الطلاق ١

رفع رأسه دون أن يلتفت بالكامل.
ـ “بختار سيراميك حمام.”
ـ “الساعة ١٢؟”
ـ “أنا بشتغل بالليل.”
وبينما كانت تمر بجواره…
اصطدم قدمها بإحدى العينات.
ـ “آآه!”
قفز يوسف واقفًا.
ـ “حاسبي! دي المتر بألف جنيه!”
أمسكت إصبع قدمها وهي تتألم.
ـ “صباعي كان هيتقطع وإنت خايف على السيراميك؟!”
ـ “ما تبصي قدامك!”
ـ “وإنت ما تحطش الزفت ده في نص الصالة!”
وقفا متقابلين.
هي تتألم.
وهو متضايق.
ثم قال فجأة:
ـ “على فكرة… الزعيق بيبوظ طاقة المكان.”
حدقت فيه غير مصدقة.
ـ “والله؟ والطاقة السلبية كلها طالعة منك ومن السيراميك بتاعك يا جحش!”
كاد يرد بعصبية، لكنه لمح الاحمرار في إصبعها.
تنهد واستسلم.
اقترب قليلًا.
ـ “هاتي رجلك أشوف.”
تراجعت خطوة.
ـ “خايف على إيه؟ على الباركيه؟”
ـ “لا… خايف ألبس مصيبة لو جرالك حاجة.”
تفحص إصبعها سريعًا.
ثم قال:
ـ “كويس. مجرد خبطة.”
اعتدل واقفًا.
ـ “حطي تلج.”
استدارت نحو غرفتها وهي تتمتم:
ـ “شكرًا يا دكتور يوسف.”
وأغلقت الباب خلفها بعنف.
ظل يوسف واقفًا للحظة.
ثم نظر إلى عينات السيراميك المبعثرة وقال مخاطبًا إياها:
ـ “معلش يا حبايبي… هي همجية شوية بس هتتعود عليكم.
كان يوسف جالسًا أمام حاسوبه المحمول، غارقًا في مراجعة بعض الرسومات الهندسية. لم يكن يسمع سوى صوت لوحة المفاتيح وصمت الليل الثقيل.
فجأة…
وصلته كحة من غرفة ليلى.
رفع رأسه قليلًا.
ثم جاءت كحة ثانية.
وثالثة.
متتابعة وعنيفة.
قبل أن يسمع صوت ارتطام حاد أعقبه تحطم زجاج.
تجمد في مكانه لثانية.
ثم نهض بسرعة واتجه إلى غرفتها.
طرق الباب بقوة.
ـ “ليلى؟”
لا رد.
طرق مرة أخرى.
ـ “ليلى!”
ظل الصمت مخيمًا.
أمسك المقبض وفتحه دون تفكير.
وجدها جالسة على السرير، ظهرها مستند إلى الحائط الرمادي، ووجهها محتقن بالاحمرار. كانت دموعها تملأ عينيها بينما تناثرت شظايا كوب زجاجي مكسور على الأرض بجوارها.
اقترب بخطوات سريعة وقد انعقد حاجباه قلقًا.
ـ “مالك؟ في إيه؟”
رفعت رأسها بصعوبة.
كان صوتها مبحوحًا ومتقطعًا.
ـ “شرقت… والكوباية وقعت مني.”
زفر يوسف بارتياح خفيف.
ثم التقط حقيبتها الطبية من فوق الكومود.
ـ “الدوا فين؟”
أشارت بيد مرتجفة نحو الحقيبة.
ـ “الأزرق… بتاع الكحة.”
ظل يقلب بين الأدوية حتى وجده.
فتح الزجاجة وأعطاها الجرعة، ثم أسرع إلى المطبخ وعاد بكوب ماء.
شربت ببطء.
وبعد دقائق بدأت أنفاسها تنتظم قليلًا.
أغمضت عينيها وأسندت رأسها إلى الحائط.
أما يوسف فظل واقفًا للحظات لا يعرف ماذا يفعل.
حك مؤخرة رأسه بتوتر قبل أن يسأل:
ـ “إنتِ كويسة؟”
فتحت عينًا واحدة ونظرت إليه.
ـ “لا.”
سحب كرسيًا من جانب الغرفة وجلس بعيدًا عنها مسافة آمنة.
ـ “طب عايزة إيه؟”
أجابت دون أن تفتح عينيها:
ـ “عايزاك تمشي.”
رفع حاجبيه.
ـ “مش همشي.”
ثم أضاف بجدية مصطنعة:
ـ “لو موتي دلوقتي هلبس أنا فيكي.”
خرجت منها ضحكة صغيرة رغم تعبها.
ـ “طول عمرك ندل.”
ارتخت ملامحه قليلًا.
وساد بينهما صمت قصير.
نهض يوسف فجأة وغادر الغرفة.
نظرت ليلى إلى الباب باستغراب.
لكنه عاد بعد دقيقة واحدة فقط.
وفي يده شريط بنادول.
وضعه بجوارها على السرير.
ـ “عارف إنك مش مصدعة.”
ثم هز كتفيه.
ـ “بس البنادول ده بينفع لما الواحد يبقى متضايق. خديه احتياطي.”
فتحت عينيها بالكامل هذه المرة.
ونظرت إليه مطولًا.
ـ “وإنت مالك؟ مش شغلك على فكرة.”
أجاب وهو يتجنب النظر إليها:
ـ “لا… شغلي.”
عقد ذراعيه أمام صدره وأضاف:
ـ “العقد بيقول نعيش مع بعض. والعيشة يعني لو حد تعب التاني يساعده.”
توقف لحظة ثم أكمل:
ـ “ده بند جديد ألفته حالًا.”
ابتسمت رغمًا عنها.
ـ “كداب أوي.”
أشار بيده نحو الباب.
ـ “خلاص. خلصنا.”
استدار وغادر الغرفة.
وقبل أن يغلق الباب خلفه…
سمع صوتها يناديه بهدوء:
ـ “يوسف…”
توقف دون أن يلتفت.
ـ “شكرًا.”
ظل صامتًا لثانية.
ثم أغلق الباب بهدوء هذه المرة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *