خطيبتي
لقيت في الصفحة الأولى مكتوب بخط إيدها يا ابني.. الحياة رحلة، ومحدش هيمشي معاك لآخر السكة غير نفسك وربك، ف خليك دايمًا عزيز النفس، عشان في الآخر ميفضلش جنبك غير اللي بجد بيحبك، مش اللي بيحب مصلحتك.
دموعي نزلت بصمت، حسيت إنها كانت بتطمني وبتقولي إن اللي عملته كان صح، وإنها دايماً معايا، مش بس في الصور، لكن في المبادئ اللي سابتها لي.
دخلت أوضتي، بدأت أطلع ورق الشغل اللي كنت مأجله، بدأت أحط خطط جديدة لمستقبلي، مش عشان أجهز شقة للجواز، لكن عشان أبني كيان لنفسي، عشان لما أقف قدام المراية بعد سنين، أكون فخور بالشخص اللي بقيت عليه.
فهمت أخيراً إن الحي أبقى من الميت مش معناها إننا ننسى ونكمل حياتنا ببرود، لكن معناها إننا نعيش حياتنا بكرامة وبشكل يخلي اللي رحلوا فخورين بينا، حتى وهما في مكان تاني.. قفلت النور، ولقيت في قلبي س\كينة، لأول مرة، مكنتش مستني حد يطبطب عليا، لأن الطبطبة كانت جاية من جوايا.. من رضاي عن قراري، ومن يقيني إن اللي جاي، فعلاً.. أجمل.
……
مرت الأيام وبدأت الحياة ترجع لمجراها، بس بمقاييس تانية خالص. اكتشفت إن الناس اللي كانوا في حياتي لمجرد المصلحة أو المنظر الاجتماعي بدأوا يتساقطوا واحد ورا التاني زي ورق الشجر في الخريف، ولأول مرة محستش بالخوف من الوحدة، بالعكس، كنت مستمتع بهدوء البيت اللي كان زمان بيخنقني، وبقيت بلاحظ تفاصيل مكنتش بشوفها؛ صوت العصافير الصبح، هدوء الشارع قبل ما زحمة اليوم تبدأ،
ونظرات الرضا اللي بشوفها في المراية لما ببص لنفسي.
في يوم، وأنا راجع من شغلي، عدّيت على سوق قديم كنت أنا وأمي بنتمشى فيه سوا.. شفت ست عجوزة بتبيع ورد بلدي في مفارش صغيرة، ريحة الورد رجعتني لسنين ورا.. فجأة حسيت بإيد بتلمس كتفي، لفيت لقيت صاحبي كريم، اللي كان أكتر واحد بينصحني أتمسك بخطيبتي عشان الاستقرار.
بصلي بنظرة غريبة، وقالي عارف؟ كنت فاكرك بتهور لما سيبتها.. بس بقالي فترة بتابعك من بعيد، وشايف النور اللي في عينك.. كنت غلطان يا صاحبي، أنت عملت اللي أغلبنا بيخاف يعمله، أنت اخترت كرامتك ونفسك في وقت الكل بيبيع فيه نفسه عشان أي جوازة وأي شقة.
ابتسمتله، وحسيت بصدق كلامه، وقعدنا على قهوة قديمة، قعدنا نحكي مش عن الجواز ولا المصاريف، حكينا عن الدنيا، عن الغربة اللي بنعيشها وإحنا وسط الناس، وعن إزاي إن الوجع الكبير أحياناً بيكون هو النقطة اللي بنحتاجها عشان نبدأ جملة جديدة في حياتنا.
رجعت البيت، لقيت في صندوق البريد جواب قديم، كان مركون ورا باب الشقة، فتحته لقيت فيه أجندة كانت أمي بتكتب فيها ذكرياتها، فتحتها بلهفة، لقيت في الصفحة الأولى مكتوب بخط إيدها يا ابني.. الحياة رحلة، ومحدش هيمشي معاك لآخر السكة غير نفسك وربك، ف خليك دايمًا عزيز النفس، عشان في الآخر ميفضلش جنبك غير اللي بجد بيحبك، مش اللي بيحب مصلحتك.
دموعي نزلت بصمت، حسيت إنها كانت بتطمني وبتقولي إن اللي عملته كان صح، وإنها دايماً معايا، مش بس في الصور،
لكن في المبادئ اللي سابتها لي.
دخلت أوضتي، بدأت أطلع ورق الشغل اللي كنت مأجله، بدأت أحط خطط جديدة لمستقبلي، مش عشان أجهز شقة للجواز، لكن عشان أبني كيان لنفسي، عشان لما أقف قدام المراية بعد سنين، أكون فخور بالشخص اللي بقيت عليه.
فهمت أخيراً إن الحي أبقى من الميت مش معناها إننا ننسى ونكمل حياتنا ببرود، لكن معناها إننا نعيش حياتنا بكرامة وبشكل يخلي اللي رحلوا فخورين بينا، حتى وهما في مكان تاني.. قفلت النور، ولقيت في قلبي س\كينة، لأول مرة، مكنتش مستني حد يطبطب عليا، لأن الطبطبة كانت جاية من جوايا.. من رضاي عن قراري، ومن يقيني إن اللي جاي، فعلاً.. أجمل.
……..
عدت سنة كاملة على اليوم اللي غير حياتي. السنة دي مكنتش سهلة، بس كانت سنة تجديد. ملامحي اتغيرت، نظرتي للناس بقت أوضح، وبقيت بعرف أقرأ اللي قدامي من قبل ما ينطق بكلمة.
في يوم، كنت ماشي في وسط البلد، الصدفة خلتني أعدي من قدام كافيه كنا دايماً بنقعد فيه أنا وهي.. لمحته من بعيد، كانت قاعدة مع واحد، صوت ضحكتها كان عالي زي ما هو، مكنش فيه أي تغيير في أسلوبها، بس اللي اتغير كان أنا. بصيت ناحيتهم، مكنش فيه أي أثر لوجع، ولا حتى فضول أعرف مين ده، أو هي عاملة إيه.. كملت طريقي بخطوات ثابتة، لدرجة إني مالتفتش ورايا حتى لما حسيت إن فيه حد بص عليا.
وصلت البيت، شقتي اللي كانت مجرد شقة أمي بقت دلوقتي بيتي. غيرت ترتيب العفش، دهنت الحيطان ألوان تانية، خليت المكان شبهي،
شبه الهدوء اللي بقيت عايشه. المرة دي وأنا بفتح الباب، مكنتش حاسس بالوحدة، كنت حاسس ب الاستقلال.
تليفوني رن، كان رقم غريب.. رديت بصوت هادي ألو؟
لقيت صوت راجل بيعرف نفسه إنه صاحب شركة كنت قدمت فيها على شغل جديد من فترة.. قالي أستاذ محمد، إحنا شوفنا ال CV بتاعك، ولقينا إن عندك ثبات انفعالي وخبرة في الإدارة تخلونا نختارك للمكان، تقدر تبدأ من بكرة؟
قعدت على الكنبة، وبصيت لصورة أمي المعلقة على الحيطة.. ابتسمت وقولتله أيوة يا فندم، جاهز.. ومستعد جداً.
قفلت الموبايل، ولقيت
نفسي بتكلم مع أمي كالعادة، بس المرة دي الكلام كان مختلف شوفتي يا ست الكل؟ مش بس كملت.. أنا بدأت أتحقق. اتعلمت إن الوجع مش نهاية، الوجع هو اللي بيصيغنا من جديد، بيشيل القشور ويسيب الجوهر.
قمت وقفت قدام المراية، بصيت لراجل شفته لأول مرة.. راجل، عرف يعني إيه كرامة، وعرف يعني إيه إن الحياة مش مجرد شريك بيسندك، الحياة هي إيمانك بنفسك وقدرتك على الوقوف لوحدك لما الدنيا كلها تبيعك.
خرجت للبلكونة، الهوا كان صيفي وهادي، في اللحظة دي، عرفت حاجة أخيرة.. إن أمي مكنتش مجرد شخص فارق الحياة، كانت هي الدرس اللي بسببه اتعلمت أعيش بجد. الدنيا فعلاً مبتقفش على حد، بس الأهم من كده، إننا نعيشها وإحنا إحنا، من غير ما نغير مبادئنا، ولا نهين كرامتنا، ولا نبيع اللي في قلوبنا عشان خاطر أصل أو مصلحة.
دخلت أنام، ولأول مرة في حياتي، نمت وأنا مطمن إن بكره.. بجد.. أحلى.
تمت





