ماما بتعيط

“أُمك؟!” صوتي خرج بالعافية، مخنوق. “أنتِ مش قلتي لي إن أمك وأبوكي ماتوا في حادثة وأنتِ صغيرة وربتك خالتك في الصعيد قبل ما تموت هي كمان؟!”

مريم غطت الست اللي كانت بترتعش زي الورقة في حضنها، وبصتلي والدموع نازلة من عينها زي المطر.. دموع غضب ووجع وقرف.

“كنت عاوزني أقولك إيه؟” مريم صرخت بصوت مكتوم عشان ما تفزعش الست. “أقولك إن أبوك المحترم.. الأستاذ محمد الشاذلي، المهندس الكبير اللي الناس كلها بتشهد بأخلاقه.. هو اللي دمر أمي؟ أقولك إن أبوك هو اللي رمى أمي في الحارة دي وحبسها وعمل فيها اللي خلاها تجيلها جلطة وزهايمر مبكر من كتر الضرب والخوف؟!”

الدنيا دارت بيا. السقف كان بيقع عليا. “أنتِ بتقولي إيه؟ أنتِ اتجننتِ؟! أبويا أنا؟ أبويا مات من عشر سنين والناس كلها بتحلف بحياته!”

مريم سابت أمها بالراحة بعد ما هزتها ونامت على السرير زي الأطفال، وقامت وقفت قدامي. مسكتني من ياقت قميصي وعيونها فيها شرار:

“أبوك الشريف.. من 42 سنة، كان شغال مع أبويا في نفس الشركة. أبويا كان المحاسب المالي، وأبوك كان المهندس المسؤول عن المناقصات. أبوك سرق الشركة.. زوّر إمضاءات، وحط الاختلاس كله فوق دماغ أبويا! أبويا دخل السجن ومات جواه بالقهرة بعد سنتين! وأمك وأبوك.. ما اكتفوش بكده! عشان يضمنوا إن أمي ما تتكلمش ولا تفتح بقها بالورق الأنيق اللي كان مع أبويا.. أبوك حبس أمي هنا! في الشقة دي! كان بييجي يهددها، يضربها، وياخد منها مصاريفها، ويمارس عليها كل أنواع الإذلال لحد ما الست فقدت عقلها!”

أنا كنت بستمع والكلام يدخل وذاني زي مية النار. مش قادر أستوعب.

“طب وأنتِ…” كملت بصعوبة، “أنتِ اتجوزتيني ليه؟ لو ده حصل.. اتجوزتيني ليه يا مريم؟! أنتِ كنتِ بتنتقمي مني؟!”

مريم قعدت على الأرض على ركبتها، وغطت وشها بإيديها وبكيت بكاء يهد الجبال.

“أنا ماكنتش اعرف يا حسام!” مريم قالت وهي بتشهق. “أنا لما اتعرفت عليك في الجامعة وحبيتك، كنت فاكرة إن قصة أبويا وأمي مجرد حادثة قديمة.. أمي كانت اختفت وأنا عندي 6 سنين وخالتي ربتني وقالتلي إن أمي ماتت! أنا عشت عمر كلو فاكرة إن أمي متوفية! لحد من سنة واحدة بس…”

رفعت مريم وشها ليا، وكان لونها أصفر زي الموتى:

“من سنة.. جالي اتصال من ست جارتنا قديمة هنا في الزاوية.. قالتلي إن الست اللي محبوسة في الشقة دي بتنادي باسمي وهي بتموت. جيت جري.. لقيت أمي! لقيتها عايشة في الزبالة، بتاكل من الأرض، ومخها رايح تماماً! ولما ابتدت تتكلم في لحظات الإفاقة النادرة.. حكتلي كل حاجة. حكتلي عن الستارة، وعن الأوراق، وعن المهندس محمد الشاذلي اللي كان بيجي يضربها عشان تترعش وما تنطقش!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *