روايه كامله لرولا

​فضلت أبصلها كام ثانية. وبعدين سألتها سؤال واحد.
​—انتي تعرفي من إمتى مشاكل شريف مع الشركة؟
​تعبير وشها اتغير في ثانية. التغيير ده كان كفاية جداً. أنا خبطت على الوتر الحساس.
​—أنا مش فاهمة انتي بتتكلمي عن إيه.
​فتحت ملف. كان جواه صور من إيميلات ثانية. رسائل مبعوتة من أكونت مجهول. فواتير فنادق. إثباتات دفع مطاعم. بس كان في حاجة أهم.
​عقد شقة في الشيخ زايد. شقة شريف اشتراها من كام شهر. مكنتش باسمي، ولا حتى باسمه. كانت متسجلة باسم شركة أوفشور لسه متأسسة قريب.
​—كنتي تعرفي إنه بيخبّي أصول وممتلكات؟
​شيرين سكتت تماماً. ولأول مرة ملامح الست الواثقة اللي كسبت كل حاجة اختفت من وشها.
​—ده كلام ملهوش لازمة.
​—لا له لازمة ونص.
​قربت منها الورق.
​—عشان لو فاكرة إنك هتاخدي كل حاجة، انتا اخترتي راجل كان بيحاول يهرب ويخبي أصوله حتى من قبل ما جوازنا ينتهي.
​قامت وهي متغاطة جداً.
​—انتي مش هتدمرالي حياتي.
​بصلتها بكل هدوء.
​—أنا مش هيدمرها.. الحقيقة هي اللي هتدمرها.
​لما خرجت من مكتبي، كنت عارفة إن في حاجة أكبر بكتير بتحصل من ورايا.
​في نفس الليلة دي، جالي مسج من رقم غريب.
​كان مكتوب فيه بس: “لازم تراجعي دفاتر الحسابات والتسويات بتاعت السنة اللي فاتت. شريف مخبي عليكِ حاجات كتير”.
​في الأول افتكرتها تهديد أو ملعوب. بس بعد دقائق وصلتني صورة.
​كانت صورة صفحة من تقرير مالي. فيها تحويل يقارب الـ 4 مليون جنيه لشركة بره مصر. في نفس التاريخ اللي شريف قال لي فيه إن الشركة بتمر بأزمة مالية ومفيش سيولة.
​حتفظت بالصورة. ما اتصلتش بشريف. وما سألتوش.
​لأن لأول مرة من سنين، فهمت إن الخناق معاه مش هيجيبلي حقي. أنا كنت محتاجة إثباتات.
​تاني يوم الصبح، أنا والمحامية طلبنا مراجعة مالية شاملة للشركة.
​واللي اكتشفناه ساعتها قلب كل الموازين.
​عشان شريف مكنش بس خاني كزوج. ده كان باني حياتنا كلها على كذبة كبيرة.
​ولما جه الوقت اللي هقف فيه قصاده، مكنتش المحاكمة هتكون بكلامه أو بحججه.
​كان هيرد قدام الأوراق. قدام الحقيقة.
​وقدام ست م بقتش مستعدة تطأطي رأسها تاني أبداً.
الجزء الثالث
​المراجعة المالية الشاملة فتحت أبواب جهنم على شريف.
​المحامية أعدت ملف كامل فيه كل تحويل بنكي، كل عقود شقق وممتلكات اتسجلت بأسماء شركات وهمية، وكل قرش اتهرب من أرباح الشركة اللي أنا ليا فيها النصف بقوة القانون وبالمستندات التاريخية.
​بعد أسبوع واحد بس، طلب شريف يقابلني. المرة دي مجهش شقتي، ولا جه العيادة. طلب يتقابل في مكتب المحامية.
​لما دخل، مكنش شريف نصار بتاع زمان. مكنش الراجل الواثق اللي بيضحك في وشي وبيقولي “أنا هشوف حياتي”. كان باين عليه السهر، وشكوشه مشدودة، وفي عينيه خوف أول مرة أشوفه في حياتي.
​قعد قصادي وقصاد المحامية، وحط إيديه على الترابيزة وهو بيكلمني بنبرة مهزوزة:
​—ندى.. إحنا ممكن نحل الموضوع ده ودي. بلاش ندخل المحاكم والشرطة بيننا، إحنا كان بينا عشرة أربعتعشر سنة.
​بصلته ببرود تام، حطيت فنجان القهوة قدامي ورديت:
​—العشرة دي أنت نسيتها لما وقفت قدام أصحابك في المستشفى وقولت “ندى عمرها ما عرفت تجيبلي عيال”. نسيتها لما سبتني بنزف في الحمام وروحت تتعشى مع شيرين.
​بلع ريقه وصوته بدأ يعلى بسيطة:
​—أنا كنت غبي! بس أنتِ كده بتهدي الشركة اللي بنيناها سوا! الحجز المالي اللي المحامية عملته وقف الشغل، وشيرين بدأت تطلب المهر والشقة اللي وعدتها بيهم.. البنك باعتلي إنذار!
​ابتسمت ابتسامة هادية جداً:
​—الشركة دي أنا اللي مولت أول كشف حساب ليها بفلوس ورث أبويا. والفلوس اللي أنت هربتها بره مصر هي اللي هتتدفع عشان تسدد ديونك.
​في اللحظة دي، تليفونه رن. كان الاسم ظاهر على الشاشة: “شيرين”.
​ما ردش. الرنة تكررت مرتين وثلاثة، ولما فتح السبيكر بالغلط، سمعنا صوتها وهي بتصرخ فيه:
​—شريف! المحامي بتاعي بيقول إن الشقة اللي في الشيخ زايد عليها حجز تحفظي وما تملكهاش أصلاً! أنت ضحكت عليا؟ أنت قولتلي إنك طردت ندى وأخدت منها كل حاجة!
​شريف قفل السكة في وشها وهو وشها جايب ألوان.
​أتاري شيرين مكنتش معاه عشان “الحب والرغبة في تكوين عيلة” زي ما كان فاهم.. كانت فاكرة إنها أخدت الراجل اللي معاه الملايين والأملاك. ولما اكتشفت إن الأملاك دي كلها باسمي وبحمايتي القانونية، بدأت الأقنعة تقع.
​قامت المحامية ورمت قدامه العقد النهائي:
​—تنازل كامل عن حصتك الإدارية في شركة نصار الجروب لصالح دكتورة ندى، مقابل إننا نسحب القضايا الجنائية الخاصة بتهريب الأموال والتزوير في أوراق الشركة. قدامك 24 ساعة، يا إما النيابة العامة هي اللي هتتكلم.
​شريف بصلي بقلة حيلة، كان مصدوم إزاي الست اللي كانت بتستحمل غيابه وإهماله، وبتبكي في السر على أطفالها اللي فقدتهم، هي نفس الست اللي قادرة تمحي وجوده من شركته بضغطة قلم.
​—أنتِ بتدمريني يا ندى..
​رديت عليه وأنا بقوم وبقفل شنطتي:
​—أنا ببتديك من جديد يا شريف.. ببتديك من النقطة اللي أنت بدأتني منها لما سيبتني لوحدي.
​مضى شريف على الورق وهو بيترعش.
​وفي خلال شهر واحد، خرج شريف من الشركة كلياً، وشيرين سابته وأخدت ابنها ورفعت عليه قض\ية نفقة لما عرفت إن حيله المادية اتكشفت ومبقاش يملك غير ديونه.
​أما أنا، ففي يوم الأحد الصبح، وقفت قدام باب مستشفى دار Fuad، مش بصفتي الدكتورة اللي طالعة من نبطشية تعبانة ومكسورة، لكن بصفتي الست اللي رجعت حكايتها وحقها بكامل إرادتها.
​دخلت مكتبي، فتحت الدرج، طلعت الصورة القديمة بتاعتنا وأحنا دارسين في العشرينات.. ورميتها في سلة المهملات.
​قفلت الدرج، وبدأت أول يوم في حياتي الحقيقية.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *