الطلاق ١
الفصل الثالث والرابع
كانت رائحة الزيت الساخن تملأ المطبخ الصغير، وصوت الطقطقة المتواصلة يتردد في أرجاء الشقة كأن معركةً صغيرة تدور فوق سطح البوتاجاز.
وقفت ليلى أمام النار بكامل تركيزها.
كانت ترتدي بيجامة مزينة ببطاريق صغيرة، بينما جمعت شعرها في كعكة مهزوزة أعلى رأسها، وربطت المريلة الصفراء حول خصرها بإحكام. في يدها شوكة تقلب بها شرائح البانيه، وفي الأخرى طبق تنتظر فيه الدفعة التالية.
في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة.
دخل يوسف بخطوات متعبة بعد يومٍ طويل في الموقع. كان الغبار الأبيض يغطي ملابسه وكتفيه، وحتى أطراف شعره لم تسلم من التراب.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى وصلته الرائحة.
توقف في مكانه فجأة، ثم رفع رأسه نحو المطبخ باستنكار.
يوسف: “يا ساتر… إيه ريحة القنبلة دي؟!”
لم تلتفت ليلى إليه، واكتفت بقلب قطعة البانيه داخل الزيت.
ليلى: “دي ريحة بانيه يا باشمهندس. أكل بني آدمين طبيعيين… مش أكل الجرايد والخضار اللي بتاكله.”
زفر يوسف بضيق، ووضع متعلقاته جانبًا، ثم اتجه نحو المطبخ.
وقف عند الباب وهو ينظر إلى الطاسة كمن اكتشف كارثة وطنية.
يوسف: “بتقلي إيه؟ بانيه؟ في الزيت؟ في مطبخي؟”
رفعت ليلى حاجبًا واحدًا دون أن تنظر إليه.
ليلى: “أيوه في مطبخك، وفي الزيت، وفي بيتي. عندك مانع؟”
فتح كفيه بعدم تصديق.
يوسف: “طبعًا عندي! الزيت ده بيطرطش! هيبوظ الرخام الكرارة ويلزق في دواليب الخشب الأرو!”
هزت رأسها في ملل وهي تقلب البانيه.
ليلى: “ما تقلقش. أنا دكتورة وبعرف أتعامل مع السوائل المتطايرة.”
ثم أشارت إلى الغطاء الموضوع فوق الطاسة.
ليلى: “وبعدين حاطة غطا أهو.”
وكأن القدر كان ينتظر تلك الجملة تحديدًا.
قفزت نقطة زيت كبيرة من تحت الغطاء، وحلقت في الهواء لثانية واحدة قبل أن تستقر على الحائط خلف البوتاجاز.
الحائط الذي أمضى يوسف أسبوعًا كاملًا يتابع دهانه واختيار درجته بنفسه.
تجمدت ملامحه.
ثم اتسعت عيناه ببطء.
يوسف: “ليلى…”
التفتت إليه باستغراب.
ليلى: “نعم؟”
رفع إصبعه نحو الحائط.
كانت يده ترتجف فعلًا.
يوسف: “شايفة النقطة دي؟”
نظرت إلى حيث يشير.
ليلى: “أيوه. نقطة زيت.”
ابتلع ريقه بصعوبة.
وجاء صوته منخفضًا بشكلٍ أخطر من الصراخ.
يوسف: “دي مش نقطة… دي بصمة عار على تاريخي المهني.”
حدقت فيه لحظة، ثم انفجرت ضاحكة.
أما هو فظل ينظر إلى البقعة وكأنه يشاهد انهيار برج كامل أمام عينيه.
اقتربت من الحائط وهي لا تزال تضحك.
ليلى: “يا سلام؟ طول العمر؟ طب بص.”
التقطت فوطة مبللة من جوار الحوض ورفعتها نحو الحائط.
وفي الثانية التالية قفز يوسف من مكانه.
يوسف: “لااااا! ماتلمسيهاش!”
توقفت يدها في الهواء.
ليلى: “إيه؟!”
يوسف: “هتبوظيها أكتر! هتوسعي البقعة!”
نظرت إليه ثم إلى الفوطة ثم إليه مرة أخرى.
ليلى: “طب أعمل إيه؟ أعلق عليها برواز؟”
خطف الفوطة من يدها بسرعة.
ثم وقف أمام الحائط يتأمل البقعة بحزنٍ حقيقي.
يوسف: “إنتِ… إنتِ بوظتي الحيطة.”
زفرت ليلى بقوة.
ليلى: “يوسف ما تكبرش الموضوع. دي نقطة زيت مش جر\يمة قت\ل.”
رفع رأسه نحوها.
يوسف: “إنتِ عارفة عشان أدهن الحيطة دي تاني لازم أجيب النقاش ويصنفر ويدي وشين؟ واللون عمره ما هيطلع نفس الدرجة مية في المية؟”
نفد صبرها أخيرًا.
ألقت الشوكة داخل الحوض بصوتٍ مرتفع.
ليلى: “خلاص! أنا آسفة إني بجوع! وآسفة إني بحاول أعمل أكل في البيت!”
كانت نبرتها ترتفع أكثر مع كل كلمة.
ليلى: “بعد كده هطلب دليفري وآكل خس زي الأرانب عشان الدهان بتاعك ميتوسخش!”
رد فورًا دون تفكير.
يوسف: “ياريت! الخس مابيطرطش زيت أصلًا!”
ساد الصمت.
ثانية…
ثانيتان…
ثم أغلقت ليلى النار بعنف.
التفتت نحو الطاسة.
كان البانيه قد احترق.
حدقت فيه للحظة قبل أن تضحك ضحكة قصيرة ساخرة.
ليلى: “الأكل اتحرق. مبسوط؟”
نظر إلى البانيه الأسود.
ثم إلى البقعة.
ثم إليها.
يوسف: “أيوه. عشان تتعلمي إن المطبخ ده له قوانين.”
نزعت المريلة بعصبية وألقتها فوق الطاولة.
ليلى: “قوانين؟!”
تقدمت نحوه خطوة.
ليلى: “هدفع تمن الدهان. عشرة آلاف؟ عشرين ألف؟ خدهم واخلص.”
شد يوسف فكه.
يوسف: “الموضوع مش فلوس يا ليلى.”
ليلى: “أمال إيه؟”
يوسف: “الموضوع تقدير. ده بيتي.”
تغيرت ملامحها فورًا.
واختفت السخرية من وجهها.
ليلى: “وده بيتي أنا كمان.”
أشارت إلى الأرض حولها.
ليلى: “بقالي ست شهور عايشة هنا. يعني بيتي غصب عنك. ومن حقي أقلي بانيه فيه.”
تبادل الاثنان النظرات لثوانٍ طويلة.
ثم استدارت فجأة وغادرت المطبخ.
وفي اللحظة التالية دوى صوت الباب وهو يُغلق خلفها بعنف.
بقي يوسف وحده.
نظر إلى البانيه المحترق.
ثم إلى المريلة الملقاة على الطاولة.
ثم إلى بقعة الزيت الصغيرة.
ومرر يده فوق وجهه بإرهاق.
يوسف (بهمس): “غبية… ومستفزة… ومبتسمعش الكلام.”
لكن الغريب…
أنه لم يكن غاضبًا كما ادعى.
طرق يوسف باب غرفتها بخفة، وحين لم يصله رد، دفع الباب قليلًا وأطل برأسه إلى الداخل.
كانت ليلى جالسة فوق السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بشاشة الحاسوب المحمول أمامها. بدا مسلسلها التركي أهم من العالم كله. وفي يدها كيس شيبسي مفتوح تأكل منه بغيظ واضح.
توقف يوسف عند الباب، وحدق في الكيس بدهشة.
ـ “ليلى… إنتِ بتاكلي شيبسي؟”
أجابته من غير أن ترفع عينيها عن الشاشة:
ـ “أيوه. الشيبسي مابيطرطش زيت. آمن على الرخام. أقدر آكله عادي.”
زفر يوسف ودخل خطوتين إلى الغرفة.
ـ “طب… إنتِ كويسة؟”
رفعت عينيها إليه أخيرًا، ثم قالت ببرود متعمد:
ـ “أنا زي الفل. طالما بعيدة عن المطبخ، وعن الدهان، وعنك.”
عقد حاجبيه وقال:
ـ “بلاش تقلبيها دراما. أنا كنت خايف على الشقة.”
استدارت نحوه بالكامل، وقد اشتعلت عيناها بالاعتراض.
ـ “أنا جيت أعمل بانيه… وحضرتك بوظت الأكلة وبوظت اليوم.”
ساد الصمت بينهما للحظة.
وقعت عيناه على كيس الشيبسي، فحاول تلطيف الأجواء.
ـ “طب… تحبي أطلبلك بيتزا؟”
هزت رأسها نفيًا.
ـ “لا. البيتزا فيها صلصة. والصلصة بتبقع. هكمل أكل في الشيبسي.”
مرر يوسف يده في شعره بتوتر.
ـ “خلاص… براحتك.”
أجابته سريعًا:
ـ “هجيبلك نقاش على حسابي بكرة. ارتحت؟”
هز رأسه باستسلام.
ـ “ماشي. شكرًا.”
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ما إن اختفى حتى ألقت ليلى كيس الشيبسي جانبًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
ـ “بارد… وتنك… ومابيحسش.”
في المساء، كان يوسف جالسًا في الصالة أمام حاسوبه المحمول، يراجع بعض الملفات بينما يتناول شطيرة جبن رومي.
خرجت ليلى من غرفتها بعد أن بدلت ملابسها، وكانت ترتدي ملابس منزلية مريحة، ويبدو أنها انتهت للتو من الاستحمام.
في يدها علبة صغيرة.
رفع يوسف رأسه نحوها.
ـ “خير؟”
تقدمت منه بثقة حتى وقفت أمامه مباشرة.
ـ “افتح بوقك.”
رمش عدة مرات باستغراب.
ـ “نعم؟ ليه؟ هتسمميني؟”
ابتسمت بخبث.
ـ “أيوه. هفتح بوقك وأحطلك سم. افتح بقولك.”
أغلق فمه فورًا وهز رأسه.
ـ “مش فاتح. قولي عايزة إيه.”
فتحت العلبة وأخرجت منها حقنة ممتلئة بسائل أصفر.
تجمد يوسف في مكانه.
ـ “ده فيتامين ب12. وشك أصفر زي اللمونة من قلة الأكل والشغل. لازم تاخده.”
اتسعت عيناه في رعب حقيقي، وتراجع بجسده إلى الخلف.
ـ “حقنة؟! نعم؟! ليه؟! أنا كويس!”
وضعت يدًا على خصرها وقالت بلهجة الطبيبة الواثقة:
ـ “لا مش كويس. عينك حمرا، وتحت عينك إسود، ووشك بهتان. افتح دراعك.”
انتفض واقفًا.
ـ “يا ليلى أنا بخاف من الحقن! من وأنا صغير!”
رفعت الحقنة في الهواء مهددة.
ـ “يلا يا شاطر. مش هتوجع.”
ـ “لا! مستحيل!”
ثم أشار إلى الحقنة بذعر.
ـ “حطيها في العصير وأنا أشربها!”
انفجرت ضاحكة.
ـ “دي حقنة عضل يا ذكي! مش دوا شرب!”
بعد دقائق قليلة، كان يوسف يركض نحو غرفته بأقصى سرعة، بينما تطارده ليلى وهي تلوح بالحقنة وتكاد تختنق من الضحك.
ـ “يا مجنونة! ابعدي عني! هطلب البوليس!”
ـ “البوليس مش هينفعك! أنا معايا ترخيص مزاولة مهنة!”
وصل إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح بسرعة.
استند بظهره إلى الباب وهو يلهث.
ـ “مش فاتح!”
جاءها صوته من الداخل.
ـ “روحي ادي الحقنة لنفسك!”
أسندت هي الأخرى ظهرها إلى الباب من الخارج.
ـ “فاكر نفسك هتهرب؟ هحطلك منوم في القهوة بكرة وأديهالك وإنت نايم!”
ـ “لو عملتي كده هرفع عليكي قض\ية شروع في قت\ل!”
ضحكت بصوت عالٍ.
ـ “وأنا هرفع عليك قض\ية إهمال في صحتك!”
ظل هو متشبثًا بالباب من الداخل وقلبه يدق بعنف، بينما كانت هي تضحك حتى دمعت عيناها.
وأخيرًا قالت بنبرة أهدأ:
ـ “خلاص يا يوسف… بهزر. مش هديهالك بالعافية. بس لازم تاخد فيتامين. هجيبلك حبوب.”
تنفس الصعداء فورًا.
ـ “أيوه كده… نتفاهم.”
لوحت له بإصبعها محذرة.
ـ “بس لو وشك ماتحسنش خلال 3 أيام، هجيب سرنجة 10 سم.”
ثم استدارت وغادرت.
أما هو ففتح الباب قليلًا ليتأكد من رحيلها، ثم أغلقه مجددًا وتمدد فوق السرير.
وابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيه.
ـ “مجنونة… ومرعبة. بس دمها خفيف.”
استيقظت ليلى مبكرًا على غير عادتها. أعدّت فنجان قهوة وجلست في المطبخ الهادئ تحتسيه ببطء، بينما تتسلل أشعة الصباح الذهبية عبر النافذة.
بعد دقائق، ظهر يوسف عند باب المطبخ. كان يبدو وكأنه خرج لتوه من المعركة مع النوم؛ شعره منكوش، وعيناه نصف مغمضتين.
ما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ـ “صباح الخير.”
رفعت ليلى رأسها عن فنجانها، وبادلته الابتسامة.
ـ “صباح النور. نمت كويس؟”
جلس على الكرسي المقابل لها وهو يتمطى.
ـ “أيوه. الحمد لله محدش إداني حقنة وأنا نايم.”
انفجرت ضاحكة وهزت رأسها.
ـ “لا ماتخافش. بس جبتلك ده.”
مدّت يدها خلفها وأخرجت علبة صغيرة، ثم وضعتها أمامه على الطاولة.
نظر إليها بحذر قبل أن يلتقطها.
كانت علبة فيتامين ب12، أقراص تُؤخذ تحت اللسان.
ارتخت ملامحه فورًا.
ـ “ماشي. هاخده. شكرًا… يا دكتورة.”
رفعت حاجبًا بمشاكسة.
ـ “العفو… يا باشمهندس.”
فتح العلبة يتفحصها، ثم رفع رأسه نحو الحائط الذي ما زالت بقعة الزيت تزينه.
وأشار إليه قائلًا:
ـ “على فكرة… كلمت النقاش. جاي بكرة.”
اعتدلت ليلى في جلستها فورًا.
ـ “وأنا هحاسب. ده وعد.”
لوّح بيده معترضًا.
ـ “لا خلاص. مش لازم.”
تردد قليلًا ثم أضاف:
ـ “البقعة صغيرة. هحط قدامها تابلوه ومحدش هيشوفها.”
حدقت فيه باستغراب واضح.
ـ “بجد؟ مش هتدهنها؟”
ابتسم يوسف وهز كتفيه ببساطة.
ـ “أصل… فكرت فيها. إنتِ عندك حق. ده بيت. والبيت لازم يتعاش فيه. لو فضلت خايف على كل حيطة وكل ركن، هنعيش في متحف… مش في بيت.”
سكتت ليلى.
لم يكن يتحدث عن الحائط فقط.
وكانت تعرف ذلك.
شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلها، فخفضت عينيها إلى فنجان القهوة حتى لا يلاحظ تأثرها.
لكن يوسف قطع الصمت فجأة.
ـ “بس… عندي شرط.”
رفعت رأسها نحوه.
ـ “عارفة. إيه هو؟”
مال بجسده للأمام وقال بجدية مصطنعة:
ـ “لما تيجي تقلي بانيه تاني، حطي الشفاط. وغطي الطاسة كويس. و…”
توقف لحظة.
ـ “وممكن تنادي عليا أقف جنبك؟ عشان لو الزيت طرطش ألحقك.”
رغمًا عنها، تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها.
ـ “ماشي. موافقة. بس بشرط.”
ـ “إيه؟”
أشارت إليه بإصبعها.
ـ “تاكل معايا. ماتقرفش وتقعد تقول الزيت وحش ومضر للصحة والكلام الفاكس ده.”
ضحك يوسف.
ـ “موافق. بس لو جالي حموضة، إنتِ المسؤولة.”
ـ “اتفقنا.”
في المساء، كانت ليلى تقف في المطبخ مرتدية مريلتها الصفراء المفضلة، منهمكة في تتبيل شرائح البانيه.
أما يوسف فكان يقف إلى جوارها مرتديًا تيشيرت منزليًا بسيطًا، ممسكًا بغطاء الحلة الكبير بكلتا يديه وكأنه درع حربي يستعد للمعركة.
التفتت إليه وهي تكتم ضحكتها.
ـ “جاهز؟”
شد قبضته على الغطاء.
ـ “جاهز. أول ما تحطي البانيه هغطي الطاسة فورًا.”
هزت رأسها.
ـ “تمام. ثلاثة… اتنين… واحد!”
وضعت أول قطعة في الزيت.
فانطلق صوت القلي عاليًا:
“تشششششش!”
قفز يوسف في مكانه، وأطبق الغطاء فوق الطاسة بسرعة البرق.
ـ “غطي! غطي!”
انحنت ليلى من شدة الضحك.
ـ “إنت بتحارب؟! اهدى! دي طاسة مش قنبلة!”
أجابها وهو ما يزال متحفزًا:
ـ “في فرق يعني؟ الاتنين بيطرطشوا!”
مر الوقت وهما واقفان جنبًا إلى جنب.
كانت هي تقلب البانيه بخفة وخبرة، بينما يقف هو مستعدًا للتدخل في أي لحظة.
التفتت إليه فجأة.
ـ “على فكرة… شكلك مضحك أوي وإنت ماسك الغطا كده.”
نظر إليها مبتسمًا.
ـ “وإنتِ شكلك ألذ وإنتِ بتطبخي. ماكنتش أعرف إنك شاطرة.”
شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها.
فأخفضت عينيها نحو الطاسة بسرعة.
ـ “على قدي. بس بعرف أقلي كويس.”
ابتسم بخبث.
ـ “وبتعرفي تدي حقن ترعب البدن.”
رفعت رأسها فورًا.
ـ “وأنت بتعرف تخاف من الحقن زي العيال بالظبط.”
تنهد يوسف مستسلمًا.
ـ “ماشي ماشي… إحنا خالصين واحدة بواحدة.”
بعد دقائق، أخرجت ليلى البانيه من الزيت.
كان ذهبي اللون وشهيًا بشكل يفتح الشهية.
وضعته في طبق أمام يوسف وقالت بثقة:
ـ “دوق.”
التقط قطعة صغيرة، ونفخ فيها قبل أن يتذوقها.
راقبته ليلى بترقب واضح.
ـ “إيه؟ وحش؟”
رفع رأسه ببطء.
ثم اتسعت عيناه بدهشة حقيقية.
ـ “لا… ده حلو أوي.”
توقف لحظة ثم أضاف:
ـ “أحلى من أكل أمي.”
شهقت ليلى.
ـ “بجد؟!”
هز رأسه مؤكدًا.
ـ “بجد. بس ماتقوليلهاش.”
انفجرت ضاحكة من قلبها.
ضحكة صافية جعلت المطبخ كله يبدو أكثر دفئًا.
وفي نهاية اليوم، كان يوسف يقف أمام الحوض يغسل الأطباق وهو يصفر بلحن خافت.
رفع رأسه مصادفة نحو بقعة الزيت على الحائط.
تأملها لثوانٍ.
ثم ابتسم.
لأول مرة…
لم تعد تبدو له بقعة مزعجة.
بل ذكرى جميلة.
الساعة العاشرة صباحًا.
كانت ليلى قد استيقظت منذ فترة، بينما كان يوسف يقف أعلى السلم الصغير يثبت لوحة ديكورية على الحائط. ارتدى ملابس العمل المنزلية، وقد انشغل تمامًا فيما يفعله.
رفعت ليلى رأسها نحوه وقالت بابتسامة خفيفة:
ليلى: “صباح الخير… بتعمل إيه يا سبايدر مان؟”
أجابها دون أن يلتفت إليها، وعيناه مثبتتان على المسمار:
يوسف: “صباح النور. بركب تابلوه. إوعي تهزي السلم.”
تقدمت ببطء نحو الكنبة الجلدية البيج الموضوعة في الصالة. مررت أصابعها على أحد الأركان ثم عقدت حاجبيها.
ليلى: “الكنبة دي… حساها متربة.”
التفت إليها يوسف فجأة وكأنها وجهت إليه إهانة شخصية.
يوسف: “نعم؟! متربة؟! دي أنا ماسحها بإيدي إمبارح! دي جلد طبيعي يا ليلى!”
أشارت إلى نقطة صغيرة على ظهر الكنبة.
ليلى: “لا، متربة. بص هنا.”
انحنى يوسف من فوق السلم محاولًا رؤية ما تشير إليه.
يوسف: “فين؟! دي مش تراب أصلًا… ده انعكاس ضوء!”
هزت كتفيها بعدم اقتناع.
ليلى: “أنا عندي وسواس نضافة، ومقدرش أقعد على حاجة حاسة إنها متربة.”
ثم التقطت بخاخة الكحول من فوق الطاولة.
وقعت عين يوسف على البخاخة فتغيرت ملامحه فورًا.
يوسف: “ليلى… إنتِ هتعملي إيه؟”
ليلى: “هرش كحول. الكحول بيعقم.”
اتسعت عيناه بذعر حقيقي.
يوسف: “لااا! إوعي! الجلد الطبيعي لو جه عليه كحول هيتبهدل! هتبوظي الكنبة!”
ليلى: “هو أنا هولع فيها؟ دي مجرد رشة.”
يوسف: “الرشة دي كفاية تدمر الجلد! في منظف مخصوص ليها.”
رفعت حاجبًا باستغراب.
ليلى: “منظف مخصوص لكنبة؟”
يوسف: “أيوة، وفي الدولاب. استني أجيبه.”
نظرت إلى الكنبة، ثم إلى البخاخة، ثم عادت تنظر إليه.
ليلى: “بص… يا أرشها دلوقتي يا مش قاعدة عليها.”
يوسف: “استني دقيقة واحدة بس!”
لكنها لم تنتظر.
ضغطت على البخاخة، فانطلقت رشة كبيرة استقرت على نصف المقعد تقريبًا.
تجمد يوسف في مكانه لثانية كاملة.
ثم شهق وكأنه شاهد كارثة.
يوسف: “يا مصيبتي!”
نزل من فوق السلم بسرعة وأسرع نحو الكنبة.
انحنى فوقها يتفحص البقعة المبللة وكأنها مريض في غرفة العمليات.
يوسف: “إنتِ رشيتي كحول على جلد إيطالي؟! إنتِ مجنونة؟!”
وقفت أمامه واضعة يديها على خصرها.
ليلى: “أيوة رشيت. أهو بيلمع وبقى نضيف.”
رفع يوسف يده إلى رأسه في انهيار.
يوسف: “الجلد ده ممكن يتشقق ويبوظ! بوظتي الكنبة يا ليلى!”
لوحت بيدها بلا مبالاة.
ليلى: “يووه! ما تكبرش الموضوع. لو باظت هجيب غيرها.”
ضحك يوسف ضحكة قصيرة غير مصدقة.
يوسف: “هتجيبي غيرها منين؟ دي مش علبة بنادول!”
ليلى: “في الآخر دي كنبة يا يوسف.”
أشار إليها بعصبية ثم إلى الكنبة.
يوسف: “بالنسبة لك كنبة. بالنسبة لي حاجة دفعت فيها دم قلبي!”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت ليلى بصوت أبرد من السابق:
ليلى: “تمام… فهمت.”
رفع يوسف حاجبيه.
ليلى: “الكنبة أغلى مني.”
اتسعت عيناه وهو يدرك كيف فهمت كلامه، لكنه لم يجد ردًا سريعًا.
استدارت هي على الفور واتجهت نحو غرفتها.
يوسف: “ليلى… استني، أنا مقصدتش—”
لكن الباب أُغلق بقوة قبل أن يكمل جملته.
وقف يوسف في منتصف الصالة ينظر إلى الباب المغلق، ثم إلى الكنبة المبللة أمامه.
زفر بضيق، وهز رأسه وهو يتمتم:
“عنيدة… ومتهورة… ومابتسمعش الكلام.”
ثم مرر يده بحذر فوق الجلد محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما ظل صدى الباب المغلق يتردد في أرجاء الشقة.
جلس يوسف في الصالة أمام حاسوبه المحمول، محاولًا الانشغال بالعمل، لكنه لم يكن قادرًا على التركيز. كانت عيناه تنحرفان كل بضع دقائق نحو الكنبة الجلدية.
جفت بقعة الكحول منذ ساعات، لكنها ما زالت واضحة في نظره، وكأنها إعلان دائم عن الكارثة التي يتوقعها. كان مقتنعًا أن الجلد سيبدأ بالتشقق في أي لحظة.
خرجت ليلى من المطبخ تحمل طبقين.
في أحدهما سندوتشات جبنة رومي بالخيار، وفي الآخر سندوتشات حلاوة بالقشطة.
تقدمت نحوه ووضعت طبق الجبنة أمامه على الطاولة.
رفع يوسف عينيه عن الشاشة ونظر إلى الطبق، ثم إليها.
يوسف: “إيه ده؟”
ليلى: “عشا. جبنة رومي.”
عقد حاجبيه.
يوسف: “أيوه… ليه؟”
جلست على الكنبة المقابلة له، وسحبت إحدى السندوتشات من طبقها قبل أن تجيب.
ليلى: “عشان إنت شكلك مأكلتش من الصبح. ووشك أصفر تاني. ومش عايزاك تموت وتسيبلي الكنبة المقشرة دي لوحدي.”
اختفت الجدية من ملامحه للحظة، وخطف سندوتشًا من الطبق.
يوسف: “شكرًا. بس على فكرة… أنا مش زعلان منك.”
هزت رأسها وهي تمضغ لقمتها.
ليلى: “لا زعلان. باين على وشك.”
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم نظر إلى السندوتش بين يديه.
يوسف: “طب… وإنتِ؟ زعلانة؟”
انخفضت ابتسامتها قليلًا.
ليلى: “أيوه. عشان قلتلي الكنبة أغلى من بني آدمين.”
ساد الصمت بينهما.
وضع يوسف السندوتش ببطء على الطبق، ثم شبك أصابعه ببعضها.
يوسف: “أنا… أنا ماقصدش كده يا ليلى. الكنبة دي جبتها بفلوس أول شغلانة كبيرة عملتها لوحدي بعد ما أبويا مات. كانت حلم بالنسبة لي. فلما رشيتي عليها حسيت إنك بترشي على تعبي.”
توقفت ليلى عن الأكل تمامًا.
رفعت عينيها إليه في دهشة.
كانت تلك أول مرة تسمعه يتحدث عن شيء شخصي بهذا الصدق.
ليلى: “يوسف… أنا ماكنتش أعرف.”
تنهدت وأخفضت السندوتش من يدها.
ليلى: “آسفة. والله ما كنت أقصد أضايقك. أنا بس… عندي وسواس نضافة فعلًا. بحس التراب بيخنقني.”
رفع رأسه ونظر إليها بهدوء.
يوسف: “عارف.”
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
يوسف: “وأنا آسف إني قلت الكنبة أغلى. إنتِ… إنتِ مش أرخص من الكنبة.”
انفجرت ضاحكة.
ليلى: “شكرًا على المجاملة اللي تشل دي.”
أشار إلى طبق الحلاوة.
يوسف: “العفو. كلي حلاوة.”
جلسا يأكلان في هدوء لبعض الوقت.
ثم قالت ليلى وهي تنظر إلى الكنبة:
ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.”
رفع يوسف إصبعه محذرًا.
يوسف: “لسه. هيقشر بكرة الصبح.”
دحرجت عينيها بسخرية.
ليلى: “طب لو قشر… هجيبلك واحدة جديدة. بوعدك.”
هز رأسه فورًا.
يوسف: “مش عايز جديدة. عايز دي.”
بعد فترة…
كانت ليلى تقف في المطبخ أمام قدر كبير من الماء المغلي، تجهز المكرونة.
في تلك اللحظة دخل يوسف من باب الشقة يحمل كيس مشتريات، وبدت آثار التعب واضحة على وجهه وملابسه.
يوسف: “يا ليلى! جبتي المنظف بتاع الجلد؟”
ردت من المطبخ دون أن تلتفت.
ليلى: “أيوه! حطيته على الترابيزة في الصالة.”
اتجه يوسف إلى الصالة.
فوق الطاولة كانت هناك زجاجتان متشابهتان بشكل لافت.
إحداهما بلاستيكية شفافة تحتوي سائلًا أصفر ومكتوب عليها: “منظف جلد”.
والأخرى زجاجية تحتوي سائلًا أصفر أيضًا ومكتوب عليها: “فيتامين د – شرب”.
وقف يتأملهما لثوانٍ.
يوسف: “ليلى! أنهي واحدة المنظف؟”
جاءه صوتها من المطبخ:
ليلى: “الشفافة! البلاستيك! التانية دوا!”
أخذ الزجاجة البلاستيكية فورًا.
اقترب من الكنبة، ووضع بعض السائل على قطعة قماش نظيفة، ثم بدأ يمسح البقعة بحركات حذرة.
يوسف: “يا رب… يا رب مايقشرش…”
بعد دقائق خرجت ليلى من المطبخ وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة.
ليلى: “ها؟ عملت إيه؟”
يوسف: “مش عارف. مستني أشوف النتيجة. بس ريحة المنظف غريبة شوية.”
اقتربت منه.
ليلى: “غريبة إزاي؟”
يوسف: “ريحة برتقان.”
تجمدت للحظة.
ثم أخذت القماشة من يده وشمتها.
تغير لون وجهها فجأة.
ليلى: “يوسف…”
يوسف: “نعم؟”
ليلى: “دي مش ريحة منظف.”
يوسف: “أومال ريحة إيه؟”
انتزعت الزجاجة من يده بسرعة، وقرأت الملصق مرة أخرى.
ثم فتحت عينيها على اتساعهما.
ليلى: “يا خراب بيتك!”
قفز واقفًا.
يوسف: “إيه؟!”
لوحت بالزجاجة أمام وجهه.
ليلى: “ده فيتامين د بتاعي!”
اتسمر مكانه.
يوسف: “نعم؟! يعني أنا دهنت الكنبة بفيتامين د؟!”
وضعت يدها على جبهتها.
ليلى: “أيوه! والكنبة دلوقتي صحتها أحسن مني ومنك.”
يوسف: “طب والمنظف فين؟!”
جرت نحو الطاولة وأمسكت الزجاجة الأخرى.
ليلى: “أهو! ده المنظف! أنا اتلخبطت!”
فتح يوسف فمه بصدمة.
يوسف: “إنتِ إزاي تتلخبطي؟! إنتِ دكتورة!”
استدارت إليه فورًا.
ليلى: “وإنت إزاي ماتفرقش بين دوا ومنظف؟! إنت مهندس!”
يوسف: “أنا مالي؟! إنتِ اللي كاتبة على الاتنين!”
ليلى: “ما إنت لو كنت سألتني كويس!”
يوسف: “أنا سألتك فعلًا!”
التفت الاثنان نحو الكنبة.
كانت المنطقة التي مسحها يوسف أكثر لمعانًا من بقية الجلد.
اقتربا في الوقت نفسه.
يوسف: “بصي…”
ليلى: “بتلمع.”
يوسف: “أوي.”
وضعت يدها على فمها تحاول منع ضحكتها.
ليلى: “الكنبة خدت جرعة فيتامين د. هتطلع لها عضلات دلوقتي.”
انفجر يوسف ضاحكًا.
يوسف: “تفتكري الجلد هيبوظ؟”
تفحصت ليلى المكان جيدًا.
ليلى: “بالعكس… شكله أحسن.”
اتسعت عيناه.
يوسف: “يعني أنا… صلحتها؟”
هزت رأسها بجدية مصطنعة.
ليلى: “أيوه يا يوسف. عالجت الكنبة بالغلط.”
جلس على الأرض أمام الكنبة فجأة، وبدأ يضحك بصوت مرتفع.
يوسف: “أنا دهنت كنبة بستين ألف جنيه بفيتامين د! أنا مجنون رسمي!”
جلست بجواره على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الكنبة.
ليلى: “وأنا الدكتورة اللي لخبطت بين الدوا والمنظف. هيسحبوا مني الترخيص.”
استمر ضحكهما عدة دقائق.
ثم مسح يوسف دموعه وقال:
يوسف: “والله شكلها بقى أحلى.”
ابتسمت ليلى بانتصار.
ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.”
ربت يوسف على الكنبة بحنان.
يوسف: “عارف.”
ليلى: “يبقى كده واحد صفر لصالحي.”
أشار إليها بإصبعه.
يوسف: “في أحلامك.”
نهضت من مكانها ومدت له يدها.
ليلى: “يلا يا باشمهندس. المكرونة هتبرد.”
نظر إلى يدها لحظة، ثم أمسكها ونهض.
يوسف: “حاضر يا دكتورة.”
وغادرا الصالة معًا، بينما بقيت الكنبة في مكانها تلمع بهدوء، وكأنها المنتصر الحقيقي في تلك المعركة كلها.




