الطلاق ١
كانت ليلى جالسة في الصالة، وقد فتحت حاسوبها المحمول تتابع أحد الكورسات الإلكترونية استعدادًا لامتحان الفارما. كانت الستارة الشيفون مسدلة، بينما بقيت ستارة البلاك أوت مفتوحة، فتسلل الضوء الأصفر القادم من أعمدة الشارع إلى الداخل، فارضًا جوًا رومانسيًا لم يقصده أحد منهما.
خرج يوسف من مكتبه مرهقًا، وعيناه محمرتان من السهر. لمحها جالسة أمام الحاسوب فتوقف قليلًا.
يوسف: “سهرانة؟”
ليلى، من دون أن ترفع عينيها عن الشاشة: “أيوه. بذاكر. ورايا امتحان فارما.”
توجه يوسف إلى المطبخ، وأعد كوبين من النسكافيه، ثم عاد ووضع أحدهما أمامها على الطاولة.
نظرت ليلى إلى الكوب ثم إليه باستغراب.
ليلى: “إيه ده؟”
يوسف: “نسكافيه. عشان السهر. من غير سكر. عشان الضغط.”
ليلى: “ميرسي… بس ليه؟”
جلس على الكنبة البعيدة وقال بجدية مصطنعة:
يوسف: “عشان… عشان لو نمتي وإحنا متخانقين الطاقة السلبية هتزيد في البيت. ده بند جديد.”
ضحكت ليلى رغمًا عنها.
ليلى: “إنت بتألف بنود على مزاجك؟”
يوسف: “العقد عقدي وأنا حر فيه.”
في ليلة أخرى، كان يوسف نائمًا على الكنبة في الصالة بعد أن تعطل مكيف غرفته. أغلق ستارة البلاك أوت بالكامل، حتى غاص المكان في ظلام حالك.
في الثالثة فجرًا تقريبًا، تلقت ليلى اتصالًا عاجلًا من الصيدلية. كانت هناك حالة طارئة تتطلب حضورها فورًا.
نهضت مسرعة، ارتدت ملابسها على عجل، ثم خرجت إلى الصالة لتأخذ حقيبتها.
كان الظلام كثيفًا إلى حد أنها لم تعد ترى شيئًا.
اصطدمت أولًا بالطاولة.
“أوووف.”
ثم واصلت طريقها لتصطدم بساق يوسف.
انتفض يوسف من نومه مذعورًا.
يوسف: “مين؟! حرامي؟!”
ليلى: “بس! بس ده أنا! رايحة شغل!”
اعتدل جالسًا وهو يفرك عينيه.
يوسف: “شغل إيه الساعة 3؟! والنور مطفي ليه؟!”
ليلى: “حالة طارئة! والستارة بتاعتك المقرف مضلمة الدنيا مش شايفة!”
نهض وفتح الإضاءة.
يوسف: “ما تولعي النور يا بنتي!”
ليلى: “ماردتش أصحيك!”
يوسف: “ما إنتي صحيتيني بخبطك! كنتي هتكسري رجلي!”
تأملها للحظة. كان شعرها منكوشًا، وملامحها ما تزال غارقة في النعاس، لكنها مستعدة للخروج لإنقاذ شخص لا تعرفه.
قال فجأة:
يوسف: “استني.”
دخل المطبخ وعاد بكوب حراري مملوء بالنسكافيه الساخن.
يوسف: “خدي ده. عشان تفوقي.”
أخذته وهي تنظر إليه باستغراب.
ليلى: “شكراً… بس…”
يوسف: “بس إيه؟ امشي قبل ما الحالة تموت. يلا.”
خرجت، فأغلق الباب خلفها وأسند ظهره إليه.
ثم نظر إلى ستارة البلاك أوت.
ولأول مرة شعر أنها سخيفة فعلًا.
فتحها نصف فتحة، حتى إذا عادت قبل الشروق لا تتعثر في الظلام مرة أخرى.
عادت ليلى بعد ساعات، منهكة لكنها سعيدة.
لقد نجحت في إنقاذ الرجل.
دخلت الشقة بهدوء، فوجدت يوسف ما يزال نائمًا على الكنبة، بينما تسلل ضوء الفجر الأبيض من خلال الفتحة الصغيرة في الستارة وسقط على وجهه.
تناولت البطانية الخفيفة الموضوعة على الكرسي، ثم غطته بها برفق كي لا يبرد بسبب المكيف.
وأثناء ذلك لامست أصابعها خده مصادفة.
كان خشنًا بفعل اللحية.
سحبت يدها بسرعة.
فتح يوسف عينًا واحدة على أثر الحركة.
يوسف: “رجعتي؟”
ارتبكت قليلًا.
ليلى: “أيوه… آسفة صحيتك.”
يوسف: “الراجل عاش؟”
ابتسمت بتعب.
ليلى: “أيوه… عاش.”
أغمض عينيه من جديد وارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة.
يوسف: “جدعة يا دكتورة.”
ثم عاد إلى النوم.
بقيت ليلى واقفة تنظر إليه لثوانٍ.
“جدعة يا دكتورة.”
قالها هذه المرة بلا سخرية، ولا مزاح.
دخلت المطبخ وأعدت لنفسها قهوة.
ثم نظرت إلى الستارة.
وأغلقت البلاك أوت بالكامل.
وتمتمت:
“عشان الباشمهندس ينام ساعتين كمان من غير شمس.”
استيقظ يوسف بعد ذلك بساعات، ليجد الصالة غارقة في الظلام.
اعتدل فجأة.
يوسف: “ليلى! النور!”
خرجت من غرفتها مستغربة.
ليلى: “إيه؟ في إيه؟”
أشار إلى الستارة.
يوسف: “قافلاها ليه؟ الساعة 1 الضهر!”
عقدت ذراعيها أمام صدرها.
ليلى: “عشان سعادتك تنام. مش إنت بتقول الضلمة علاج؟ اتفضل اتعالج.”
نظر إليها، ثم إلى الستارة، ثم انفجر ضاحكًا.
كانت تلك أول ضحكة حقيقية تخرج منه منذ زواجهما.
يوسف: “يا شيخة… قومي افتحيها. صدعتيني.”
فتحت ليلى الستارة، فاندفع الضوء إلى الصالة.
أغمض يوسف عينيه متأثرًا بالسطوع.
يوسف: “أيوه كده. اتعميت. شكراً.”
ليلى: “العفو. ده واجبي…”
وقبل أن تكمل، قال:
يوسف: “بصي… عشان نخلص من الخناقة دي. هنعمل حاجة.”
أحضر سلمًا من البلكونة.
ليلى: “هتعمل إيه؟ هتنتحر من الشباك؟”
يوسف: “لا. هعلق حاجة.”
صعد إلى السلم وأخرج علبة صغيرة.
ليلى: “إيه دي؟”
يوسف: “موتور. موتور ستارة كهربا. بريموت.”
وخلال دقائق كان قد ركبه فوق الستارة.
نزل بعدها وأخرج جهازي تحكم صغيرين.
أعطاها الأبيض واحتفظ بالأسود.
يوسف: “الأسود بتاعي. بيقفل البلاك أوت. والأبيض بتاعك. بيفتحها. من غير ما نتخانق، ومن غير ما نشد. دوسي على زرار، والستارة تفتح وتقفل لوحدها.”
حدقت فيه بدهشة.
ليلى: “إنت… إنت جبته إمتى ده؟”
يوسف: “طلبته أونلاين إمبارح بعد ما كنتي هتموتي وتقعي. قولت بدل ما نكسر بعض، نكهرب الستارة.”
ليلى: “وسايبني أتخانق معاك من الصبح ليه؟!”
يوسف: “عشان بحب أشوفك وإنتي متعصبة. شكلك يضحك.”
فقذفته بالمخدة.
ليلى: “يا باااارد!”
أمسكها وهو يضحك.
يوسف: “خلاص خلاص! جربي الريموت.”
وبدآ يضغطان الأزرار كالأطفال.
تُغلق.
تُفتح.
تُغلق.
تُفتح.
حتى كادت ليلى تسقط من الضحك.
ليلى: “بس! بس دوخت!”
يوسف، ضاغطًا مرة أخرى: “آخر مرة… آخر مرة أصلها حلوة أوي.”
غرقت الغرفة في الظلام.
وساد الصمت.
ليلى: “يوسف… افتح النور.”
جاء صوته من العتمة.
يوسف: “ليه؟ خايفة؟”
ليلى: “لا… بس… مش شايفاك.”
ساد صمت قصير.
ثم قال:
يوسف: “وأنا مش شايفك برضو. بس سامع صوتك. وسامع ضحكتك من شوية.”
تسارع نبض قلبها.
ليلى: “طب افتح بقى عشان…”
ضغط يوسف على الريموت الأبيض.
فانفتحت الستارة وعاد الضوء إلى الصالة.
وجدته واقفًا بالقرب منها أكثر مما ينبغي.
يوسف: “عشان إيه؟”
ابتلعت ريقها.
ليلى: “عشان… عشان أشوف هضربك بالمخدة فين.”
ضحك وتراجع خطوة.
يوسف: “يا ساتر.”
ثم وضع الريموت الأبيض في يدها.
يوسف: “خليه معاكي. ده سلا\حك الجديد. بس ماتفتحيهاش عليا وأنا نايم.”
لامست أصابعه أصابعها لثانية واحدة.
ليلى: “موعدكش. لو صحيت لقيتك مقفلها هصحيك بالريموت في دماغك.”
غادرت إلى غرفتها.
أما هو فبقي واقفًا ممسكًا بالريموت الأسود، وعلى وجهه ابتسامة لم يحاول إخفاءها.
وقبل أن تنام، نظرت ليلى إلى الريموت الأبيض الموضوع فوق الكومودينو.
أمسكته، ثم نظرت نحو باب غرفته.
راودتها فكرة أن تضغط الزر وتفتح الستارة عليه لتوقظه.
لكنها هزت رأسها قائلة:
“لا. خليه ينام. بكرة نكمل خناق.”
وضعت الريموت بجوارها واستسلمت للنوم.
وفي غرفته، كان يوسف لا يزال مستيقظًا، يتأمل الريموت الأسود بين يديه.
ثم تمتم لنفسه:
“مليون جنيه… والله شكلي هدفعهم قريب.”
وابتسم قبل أن يغفو.


