حكايات بسمه

— لقيت لك شغل تاني.
نور استغربت.
— عملت حاجة غلط؟
— لأ.
— أمال ليه؟
— هتشتغلي في بيت تاني.
— ليه؟
ملك ابتسمت.
— لأن بُعدك عن هنا هيكون أحسن للجميع.
نور فهمت.
دي مش وظيفة.
دي إبعاد.
لمّت حاجتها.
فستانين.
المنديل القديم.
وزجاجة اللافندر.
وحطتهم في شنطة صغيرة.
كانت ماشية ناحية العربية لما سمعت صوت بيجري وراها.
— نور! استني!
لفت.
كان آسر.
واقف قدام العربية وهو بينهج.
قال:
— إنتِ رايحة فين؟
— ملك لقت لي شغل في مكان تاني.
— مين سمح لها؟
نور ضحكت بحزن:
— هي مراتك يا آسر.
قرب منها.
— وأنا مش موافق.
نور بصت له في عينه.
— متأخر.
مد إيده ومسك شنطتها.
— مش هتروحي.
شدتها منه.
— وإنت هتعمل إيه؟
سكت.
وبعدين قال جملة خلت نور تتجمد:
— هقول لمراتي الحقيقة.
نور وشها شحب.
— آسر… ماتعملش كده.
— ليه؟
—
لأن الحقيقة مش هتخلينا مع بعض.
بص لها وقال:
— يمكن.
وبعدين قرب خطوة وهمس:
— بس هتخليني أعرف مين اللي سرق منك حياتك قبل ما أتجوزك.
نور اتجمدت.
— سرق مني إيه؟
آسر بص ناحية ملك الواقفة عند باب الفيلا.
وبعدين رجع بصره لنور.
— أبوكي ماكانش حارس للأرض يا نور… أبوكي كان شريك أبويا.
نور شهقت.
لكن الصدمة الأكبر كانت في الجملة اللي بعدها:
— ووالدي كتب نص أملاك الشهاوي باسمك قبل ما يتوفي… وملك عارفة.
حكايات بسمه
الجملة نزلِت على نور زي الصاعقة، ريقها جِفّ والشنطة وقِعت من إيدها على التراب.
«أبوكي كان شريك أبويا… ووالدي كتب نص أملاك الشهاوي باسمك قبل ما يتوفي… وملك عارفة!»
نور بصت لآسر بذهول وعدم تصديق، عينيها بتترعش من الصدمة:
— أنت بتقول إيه يا آسر؟! أملاك إيه وشراكة إيه؟! أنا طول عمري فاكرة أبويا شغال حارس في الأرض وعايش على عرق جبينه!
آسر مسك إيدها بحماية ودفء، وبص ناحية ملك اللي كانت واقفة عند باب الفيلا ووشها صفِر زي الجثة بعد ما أدركت إن المستور اتكشف.
آسر قال بصوت حاد وواضح:
— أبوكي الله يرحمه هو اللي اشترى أول 50 فدان مع أبويا من 20 سنة بفلوس غربته، وكانوا كاتبين عقد شراكة مناصفة بين العيلتين. بس لما أبوكي اتوفى وأنتِ كنتِ صغيرة، أبويا احتفظ بالعقود في الخزنة السرية وكان بيكتب لك نصيبك باسمك أول بأول لحد ما يوصلك لسن الرشد… ولما أبويا مِرض وعيلِة ملك عرفوا بالوصية،
ملك وأبوها استغلوا أزمة الديون الصورية اللي عملوها ورا والدي، وضغطوا عليه قبل وفاته عشان يتجوزني لملك، مقابل إنهم يداروا على أوراق الملكية بتاعتك وما تظهرش للأبد وتتحول أراضيكي لحسابهم!
ملك جِريت عليهم من السلم وبتصرخ بارتباك وخوف:
— آسر! أنت جنيت؟! بتصدق الأوهام دي وتكشف أسرار عيلتنا عشان حتة خدامة؟!
آسر لف ليها بصرامة وهيبة عمرها ما شافتها منه، وطلع من جاكيته ملف أزرق موثق ومختوم بخاتم الشهر العقاري:
— أنا مش بصدق أوهام يا ملك! أنا فتحت الخزنة السرية لبابا أمبارح بالليل بعد ما شفت نور في الفرح ورائحة اللافندر رجعتلي عقلي! لقيت العقد الأصلي والوصية الموثقة برقم حصر رسمي، ولقيت التوكيل المزيف اللي أبوكي كان بيحاول ينسخ بيه أختام أبويا عشان يستولي على أرض نور!
ملك اتجمدت مكانها، ولونها خطف، وتراجعت لورا مش قادرة تنطق بحرف.
آدم مسك إيد نور الشاحبة، وبص لها بعيون مليانة ندم وحب صادق:
— أنا ما اتجوزتش ملك عن حب يا نور… أنا كنت فاكر إني بضحي بنفسي عشان أحمي اسم أبويا وشركته، بس لما عرفت إنهم كانوا بيسرقوا حقك أنتِ وبيستغلوكي كخدامة في بيت هو أصلًا ملكك… كل حاجة انتهت.
نور دموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع كرامة وحق بيرجع بعد سنين الحرمان والظلم.
خلال أسبوع واحد…
قوات الشرطة والأموال العامة فتحت التحقيق بناءً على العقود الأصلية والبلاغ المقدم من آسر ونور.
وتم إثبات التزوير والنصب اللي ارتكبه والد ملك “عزام بيه” للاستيلاء على أصول وأراضي عائلة نور، وتم التحفظ على ممتلكاته وإلغاء كل العقود الصورية.
أما بالنسبة للجواز الصوري بين آسر وملك… فتم فسخه وبطلانه رسمياً في المحكمة بناءً على التدليس والاستغلال، وخرجت ملك وعيلتها من الفيلا والأراضي مكسورين ومفضوحين قدام كل رجال الأعمال في المنصورية والقاهرة.
بعد مرور سنة كاملة…
في نفس الجنينة الكبيرة بالمنصورية، بين شجر الجوافة والمانجو على ضفاف الترعة القديمة.
الفيلا كانت متزينة بالورد الأبيض واللافندر الفواح، بس المرة دي ما كانش فيه صفقات ولا مظاهر كدابة. كان فيه حب حقيقي وضحكات مالية المكان.
كانت نور لابسة فستان فرح أبيض بسيط وأنيق زي الملكات، وفي إيدها المنديل القديم المطرز بتاع أمها.
وجنبها كان واقف آسر، لابس بدلتوه ومسك إيدها بقوة، وبيبص في عينيها بابتسامة مليانة رضا وسعادة.
قرب آسر منها، وطلع من جيبه ورقة رسمية صغيرة ورسمة قديمة مرسومة على التراب ومحفوظة في برواز خشبي أنيق.
ابتسم آسر وقال قدام جميع الحاضرين والحاجة زينب اللي كانت بتعيط من الفرحة:
— من 15 سنة رسمت لك بيت على التراب ووعدتك إنك هتعيشي فيه وتعمليلي كيك كل يوم… والنهاردة البيت ده بقى حقيقة، وأنتِ مش بس صاحبة نص الأملاك يا نور… أنتِ صاحبة قلبي وسيدة المكان ده للأبد.
نور ضحكت بدموع الفرحة، وضمت إيدها في إيده:
— وأنا موافقة يا آسر… من غير حيطان ولا أسرار تجمعنا تاني.
وعاش آسر ونور في عز وأمان وحب مرفوعين الرأس، بعد ما الحق ظهر وانتهت أيام الظلم والتفرقة، وعرفت نور إن الوعد الصادق ربنا بيحفظه وبيرجعه لأصحابه مهما طال الزمان!
تمت




