حماتي مريضة الثالث
في يوم، كنت نازلة أوصل ولادي للمدرسة لابسة أحسن ما عندي ومبتسمة للحياة، لقيته واقف على مدخل العمارة مستنيني.. كان متبهدل، دقنه طويلة، عينيه غايرة من قلة النوم والهم، وباين عليه كبر عشر سنين في شهرين.
قرب مني بخطوات مكسورة وقال بصوت مهزوم بيكاد يتسمع:
“حكمت.. عشان خاطر ربنا والعيال سامحيني، أنا بضيع.. الشقة دي جحيم، وريهام رفعت عليا ق\ضية خلع وطالبة مؤخرها، وأمي عيانة ومحدش سائل فيها.. ارجعيلي وهكتبلك كل حاجة باسمك وهكون تحت رجلك!”
بصيتله من فوق لتحت بنظرة مفهاش غير شفقة باردة، مسكت إيد ولادي وابتسمت وأنا بعدي من جنبه وبقوله بكلمات قاطعة رنت في ودنه:
“اللي يبيع الأصيل برخيص عشان المظاهر، يدوق مرارة الندم طول عمره.. شيل شيلتك يا خالد، الخدامة ماتت، وربنا يسامحك على اللي عملته فيا وفي نفسك.”
سبته ومشيت وراسي مرفوعة للسما، وأنا سامعة صوت أنفاسه المكسورة وعارفة إن عدالة ربنا نزلت عليه أسرع وأقسى مما كنت أتخيل.
مرت الأيام وخرج حكم المحكمة بطلاقي للضرر، وحكمولي بكل مليم ليا من مؤخر ونفقة متعة وعدة ونفقة شهرية للعيال متناقصش قرش، وبقى الحكم زي السيف على رقبته مبيرحمش.
وفي الناحية التانية، عيشة خالد كانت بتتهد فوق دماغه حتة حتة.. ريهام خلعت نفسها ورمتله الباقي وخرجت من حياته بعد ما شفطت اللي وراه واللي قدامه، ومبقتش تبصله حتى، واضطر البيه يبيع الفرش المودرن الغالي والعربية اللي كان بيتباهى بيهم عشان بس يسدد الديون والنفقات ومصاريف علاج أمه.
أما حماتي، فداقت الندم اللي يقطع القلب بعد فوات الأوان.. فضلت نايمة في سريرها لا حول ليها ولا قوة، بناتها مبقوش يعبروها غير بمكالمة كل فين وفين وزيارة عشر دقايق بحجة بيوتهم ورجالتهم، ومبقاش حيلتها غير ابنها “حبيبها” اللي بقى يغيرلها الحفاضات بإيده كل يوم وهو دايق نفس القرف والذل اللي كان بيحاسبني عليه زمان.
أنا بقى قفلت الصفحة دي ورا ضهري للأبد.. رجعت لصحتي وضحكتي ونورت من تاني، ربيت عيالي في هدوء وعزة نفس وسط أهلي اللي صانوني، وكل ما أبص لورا أحمد ربنا على نعمته، وأتأكد إن اللي يبيع الأصيل ويظلم مبيطلعش عليه نهار إلا وحقه راجع أضعاف.
ريهام مخدتش وقت طويل عشان تدور على مصلحتها من جديد، فالنوعية دي مبتعرفش تعيش من غير منظرة وفلوس. بعد ما كسبت ق\ضية الخلع وطلعت من جوازتها بخفي حنين ومخدتش غير اللي قدرت تجمعه في الأول، رجعت تنزل صورها وفيديوهاتها على السوشيال ميديا وهي متزوقة ومبتسمة كأن مفيش حاجة حصلت، وبتدوّر على “صيد جديد” يعوضها عن التجربة الفاشلة.

