خطيبي حكايات مني السيد 1

الشركة. السوستة كانت مقفولة لنص صدرها، وأكمام الجاكيت متنية مرتين عشان كانت واسعة وطويلة على كتافها الضئيلة. كانت بتعمل نفسها مشغولة بورق قدامها، بس صوابعها اللي كانت بتفرك في قلم الحبر كانت بتفضح ارتباكها.
كويس إنك جيتي في ميعادك يا مريم. مازن اتكلم بصوت متحشرج، محاول يفرضه كمدير اللي عملتيه إمبارح في المحمية حركة مش بروفيشنال أبدًا، والناس كلها بدأت تتكلم و…
قاطعته من غير ما أعلي صوتي، حطيت الملف الأسود فوق الترابيزة بصوت رزع مكتوم خلا نهى تتنفض من مكانها الناس بتتكلم من شهور يا مازن، بس إنت كنت فاكر إنك مغمي عيونهم زي ما كنت فاكر إنك مغمي عيني.
قعدت على الكرسي المقابل ليهم تمامًا، مش جمبهم. حطيت رجل على رجل وفتحت شاشة اللاب توب. نهى بصتلي بعيون بريئة مصطنعة، صوتها طالع واطي ومكسور كعادتها الدايمة مريم، عشان خاطري اقعدي نسمع بعض.. إحنا عشرة برضه، والموضوع مش مستاهل كل الشوشرة دي. دا أنا حتى جيت بدري عشان أصلح بينكم قبل ما حد من البورد يدخل ويشوف المنظر ده.
بصيت على كم الجاكيت المتني، وعيني اتثبتت على اللوجو الصغير المطرز عند جيب الصدر. أصلح بينكم؟ بلبس خطيبي، وبساندوتشاتي، وبفلوسي اللي اتسحبت من البنك؟
مازن وشه احتقن بلون الدم، ضرب بكفه على الترابيزة فلوس إيه وبتاع إيه اللي بتهببي بيه ده؟! إنتِ خلاص اتجننتي رسمي؟ جاية تعمليلي دراما مراهقين في مكاتب الشركة؟!
دراما؟ ابتسمت ابتسامة باردة جدا، نوع الابتسامة اللي بيخوف أكتر من العياط والزعيق لا يا بشمهندس، الدراما خلصت إمبارح في وادي دجلة لما رميت لك الدبلة في طبق الفل عشان تشبع بيها إنت والهانم. دلوقتي وقت الحساب.. الحساب بالورقة والقلم.
فتحت شاشة اللاب توب ولفيتها ناحيته. على الشاشة، كانت معروضة صورة كشف حساب بنك مصر، الحساب المشترك اللي فتحناه من تلات سنين عشان نجمع فيه كل قرش رايح لشقتنا، لفرش الصالون، للأجهزة الكهربائية، ولمؤخر الصداق اللي كنت مساهلة فيه على الآخر عشان بحبك وببني معاك.
عشرة آلاف جنيه في سيمينار وهمي، خمسة وعشرين ألف لشركة إيكو ترافيل بتاعة الرحلات، سحب كاش من ماكينة جنب بيت نهى في مصر الجديدة، وحجز أوتيل في دهب باسم مازن ونهى في الويك إند اللي قولتلي فيه إنك بايت في الشغل عشان تراجع البنية التحتية لسيستم طريق النجوم.
نهى وشها بهت، القلم وقع من إيدها ودحرج على خشب الترابيزة لحد ما نزل على الأرض برنة رنانة. مازن بلع ريقه بصعوبة، عروق رقبته نفرت إنتِ… إنتِ بتفتشي ورايا؟ إنتِ متخيلة إن الحساب ده ملكك لوحدك؟ أنا حر أتصرف في الفلوس كشريك!
شريك؟ ضحكت ضحكة قصيرة مليانة سخرية الحساب ده إيداعاتي فيه تمثل ٧٠٪ يا مازن. مكافآت التقييم السنوي بتاعتي، جمعية أمي الله يرحمها اللي قبضتها أول واحدة وحطيتها باسمنا، وبدل السفر اللي طلعته لفرع دبي السنة اللي فاتت.. كل مليم داخل برقم كودي ومثبت بإيصالات تحويل من مرتبي أنا. إنت إيداعاتك مكانتش بتغطي حتى مصاريف بنزين عربيتك اللي واخد قسطها على حس المشروع!
مريم، والله الموضوع سوء تفاهم! نهى اتكلمت بسرعة ونبرة صوتها اتهزت، دمعتين جهزوا في عينيها بالطلب مازن كان بيساعدني.. شركتي الخاصة كانت بتمر بضائقة، وهو وعدني إنه هيعتبر الفلوس دي سلفة مؤقتة لحد ما مشروعي يقف على رجله.. إحنا مكناش بنعمل حاجة غلط!
شركتك الخاصة؟ ميلت بضهري لورا وبصيتلها بتركيز يسلخ الجلد قصدك الشركة اللي متسجلة باسم والدتك صورياً، واللي هي في الباطن شركة مقاولات فرعية لتوريد خيام ومعدات التخييم للمحمية؟ نفس الشركة اللي مازن مضى ليها أمر توريد مباشر بميتين وخمسين ألف جنيه من ميزانية طريق النجوم الأسبوع اللي فات، من غير مناقصة ومن غير ما أنا أعتمد الصرف بصفتي مدير المشروعات المشترك؟
صدمة الاتنين كانت كفيلة تلجم لسانهم. مازن وقف فجأة، الكرسي رجع لورا بصرير عالي إنتِ سرقتي ملفات الشغل؟! دا اختراق لسياسة الخصوصية، أنا ممكن أطردك قانونياً وأسجنك!
اطردني؟ رفعت حاجبي بهدوء وقفت في مواجهته، كانت المسافة بينا متر واحد بس، بس كانت المسافة دي بتفصل بين سنين من السذاجة والعمى، وبين واحدة لسه فايقة من كابوس إنت فاكر إني مستنية لحد تسعة الصبح بس عشان أواجهك إنت وهي؟ فاكر إني هضيع وقتي في خناقة نسوان على ساندوتش كفتة وجاكيت زارا مستعمل؟
قبل ما مازن يرد، صوت مقبض الباب اتحرك. الباب اتفتح على وسعه، ودخل اتنين مكنوش على بالهم إطلاقاً.
أول واحد دخل كان أستاذ فريد الدسوقي، رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي، راجل في أواخر الخمسينات، ملامحه صارمة ونظارته الطبية محطوطة على طرف مناخيره. ووراه مباشرة، دخل اتنين من إدارة الرقابة الداخلية والمراجعة المالية، ومعاهم المستشار القانوني للشركة، شايلين كراتين بيضا مخصصة لأرشفة ملفات التحقيق.
نهى شهقت وحطت إيدها على بؤها. مازن وشه اتجرد من أي نقطة دم، بقى شاحب زي الكفن.
صباح الخير يا سادة. أستاذ فريد اتكلم بصوت هادي، تقيل، يرعب أكتر من أي صراخ. دخل وقعد على رأس الترابيزة، والمستشار القانوني وقف وراه، بينما المراجعين بدأوا فوراً يفتحوا لاباتهم ويطلعوا دوسيهات مطبوعة.
أستاذ فريد.. مازن حاول يرتب كلامه، لسانه تقل وصوته بقى بيقطع فيه.. فيه سوء تفاهم كبير.. مريم دخلت مشاكلنا العائلية والشخصية في





