حماتي مريضة١

“في اللحظة دي، حسيت كأن السقف وقع فوق دماغي.. الشقة اللي اتهد حيلي في تنضيفها بالساعات وخدمة أهله فيها، اتقبض تمنها واتوضبت لعروسته الجديدة.. والفلوس اللي كان بيبخل بيها عليا وعلى عياله ويقول ‘عندي مشاكل في الشغل ومفيش’، اشترى بيها أنصبة إخواته ودفعها كاش عشان ست الهوانم، وسابني أنا هنا.. الخدامة الغبية اللي بتصرف على أمه من معاشها الميت وبتمسح قرفه ببلاش!انسحبت خطوتين لورا ببطء وحذر، كاتمة أنفاسي وشهقاتي لحد ما دخلت المطبخ ووقفت ورا الباب مسنودة على الحيطة..

حسيت ببرودة بتسري في عروقي كأن الدم اتجمد، وكل كلمة اتقالت وكل صورة شفتها كانت بتمر قدام عيني زي شريط سينما بيحرق في روحي. وفجأة، هجمت عليا ذكريات الأيام والشهور اللي فاتت، مواقف نزلت على قلبي تقطعه حتة حتة من كتر الخبث والاستغفال:افتكرت لما كنت بقع من طولي وضهري مقسوم نصين من كتر الشيل والحط، وأترجى أخته وهي قاعدة حاطة رجل على رجل: “تعالي يا حبيبتي بس ساعديني نعدلها نغيرلها الحفاضة ونقلبها على جنبها عشان متتسلخش، ضهري واجعني مش قادرة أرفعها لوحدي”، فتبصلي بقر.ف وتتراجع لورا وهي بتقول بتكبر: “وييع..

أم جوزى ست مريضه بتحتاج لتغيير الحفاضات كل فترة مكنتش بقدر اخرج واسيبها لواحدها طلبت من جوزى إنه يجبها تقعد معانا لانى تعبت كل يوم من المشاوير رايحه وجايه عليها غير إن شقتها كبيره وبتعب فى تنضيفها بعد…

لأ طبعاً مقدرش، أنتي عارفة معدتي بتقلب من الحاجات دي وبستفرغ على طول، أنتي أخدتي على كده وخلاص وبقيتي شاطرة فيها، ربنا يجعله في ميزان حسناتك بقى!”وافتكرت لما كنت أطلب من بنتها التانية تنضفلها مرة واحدة بس عشان ألحق أروح أزور أهلي، فترد حماتي بتمثيل متقن وصوت مريض مكسور: “لأ يا بنتي متخليش حد يلمسني غيرك.. أنا مش برتاح غير معاكي أنتي، إيدك خفيفة وحنينة وبناتي مبيعرفوش يخدموا زيّك، أنتي اللي بنتي بجد وربنا يباركلك في صحتك وعيالك.

“كنت أسمع الكلام ده وقلبي يدوب يحن ليها ، أقول لنفسي “ست كبيرة ومريضة ومكسورة الجناح، أكسر بخاطرها إزاي؟”، وأنسى تعبي ووجعي وأهمل نفسي وولادي عشان أريحها. افتكرت ريحة الكلور والمنظفات اللي بقت لازقة في جلدي ومبتروحش، وكرمشة إيديا وجفافها، وهدومي البسيطة المتبهدلة اللي نسيت معاها طعم إني ست زي باقي الستات.. في الوقت اللي كان ابنها بيشتري شقة أمه كاش، ويصرف دم قلبه على توضيب قصر لعروسته الجديدة، ويدلّعها ويفسّحها ويسيبني أنا الخدامة البديلة اللي بتشيل القرف والهم ببلاش، وهما كلهم متآمرين ورا ضهري ومستغفليني بكل خسة وندالة. مسحت دموعي بإيدي المرتعشة، وكتمت القهرة جوايا بعنف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *