جوزي

«إيه اللي حصل؟ وفين حسام؟».
في اللحظة دي، الدموع اللي حبستها طول اليوم نزلت، بس ما كانتش دموع قهرة ولا ضعف، دي كانت دموع غسيل.. كأن روحي بتتطهر من سنين الذل والسكوت اللي عشتهم.
إخواتي ما قعدوش، شمروا دراعاتهم وبدأوا يلموا معايا الكوبايات المتكسرة وينضفوا الصالة، وبابا نزل قعد تحت على القهوة اللي قصاد العمارة، عشان يضمن إن لا حسام ولا حد من أهله يهوب ناحية البيت.
تاني يوم على العصر، التليفونات ما بطلتش رن. أبوه كلم بابا بصوت مكسور، وبيتأسف وبيقسم إنه ما يعرفش حاجة عن المهزلة دي. وعمه، أبو ميادة، كان من الغيظ ، وجه بنفسه هو وأبوه لحد بيت أهلي عشان يعتذروا لبابا، ويبرروا إن بنتهم كانت وما كانتش تعرف إنه بيجيبها لشقة مراته ويعمل بيها اللي عمله.
بابا قعد قصادهم حاطط رجل على رجل، وما قبلش أي تبرير ولا كلمة طبطبة، وقال لهم جملة واحدة قطعت عِرق وسيّحت دم:
«ابنكم ملوش قعاد عندنا، وكرامة بنتي مش لعبة.. ورقة الطلاق تتكتب الليلة، وكل قرش وكل مليم في القايمة والمؤخر يتدفع كاش قبل ما المأذون يحط قلمه، وإلا قسمًا عظيمًا لا المحاكم تقفل بيوتكم كلها».
حسام جه مع المأذون بالليل زي الكلب المضروب، وشه في الأرض، ومش قادر يرفع عينه في عين أي راجل في القعدة. مضى على ورقة الطلاق وإيده بتترعش، ودفع كل قرش كان عليه، وهو ساكت ومذلول قدام أبوه وعمه وإخواتي.
أول ما المأذون نطق كلمة: «أنتِ طالق»، حسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.. بصيت له وهو بيلم نفسه ويخرج مطرود من قعدة الرجالة، وقلت في سري:
«اللي ترخّص نفسها عشان المركب تمشي، بتغرق بيها.. والكرامة لما بتترد، بترجع تكسر عين اللي داس عليها».
قفلت الباب وراهم، ورجعت شقتي النضيفة المعمورة، وأنا عارفة إن حياتي الحقيقية لسه بتبدأ النهارده.
عدت الأيام اللي بعدها وأنا حاسة إني في كابوس صحيت منه على جنة. الشقة اللي كانت خانقاني بقت مملكتي الحقيقية. نضفتها من أثرهم ومن ريحتهم، وبقيت أفتح الشبابيك وأدخل الشمس والهوا اللي كانوا ممنوعين عني.
حسام حاول يبعت ناس واسطة، ويكلم بابا تمن آلاف مرة، ويبعت رسايل استعطاف إنه ندمان، وإن الشيطان شاطر، وإن «بيتي اتخرب وخسرت كل حاجة».
بس بابا كان رده واحد زي السيف:
«اللي بيبيع مرة، بيبيع ألف، وبنتي مش بضاعة تترَدّ وتتستبدل».
أهله، حماتي وأخته، حاولوا يجوا البيت عشان يلمّوا الموضوع بالذوق، خايفين من كلام الناس والفضيحة اللي لَحقتهم وسط قرايبهم وأصحاب أخته بعد ما الحكاية اتعرفت.





