقال بصوت مليان وعيد وشغف مظلم: — "أنا مستني الصبح بفارغ الصبر يا مايا.. ليلتنا لسه طويلة، والمعركة يادوب بدأت." جميع الحقوق محفوظة © بقلم مايا خالد يتبع