بعد تلت سنين

.
لف إيده حول وسطها وشدها ليه أكتر، لدرجة إنها حسّت بدقات قلبه العنيفة والمجنونة. بص في عينيها وقال بنبرة تملك أسود:
— “أنا قولتلك.. أنتي دخلتي عرين الفهد برجليكي. اللعبة دي أنا اللي حاطط قوانينها من أول يوم أبوكي رماكي ليا فيه. الشحنة تمام، وأبوكي في السجن، وعيلتك بتطرد في الشارع دلوقتي.. وكل خيوطك في إيدي.”
مايا جزت على سنانها، ورغم الصدمة، عينيها لمعت بشرار عنيد وقالت بصوت واطي ومليان قسوة:
— “عايز إيه يا فهد؟ طالما كاشف كل حاجة وبتحركني زي العرايس.. مستني إيه؟ ما تخلص عليا وتنهي اللعبة!”
مّرر صوابعـ.ه على شعرها الأسود الطويل، ونزل لودنها وهمس بأنفاس حامية:
— “أخلص عليكي؟ أنا لسه مبدأتش أستم،
مـ.ـتع بيكي يا مايا. اللعبة لسه في أولها.. وأنتي بقيتي هوسي. من النهاردة، مفيش خطط من ورا ضهري، ومفيش قناع.. النهاردة هتعرفي يعني إيه تبقي ملك لفهد الألفي بالكامل.”
حملها فجأة بين إيديه وهي بتحاول تقاومه وتضربه في صدره، لكن قوته وتملكه كانوا أقوى من عنادها. رماها على الأرض ببطء، ورمى الجاكيت بدلته السودا وبيرميه على الأرض، وعينيه بتقول إن الهروب من نار تملكه بقى مستحيل.
مايا سحبت روحها لورا على السرير وهي بتبص له بعيون مشحونة بالغضب والتحدي، شعرها الأسود الطويل اتفرد حواليها زي ليل مظلم، ورغم إن الموقف كان يحبس الأنفاس، إلا إن كبريائها منحيش. رفعت راسها وبصت لملامحه الحادة وهو واقف فوقيها بكل هيبته وتملكه، وقالت بصوت قوي ومرعش ومفيهوش خوف:
— “فاكر إنك لما تقلع الجاكيت وتقفل الأوضة هتمكّن مني يا فهد؟ أنت كشفت تليفوني وخطتي، ماشي.. برافو عليك. بس لسه مكشفتش اللي جوايا. جسمي ممكن تحبسه هنا، بس عقلي وروحي مستحيل تملكهم، ومستحيل أكون لعبة في إيدك.”
فهد نزل لمستواها ببطء، وسند بإيديه الاتنين على السرير حوالين راسها، محاصرها بالكامل بجسمه العريض وعيونه السودا اللي كانت بتلمع بشغف مرعب. قّرب من وشها لدرجة إن أنفاسه الحامية بقت بتلفح بشرتها البيضاء، وهمس بنبرة رخيمة ومثيرة:
— “أنا مش عايز أحبس جسمك يا مايا.. أنا عايز الهيبة والعناد اللي في عينيكي دول ينحنوا ليا أنا وبس. عايز لما تبصي للعالم كله تبقي باردة وقاسية زي التلج، ولما تبصي في عيوني… تفتكري إنك ملكي.”
مّرر صباعه ببطء شديد على شفايفها، وكمل بصوت واطي ومليان تملك:
— “أنتي مفكرة نفسك شيطانة في الانتقام؟ أنا بقى اللي علّمت الشيطان إزاي يبتسم وهو بيحرق اللي قدامه. وعنادك ده هو اللي مخليني مش شايف في الدنيا ست غيرك من ليلة ما دخلتي هنا.”
مايا حسّت بقشعريرة هزت كيانها من كلامه ونظراته اللي بتخترقها، تملكه الأسود ده كان زي المغناطيس، بيسحبها لـ منطقة خطيرة هي مكانتش عامله حسابها فيها. حطت إيديها على صدره، وضغطت بخفة وهي بتحاول تثبت نبرة صوتها:
— “التملك ده هيق*تلك يا فهد.. لأن البنت اللي عاشت عشر سنين بتخدع عيلتها والعالم كله ورا قناع عشان ليلة زي دي، مستحيل ترضى بـ إن راجل يتحكم في مصيرها.. حتى لو كان الراجل ده هو فهد الألفي.”
فهد مسك إيديها الاتنين اللي على صدره بيد واحدة، وثبتهم فوق راسها ببطء وقوة، وبصوت مليان ثقة تامة قال لها:
— “أنا مش هتحكم في مصيرك.. أنا هبقى مصيرك الجديد يا مايا. ومن بكرا.. العالم كله هيشوف إمبراطورية الألفي وهي بتكبر بيكي، بس طول ما إحنا هنا.. القوانين قوانيني أنا.”
في اللحظة دي، وقبل ما مايا ترد، صدى صوت خبط عنيف ومفاجئ جيه من البوابة الخارجية للقصر، وصوت كلاب الحراسة بدأ يشتغل برة في الجنينة بجنون.
فهد رفع راسه وعينيه ضاقت بشرار مرعب، ساب إيديها ووقف على طوله ببطء، والتملك اللي في عينيه اتحول لـ لغة حرب وقسوة مميتة. لفت نظره لمايا وقال بنبرة حاسمة:
— “شكل في حد قاصد ينتحر النهاردة وجاي لحد عندي.. خليكي هنا ومتحركيش.”
مايا قعدت بسرعة على السرير، وعينيها الخضرا لمعت بذكاء وفضول:
— “تفتكر مين اللي يجرؤ ييجي هنا في وقت زي ده؟”
فهد ابتسم ابتسامة مظلمة وهو بيلبس ساعته تاني وقال:
— “هنزل أشوف.. بس لو طلعت خطة تانية من خططك يا قطتي.. العقاب المرة دي مش هيعجبك.”فهد خرج من الأوضة وقفل الباب وراه بتكة عالية، ساب مايا في قمة توترها وفضولها. نزلت من على السرير بسرعة، وراحت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على البوابة الرئيسية، وحاولت تدقق في الضلمة برة لعلها تلمح أي حاجة.
تحت، عند البوابة، الأضواء الكاشفة بتاعة القصر كلها اشتغلت، ورجال الحراسة كانوا محوطين عربية فخمة سودا وقفت فجأة برة. فهد نزل السلم بخطوات ثابتة ومرعبة، وفتح باب القصر الكبير ووقف على العتبة، وعينيه بتقرا الموقف بكل برود وقسوة.
الباب بتاع العربية اللي برة اتفتح، ونزلت منها واحدة ست بتعيط بهستيريا وتصرخ، وجنبها حارسين ساندينها… دي كانت “شيريهان” مرات أبوها، ومعاها بنتها “شاهيناز”.
شيريهان أول ما شافت فهد، رمت نفسها تحت رجلين الحراس وهي بتصرخ بصوت مبحوح:
— “فهد بيه! أرجوك، أبوس إيدك ارحمنا! الرجالة بتوعك طردونا من الفيلا ورموا حاجتنا في الشارع! فؤاد ضاع ومستقبله انتهى، إحنا ملناش ذنب في الشيكات! وافقنا على الجوازة دي عشان نخدمك.. أرجوك متضيعناش!”
فهد كان واقف حاطط إيديه في جيوب بنطلونه، وباصص ليهم باحتقار شديد، وصوت كلاب الحراسة وهي بتهجم على السور كان بيزود الرعب في قلوبهم. وبنبرة صوت هادية لكنها زي الس*كينة حامية قال:
— “خدمتوني؟ أنتي وبناتك عشتوا سنين في خير فؤاد المنشاوي، وكنتوا بتعاملوا بنته الصغير على إنها خدامة ليكم. فاكرين إن فهد الألفي نايم على ودانه؟ أنا وافقت على اللعبة دي عشان أكسر عين فؤاد.. وعينكم أنتوا كمان.”
شاهيناز رفعت راسها وهي بتعيط، وبصت لفهد بنظرة توسل:
— “بس مايا دي واحدة جاهلة وقبيحة! إزاي تضيع عيلة بحالها عشانها؟ دي متستاهلكش يا فهد بيه!”
فهد ضحك ضحكة قوية ومرعبة، وخطى خطوتين لقدام لغاية ما بقى قريب منهم، وقال بصوت هز المكان:
— “جاهلة وقبيحة؟ مايا اللي أنتوا بتتكلموا عنها دي.. هي اللي قفلت حسابات أبوكم بكلمة منها. مايا هي الإمبراطورة الجديدة لقصر الألفي. والوش اللي كنتوا بتذلوه.. النهاردة بقا هو اللي بيتحكم في مصيركم.”
فهد لف لرجاله وبصوت حاسم أمرهم:
— “ارموا الحريم دول برة أرض القصر، ولو لمحت حد فيهم قريب من البوابة تاني.. حسابه هيكون معايا أنا شخصياً.”
الحراس سحبوا شيريهان وبنتها وهما بيصرخوا ويموتوا من الرعب، والعربية مشيت بسرعة وسابتهم في الشارع في وسط الضلمة.
فهد لف ضهره ودخل القصر ببطء، وطلع السلم وهو بيصلح لياقة قميصه. فتح باب الجناح ببطء، ودخل لقى مايا واقفة جنب الشباك، وعينيها الخضرا بتلمع بمليون سؤال وسؤال.
قفل الباب وراه، وقرب منها لحد ما بقى وشها في وشه، وابتسم ابتسامة تملك ومحبة سودا غريبة، وهمس:
— “شفتي؟ جبتهم لحد عندك يركعوا تحت رجليكي عشان تبرد ناري ونارك.. تفتكري لسه في حد تاني في الكون ده يقدر يحميكي من تملكي غيري؟”
مايا بصت في عينيه، ولأول مرة حسّت إن قلبها وعنادها بدأوا يلينوا قدام الراجل ده، وقالت بصوت دافي مليان تحدي جديد:
— “أنت عملت كل ده عشان تكسر عنادي يا فهد.. بس أنا لسه مأعلنتش استسلامي.”





