جوزي رفع إيده عشان يضربني بعد 5 أيام بالظبط من فرحنا.. وأمه كانت واقفة على بعد خطوات وقالت ب كل قسوة لو ضربكِ بالقلم، وطي راسكِ واتعلمي الأدب!.. في اللحظة دي اتأكدت إني م اتجوزتش راجل واحد، أنا اتجوزت عيلة كاملة فاكرة إن إهانتي وضربي حق مكتسب ليهم! أنا اسمي مريم. اتربيت في منطقة شعبية في القاهرة، مع أب كان شايف إن بنته لازم تتعلم إزاي تدافع عن نفسها وتحمي روحها قبل ما تتعلم تسوق عربية أو تطلع بطاقة. أبويا زمان كان بيلعب بوكس. مش بطل محترف، بس كان شاطر لدرجة إن شباب المنطقة كانوا بيجوا حوش البيت عندنا عشان يتمرنوا معاه. على سن 12 سنة، كنت عارفة إزاي أفك نفسي من أي مسكة إيد. وعلى سن 16 سنة، كنت بعرف إزاي أوقع راجل ضعف حجمي ووزني. بس أبويا م علمنيش القتال عشان أكون قاسية ولا عشان أتباهى ب قوتي. كان بيعلمني لأنه كان خايف ييجي يوم وأحتاج فيه الحركة دي. إياكي تستخدمي قوتكِ عشان تثبتي حاجة ل حد، كان دايماً يقولها لي؛ استخدميها بس عشان ترجعي بيتكِ سالمة. أمي كانت بتموت وبتكره التمارين دي. كانت شايفه إن البنات لازم يبعدوا عن المشاكل والمواجهات. خصوصاً الست المتجوزة. صبيحة يوم فرحي، والناس كلها مشغولة بتصور، أمي أخدتني على جنب وأصلحت طرحة الفستان ب إيدين بترتعش عيلة هاني ناس دقة قديمة يا مريم، همست لي ب قلق؛ م تتصادميش معاهم في كل حاجة، وعدي الأيام. وبعدين قالت جملة كان المفروض أقف عندها وأفهمها وقتها وما فيش داعي تقوليلهم على التمارين والشغل اللي أبوكي علمهولكِ. ضحكت وقتها. افتكرت إنها قصادها إنهم هيشوفوا الموضوع غريب. م كنش يخطر على بالي إنها كانت بتحذرني وتنقذني. هاني عمره م أظهر أي عنف معايا أيام الخطوبة. كان هادي، مؤدب، وبيرد ب كل احترام قدام أهلي. كان ماسك مدير مخزن خضار وفاكهة برة المنطقة، بيساعد الستات الكبار يشيلوا الشنط، بيفتكر أعياد الميلاد، وبايع الدنيا عشان يرضيني. أبويا كان بيحبه. والحاجة دي كانت تهمني جداً. بس بعد الفرح، هاني أصر إننا نقعد فترة مؤقتة في بيت أهله لحد ما نجمع قرشين ونظبط أمورنا. وهنا كل حاجة اتغيرت وغارت في داهية. أول يوم الصبح، أمه، الست نجوى، خبطت على باب أوضتنا الساعة 545 الصبح. مش خبطة هادية. رزع! مريم.. الفطور. بصيت في الساعة ب ذهول. هاني اتقلب على السرير أمي بتحب الفطور بدري. أنا افتكرت إن الفطور جاهز ومستنينا. أثاريها كانت تقصد إن أنا اللي أقوم أعمله! شاي. بيض. فطير بلدي ومجمد. أبوه، عم محمود، كان لازم طبقه ينزل الأول. وبعدين هاني. وبعدين الست نجوى. وأنا آكل البواقي اللي تفيض! في الأول، قلت لنفسي معلش دي عادات بيت وتراث. طبع عيلة. حاجة مؤقتة وهتعدي. بعد كده التلقيح والكلام بدأ زودتي الزيت في الأكل. ابني بيحب قمصانه تتقص وتتلم بطريقة ثانية. الست الشاطرة م تنامش أكتر من جوزها. لو عندكِ وقت تقعدي، يبقى عندكِ وقت تنضفي البيت. هاني كان بيسمع ده كله. عمره م قالها بس يا أمي ولا دافع عني. بالعكس، بدأ يكرر كلامها بالملي اسمعي كلامها وخلاص. كده أسهل. هو أنتِ لازم تصعبي كل حاجة وتعملي مشاكل؟ أنا م كنتش بصعب حاجة. أنا كنت بحاول أفهم أمتى مبقتش مراته وبقيت خدامة ببلاش في البيت؟ بعد 5 أيام من الفرح، عم محمود عمل أول حركة. كنا بناكل الفطور، وحط أظرف صغيرة على التربيزة. نقطة الفرح، قالها ب جفاف. رفعت راسي مالها؟ الفلوس اللي الناس جابوها لكم في الفرح. استنيت يكمل. م ابتسمش. هاتيها. أنا بجد افتكرته بيهزر. بس هاني حط شوكته على الطبق أبويا هو اللي بيمشي فلوس البيت والعيلة. بس الفلوس دي جيا لنا إحنا هدايا! عم محمود رجع لورا ب تناكة بالظبط.. للعيلة. حسيت ب نار في بطني. وبعدين سألني ب كل بجاحة عندي كام في البنك. بصيت له ب ذهول دي حاجة خاصة بيا. ملامحه اتغيرت في ثانية وبقت زي الثلج. الست نجوى سابت كوباية الشاي. وفك هاني اتشنج. عم محمود قرب مني ب قسوة أنتِ بقيتي مرات ابني دلوقتي، وفلوسكِ جزء من البيت ده. لأ. دي كانت أول مرة أقول الكلمة دي في بيتهم. الأوضة بقت هادية زي المدافن. عم محمود بص ل هاني. مش ليا. ل هاني. كأني كسفت رجولته قدام أبوه. هاني استنى لحد بالليل عشان يردلي الصاع صاعين. خرج يسكر مع أصحابه ورجع على نص الليل ريحته طافحة سجاير وشرب. كنت قاعد على طرف السرير بقرأ كتاب لما دخل. أنتِ كسفتيني وطينتي وشي النهاردة قدام أبويا! قفلت الكتاب ب ثبات أنا قلت لأ على إني أدي أبوك تحويشة عمري. أنتِ هينتيه وكسرتِ كلمته! لأ، أنا اختلف معاه في الرأي مش أكتر. عينيه ضيقت ب غل مرعب. في كل الشهور اللي عرفته فيها، عمره م بص لي النظرة دي. لازم تفهمي حاجة كويس، قالها وهو بيقرب؛ أنتِ عايشة في بيت عيلتي دلوقتي. عارفة. يبقى تحترمي الكبير والبيت اللي ضمكِ! أنا محترمة نفسي ومحترماكم. طلع منه ضحكة باردة تخوف لأ.. أنتِ عايشة فيها وفاكرة نفسكِ أحسن من الكل. وقفت على حيلي أنا مش هدي التحكم في حساباتي ل حد! وشه اتغير تماماً. مش ب زعيق. وده كان الجزء المرعب في الموضوع. ثبت مكانه ب كل هدوء. وبعدين مسك كوباية المية اللي على الكومودينو ورمى بيها على الأرض. الدشاديش والإزاز اتدشدشوا. هاني! قرب مني خطوة م تنطقيش اسمي ب الطريقة دي. ادخل نام وفتح عيونك الصبح لما تفوق. الجملة دي جننته وطيرت برج من دماغه. أنتِ م تقوليلش أعمل إيه وما أعملش إيه! قرب أكتر. ريحة الخمرة كانت خنقاني. وبعدين قال الجملة اللي لسة بتزن في ودني لما البيت يهدا أبويا كان عنده حق فيكي. م رديتش. لازم تتربي من الأول وجديد. أتربى إزاي؟ رفع إيده في الهوا ب غل. تتعلمي الطاعة! كل حاجة حولي اتجمت. كتفه اتتحرك الأول. وبعدين كوعه. وكف إيده جاي ب كل قوته على وشي. وفجأة.. م بقيتش عروسة جديدة. رجعت تاني بنت عندها 16 سنة في حوش بيت أبويا. رجليا مثبتة في الأرض. عيني مفتوحة. م تخافيش. اتتحركي! تفاديت الضرب ب خطوة لورا. إيد هاني ضربت في الهوا. ولأنه كان سكران، اندفاعه أخد لقدام. اتكعبل وخبط في التسريحة. كان المفروض الموضوع يخلص هنا. بس م خلصش. لف لي ووشه جايب ألوان من الكسوف والإهانة. والأشكال اللي زي هاني بتكون مرعبة وأكتر خطورة لما تتكسف. أنتِ فاكرة الموضوع يضحك؟ لأ. مسك معصم إيدي ب غل عشان يكتفني. دي كانت تاني غلطة يعملها في حياته. جسمي اتتحرك وتصرف قبل ما الخوف يتملك مني. فَكيت مسكته ب حركة سريعة. حاول يمسكني تاني ب الغصب. لفيت جسمي. تحكمت في دراعه. نقلت وزني ب احترافية. وقع على الأرض ب رزعة هزت الأوضة. مش لأني أقوى منه. لأنه م كنش متوازن اصلاً. حاول يقوم تاني ب غل. احذر واثبت مكانك! حذرته. حاول يضربني ب كفه التاني. ف قطعت حركته وثبته في ثواني. 4 حركات سريعة ب الضبط. ده كل اللي حصل. لما الموضوع خلص، هاني كان قاعد ساند ضهره على السرير، حاطط إيده على خده، وبابص لي ب صدمة كأنه اكتشف عفريت جوة مراته! كنت باخد نفسي ب بالعافية. بس م كنتش بسبل ولا بعيط. وفجأة باب الأوضة اتفتح ب رزع وصريخ. الست نجوى صرخت عملتِ إيه في ابني يا جحدة؟! عم محمود ظهر وراها ووشه كله غضب. ابنكِ كان هيضربني بالقلم! الست نجوى بصت لي كأني بقول كلام مجانين ده جوزكِ! عمري م هنسى النبرة اللي قالت بيها الكلمة دي. مش ك توضيح. دي كانت ب النسبة لها رخصة وتصريح ب الضرب! كان هيضربني، كررتها ب ثبات. يقوم أنتِ تمدي إيدكِ عليه وتضربيه؟! أنا دافعت عن نفسي! جرت على هاني تتطمن عليه. وعم محمود شاور عليا ب صباعه ب تهديد أنتِ هتدفعي ثمن اللي عملتيه ده غالي أوي! أخدوا هاني وطلعوا بيه على المستشفى. كان عنده تورم في خده، كدمة في دراعه، وجرح بسيط جنب حواجبيه. مفيش حاجة مكسورة. ومفيش حاجة خطيرة. على الساعة 2 الصبح، البيت رجع هادي تاني زي المقابر. لميت شنطتي. قررت إني ماشية وسايبة البيت أول ما الشمس تطلع. كنت فاكرة إن الجوازة دي انتهت وخلاص. وإن ده أبشع حاجة ممكن تحصل لي. بس أنا كنت غلطانة ب الكامل. مع أول ضوء للشمس، الست نجوى دخلت عليا الأوضة ب طولها. دخلت المطبخ وأنا بقفل سوستة الشنطة. م كنيش بتزعق. كانت هادية. هادية زيادة عن اللزوم! فاكرة نفسكِ كسبتِ؟ قالتها ب برود. الموضوع ده مفيش فيه حد كسبان يا طنط. ابتسمت ب خُبث لأ.. بس أنتِ هتتعلمي دلوقتي إيه اللي بيحصل للست اللي تهين العيلة دي وتقل من قيمتها. شلت شنطتي على كتفي. وفجأة.. الباب البراني خبط. 3 خبطات قويين ورا بعض. ابتسامة الست نجوى وسعت ب شر. لما عم محمود فتح الباب، أمي كانت واقفة برة! كانت بتعيط وبتموت من الخوف. ووراه كان فيه شخصين غراب عمري م شفتهم في حياتي. واحد فيهم كان ماسك فايل أصفر ومكتوب عليه اسمي ب العريض. أمي بصت لي ب كسرة وهمست سامحيني يا مريم يا بنتي.. هما أجروني وجبروني أقولهم لمحة نيوز كل حاجة! قلبي وقع في رجليا والدم جمد في عروقي. يقولوا إيه يا أمي؟! وقبل ما تلحق ترد، عم محمود مد إيده وأخد الفايل الأصفر ب نصرة. وفي اللحظة دي فهمت إن عيلة هاني م جابوش أمي عشان يعملوا صلح ولا يلموا الموضوع.. هما دوروا ولقوا سر قديم ومستخبي كان ممكن يدمرني ويقضي عليا ب الكامل! وكانوا ناويين يستخدموه ضدي قبل ما ألحق أخرج وأطلع برة الباب ده ب ثانية واحدة!...... يا ترى إيه السر البشع والمصيبة اللي أم مريم كانت مخبياها والفايل الأصفر شايلها، وإزاي أبو مريم بطل البوكس القديم هيدخل القصة ويقلب البيت على دماغ هاني وأبوه لما يعرف اللي عملوه في بنته، وإيه المفاجأة اللي هتدمر عيلة هاني ب الكامل؟ اللي جاي صدمة تزلزل القلوب ومفاجأة م تخطرش على بال حد! الجزء الثاني الفايل الأصفر كان بين إيد عم محمود كأنه سلاح سحري كان بيستناه من زمان. بص فيه نظرة سريعة، وبعدين رفعه في الهوا قدام عينيا أنا، كأنه بيقول لي شفتي؟ ده اللي هينهيكي. أمي كانت واقفة وراها، عيونها مليانة دموع ووجهها أصفر زي الورق، وكل شوية تترجى بصوت مكتوم سامحيني يا بنتي، ما قدرتش أقاومهم.. هددوني يفضحونا ويقولوا على الحكاية القديمة لكل الناس! قربت خطوة واحدة، رجليا بتترجف بس مش من الخوف، من الغضب اللي بيغلي في عروقي زي الزيت السخن. إيه الحكاية دي؟ وإيه اللي في الفايل ده؟ عم محمود ضحك، ضحكة خالية من كل إنسانية، صداها ردع في الأوضة الضيقة. حكاية قديمة يا مريم.. حكاية كان المفروض تدفن مع الزمن، بس أنتِ اللي أجبرتينا نخرجها للنور. تعرفي ليه أبوكِ ساب البوكس واعتزل كل الناس فجأة وهو في عز شبابه؟ تعرفي ليه كان كل ما يتذكر الفترة دي يبقى حزين ومكتوم لساعات طويلة؟ قلبي اتقبض. أبويا كان فعلاً كده، كان فيه فترة في حياته ما بيتكلمش عنها أبداً، وكل ما أسأله يغير الموضوع بسرعة ويقول لي ده حاجة خلصت يا بنتي، وخلينا في اللي جاي. ما كنتش أعرف إن وراها سر خطير للدرجة دي. الست نجوى قربت مني، ووشها كان مشرق بالنصر اللي مش مستاهله أبوكِ يا حبيبتي.. كان متورط في حادثة قتل من سنين. كان بيلعب مباراة بوكس خارج النادي، وضرب راجل ضربة قوية أوي أدت لموته على طول. سجن عشر سنين، وطلع بشرط ألا يشتغل بالبوكس تاني ولا يروح أي مكان له علاقة باللعبة. والناس كلها كانت فاكرة إنه بطل واعتزل من عنده، ولا حد يعرف الحقيقة غيرنا.. وأمك طبعاً! الكلمات دي وقعت عليا زي صاعقة. أبويا.. بطل البوكس اللي كنت بفتخر بيه، اللي علميني الشرف والقوة والدفاع عن النفس.. كان مسجون بتهمة قتل؟! بصيت لأمي اللي كانت بتبكي بحرقة صدق الكلام ده يا أمي؟ صدق؟ أمي هزت راسها ببطء، دموعها بتسيل على خدودها زي المطر كان مضطر يا مريم.. كان الدفاع عن النفس، كان الراجل ده جاله بسلاح وهدده هو وأنا وأنتِِِ كنتِ لسه صغيرة.. بس المحكمة شافت الموضوع غير كده، وقضت عليه بالسجن عشر سنين.. هو طلب مني ما أقول لحد، خصوصاً أنتِ، عشان ما تتأثري وتخافي منه.. واتفقنا نعيش الحكاية دي كأنها ما كانتش.. ولحد ما عيلة هاني عرفوا بالصدفة من حد قديم كان معاه في السجن، وهددوني يفضحوا كل حاجة ويقولوا للناس إن أبوكِ قاتل، وإنك بنت قاتل، فما قدرتش أقاومهم يا بنتي.. سامحيني! الدنيا كلها سودت في عينيا. مش عشان الحكاية نفسها، لا.. عشان أبويا كان مظلوم، وعشان هؤلاء الناس اللي وقفت قدامي دلوقتي بيستخدموا أسرارنا القديمة سلاح ضدي، بيحاولوا يكسروا كبريائي ويثبتوا إني بنت قاتل فما ليش حق أتكلم ولا أرفع راسي. عم محمود رجع بصره للفايل، وبدأ يقرأ بصوت عالٍ كأنه بيذلني أكتر الحكم صادر من محكمة الجنايات بالقاهرة، المتهم كمال عبدالله، بتهمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد.. الحكم سجن مدة عشر سنوات مع الشغل والنفاذ، وحرمانه من ممارسة أي نشاط رياضي لمدة عشرين سنة بعد انتهاء العقوبة.. كمل وهو بيبص لي بكل احتقار تعرفي يعني إيه الكلام ده يا مريم؟ يعني أنتِ متجوزة في عيلة محترمة، وأصلكِ مش نظيف. أبوكِ قاتل، وأنتِ جاية من دم خطير. فبدل ما تفتخري بنفسكِ وتدافعي عن كرامتكِ وتقولي لأ للي بيطلبوه منك، المفروض تكوني شاكرة لينا إننا قبلناكي في بيتنا وسط الناس كلها! وده اللي هيعرفه كل الجيران والأقارب واللي يعرفكِ لو ما رجعتِ عن كلامكِ واتعلمتي الأدب والطاعة! هاني كان واقف ورا أبوه، لسه وجهه متورم من الضربات اللي ضربتهاله، وعينيه بتلمع بابتسامة شريرة. كان واثق إني دلوقتي هنهزم، هبكي، أتوسل، وأقبل بأي حاجة يقولولها. بس هو ما عرفش مين رباني. أخذت نفس عميق، وثبّتت نظري في عينيه، عينيه اللي كانت بتحاول تكسري. أبويا كان مظلوم.. وكل اللي عمله كان دفاع عن نفسه وعن أهله. واللي حصل ده ما يقللش من قيمته ولا من شرفه. وأنا مش هخاف من تهديداتكم، ولا هقبل إن أحد يتحكم في حياتي أو يهين كرامتي، سواء كنتم عارفين أسراري ولا لأ! الست نجوى صرخت بغضب بنت الكلب! لسه بتتكلمي كده؟! دلوقتي هنروح نكلم كل الناس، ونقول لهم الحقيقة كلها، ونشوف هيفضل حد ييكلمك ولا يصونك! في اللحظة دي، سمعنا صوت دق على الباب.. دقات قوية، منتظمة، كل دقة منها كانت بتخلخل جدران البيت كله. صوت دق مش زي أي دق، صوت قوي واثق، صوت حد جاي يأخذ حقه. عم محمود اتوتر وقال بحدة مين اللي جاي في الوقت ده؟! فتح الباب بسرعة، ولما شاف اللي واقف برة، اتجمد مكانه كأنه شاف شبح. أنا كمان بصيت، وقلبي رن في صدري بقوة.. ده أبويا! أبويا كمال! واقف بكل طوله وقوته، بملابسه البسيطة، وشعره الأبيض اللي بيدل على سنين التعب، وعينيه اللي ما شفتش منها غير الحنان طول عمري، بس دلوقتي كانت مليانة نار وغضب ما شفتهوش عليه من قبل. وراه كان اثنين من رجال الشرطة، وثلاثة رجال تانيين كانوا معاه في الحوش زمان، نفس اللي كانوا بيتدربوا معاه على البوكس، وكلهم كانوا واقفين بجدية وغضب. أبويا دخل بخطوات بطيئة وثابتة، عينيه ما شافتش غيري أنا، وبعدين بص حوليه بكل برود، لحد ما وقع نظره على الفايل الأصفر اللي كان في إيد عم محمود. أنا جيت آخذ بنتي، قال بصوت عميق ردع في كل زاوية البيت، وأنا عايز أعرف مين اللي سمح له يفتح ملفاتي القديمة ويستخدمها سلاح ضد بنتي! الجزء الثالث البيت كله سكت، ما حدش قدر يتنفس ولا يتكلم. أبويا واقف في نص الأوضة، وقوته بتملا المكان، وعينيه بتتحرك بين عم محمود والست نجوى وهاني، وكل نظرة منها كانت بتخليهم يتراجعوا خطوة لوحدهم. عم محمود حاول يجمع شجاعته ويتكلم أنتَ.. أنتَ إزاي جيت هنا؟ ومالك دعوة بالموضوع ده، بنتك غلطت وهي اللي.. أبويا قطع كلامه بصرامة، رفع إيده ببطء وشار على الفايل اللي لسه في إيده أول حاجة.. الملف ده ملكي، وما حدش ليه الحق يقراه ولا يملكه غيري. تاني حاجة.. أنا جيت أسألكم إيه اللي حصل لبنتي هنا؟ ليه هي لسه واقفة بالشنطة عايزة تخرج؟ وليه سمعت كلام من برة بيقول إنكم هددتوها بفضيحة قديمة عشان تذلّوها وتخضع ليكم؟! الست نجوى حاولت تتكلم بسرعة عشان تغير مجرى الحديث هي اللي بدأت! هي اللي رفعت إيدها على جوزها من أول أيام فرحهم! بنتك مش متربية يا كمال، وعلمناها العكس تماماً! أبويا بص لي، وبص لوجهي اللي كان مليان تعب، وبص ليد هاني اللي كان ماسك خده بوجع، وبعدين رجع بصره للست نجوى بكل هدوء بنتي ما ترفع إيدها على حد إلا لو اتعرض ليها بالضرورة. أنا اللي علمتها كده. فإذا هي ضربت حد، يبقى الحق عليها، وإن كان غصب عنها، يبقى اللي اتضرب هو اللي بدأ بالغلط. فقولي لي بالظبط.. مين اللي بدأ؟ الصمت ساد المكان تاني. ما حدش قدر يجاوب. أبويا كمل بصوت أعمق وأكثر خطورة قلت لكم مين اللي بدأ؟ هل هاني هو اللي رفع إيده يضربها؟ هل أنتِ يا ست نجوى اللي شجعتيه على كده؟ هل أنتَ يا عم محمود اللي طلبت فلوسها وهددتها بكل الطرق عشان تسيب نفسها ليكم؟! كل كلمة كان بيقولها كانت بتضرب فيهم زي الصاعقة. في اللحظة دي، أحد الرجال اللي كانوا مع أبويا، راجل اسمه حسام، كان صديق أبويا من أيام الشباب ويعرف كل حكايته، خطوة لقدام وقال بصوت عالٍ والله ما كنتم تستحوا على وجوهكم؟ الراجل ده قضى أحلى سنين عمره في السجن عشان ما يكشفش سر كانت عايزة تفضح مراته وبنته، وطلع مكسور ومجروح، وفضل يعيش بكل شرف وأمانة، وربى بنته أحسن تربية.. وتيجوا أنتم تستخدموا الحكاية دي عشان تذلوا بنته؟! ده قليل في حقكم تتكلموا معاهم أصلاً! عم محمود اتخض وقال هو.. هو كان قاتل! الحكم صادر من المحكمة، والملف فيه كل حاجة! أبويا ضحك، ضحكة مليانة حزن وغضب الحكم ده كان ظلم.. والكل اللي كان معايا في القضية عرف ده بعدين. الراجل اللي مات كان تاجر مخدرات، وكان جاي يهددني يخطف مريم وهي صغيرة عشان أدفع له فلوس، ولما رفضت هاجمني بسكين، ودفعت عن نفسي باللي أقدر عليه.. واللي حصل حصل. المحكمة ما أخذتش بالها للظروف دي، وحكموا عليا بالسجن. وكل اللي عملته طول السنين دي إني سكت عشان بنتي تعيش بأمان وما تتأثرش بكل القذارة دي. وإن كنتم فاكرين إن الحكاية دي هتخوفني أو تكسمني، فأنتم غلطانين.. أنا كنت مستعد أدفع أكتر من كده عشان مريم تعيش في أمان! كلام أبويا كان قوي لدرجة إن المكان كله اتأثر بيه. أمي كانت بتبكي بحرقة، وهاني كان واقف مكسوف ومحطم، وعم محمود والست نجوى بدأوا يفقدوا ثقتهم في نفسهم. في اللحظة دي، أحد رجال الشرطة اللي كان مع أبويا تكلم السيد كمال.. إحنا جينا معاك بناءً على طلبك، ولو فيه تهديد أو ابتزاز أو محاولة إذية لابنتك، فالقانون هيتكلم. والملف ده اللي معاهم، لو تم الحصول عليه بطريقة غير شرعية أو استخدم لأغراض ابتزاز، فده جريمة يعاقب عليها القانون بكل صرامة. عم محمود اتخض وبدأت ملامحه تترجف إحنا.. ما كنش نعرف إن الموضوع يوصل لكده.. الفايل ده جابه لينا واحد صدفة، وما كنش نعرف إنه بيحصل كده.. أبويا قرب منه خطوة، وعينيه في عينيه أنتِ عايز تفهم أنا جاي ليه؟ أنا مش جاي أتكلم عن الماضي.. أنا جاي أسأل عن المستقبل. بنتي عاشت هنا خمسة أيام، فيهم اتعرضت للإهانة والتحكم والتهديد بالضرب، ولما دافعت عن نفسها جيتوا عليها بكل قوتكم وهددتوها بفضيحة قديمة. فقل لي.. إيه اللي كان نيتكم لو أنا ما جيتش دلوقتي؟ كنتوا هتعملوا إيه بالظبط؟ ما حدش قدر يجاوب. أبويا كمل بكل حزم عشان كده أنا جاي آخذ بنتي، والجوازة دي انتهت من هنا. مريم مش هتعيش في بيت يذلّها ولا يهددها. وكل اللي حصل هنا، لو حد منكم حاول يكرره أو يهدد مريم بيه، أنا هرفع عليكم قضية ابتزاز وتهديد، وهخلّي كل الناس تعرف الحقيقة كلها زي ما عرفتوها أنتم.. بس الحقيقة الكاملة، مش الجزء اللي انتو عايزينه! الست نجوى حاولت تتكلم بس.. بس هاني بيحبها، وهما متجوزين، واللي حصل ده مجرد سوء تفاهم! أبويا رد عليها بكل قوة ما فيش سوء تفاهم لما الراجل يرفع إيده على مراته من أول أسبوع جواز! وما فيش سوء تفاهم لما الأهل يهددوا بنت الناس بفضيحة قديمة عشان تسيب نفسها لهم! ده اسمه استغلال وقلة أدب وعدم رجولة! ولو هاني بيحبها حقاً، كان حماها ووقف في صفها من أول يوم، بدل ما يسمح لكم تعملوا فيها كل ده! في اللحظة دي، هاني اللي كان صامت طول الوقت، فجأة تكلم بصوت مكسور أنا.. أنا آسف يا مريم.. ما كانش قصدي كل ده.. أنا كنت مضطر.. أبويا وأمي كانوا بيقولوا لي كده فظننت إنهم صح.. أبويا بص له بكل احتقار الراجل الحقيقي اللي بيقف جنب مراته مش ورا أهله. واللي ما يقدر يحمي كرامة مراته ما يستاهلش يكون جوزها. واعرف يا هاني.. إن الندم مش بيصلح اللي فات، والكرامة لما تتهان ما تتعوضش أبداً. أبويا مد إيده ومسك شنطتي من على الأرض، وبص لي بكل حنان ودفء رجع تاني لعينيه يلا يا بنتي.. روحنا البيت. بيتك اللي دايماً هتكوني فيه أميرة ومحفوظة ومكرمة. وكل اللي حصل ده مجرد محطة عابرة في حياتك، ربنا سلمك منها، وده دليل على إن الخير جاي ليكِ والشر بعيد عنكِ. مسكت إيده، إيده اللي كانت دافئة وقوية زي ما اتعودت طول عمري، وحسيت بالأمان اللي فقدته في الأيام دي كلها. بصيت لهم مرة أخيرة، لعم محمود والست نجوى وهاني، وقلت لهم بكل ثبات الله يسامحكم.. وأنا مش هدعي عليكم، بس اللي عملتموه هيرجع ليكم في يوم من الأيام، لأن الظلم ما يدومش أبداً. خرجت من البيت، ومشيت جنب أبويا، ورجليا بتخطو خطوات واثقة، وكل خطوة بتعملها كنت بحس إنني بتحرر من كل الألم والذل والخوف اللي عشته هناك. ورجعنا للبيت، بيتنا الصغير في الحي الشعبي، اللي كان مليان حنان وأمان ودفء، وكل حاجة فيه بتقول لي أنتِ في بيتك، أنتِ آمنة، أنتِ محبوبة. بس أنا كنت غلطانة.. لأن القصة ما خلصتش هنا، والجزء الأكبر والمفاجأة الحقيقية اللي هتقلب الدنيا كلها على دماغ عيلة هاني كانت لسه جاية.. وجاية بكل قوة وغضب وعدل السماء! الجزء الرابع عدت الأيام، وأنا رجعت لحياتي الطبيعية، كنت بحاول أنسى كل اللي حصل مع عيلة هاني، وكل ما أتذكرهم أدعي لهم بالهداية والصلاح. بس أبويا كان تغير.. كان صامت أكتر من المعتاد، وكل شوية يمسك الصور القديمة اللي كانت بيجمعها في ألبوم قديم، وبيبص فيها لساعات طويلة، وعينيه بتدمع بصمت. في يوم من الأيام، وأنا قاعدة جنبه في الحوش بتاع البيت، قلت له بهدوء يا أبويا.. عايزة أسألك على حاجة، وإن كنت مش عايز تتكلم عنها فلا يهمك. هو رفع راسه وبص لي بابتسامة حزينة اسألي يا بنتي.. ما بينا سر. الحكاية بتاعتك والسجن.. كنت عايزة أعرف التفاصيل كلها. عشان أفهم وأعرف إنك كنت مظلوم، وأنا فخورة بيك أوي، وكل ما يخصك يخصني. أبويا أخذ نفس عميق، وبدأ يحكي لي القصة كاملة، القصة الحقيقية اللي ما حدش يعرفها غيره وأمي كان عمري 22 سنة يا مريم، وكنت في قمة مجدي وشبابي، كل الناس كانت بتقول إنني هأصبح بطل مصر في البوكس، وربما العالم كله. وكنت وقتها متجوز أمك، وانتِ كنتِ لسه صغيرة عندك سنتين. وجالي عرض مغرور جداً من راجل غني، كان عايزني ألعب معاه مباراة خاصة في مكان بعيد عن النادي، والجوائز كانت كبيرة أوي. وافقت عشانكِ وعشان أمك، كنت عايز أجيبلكم بيت أحسن وحياة أحسن. ولما رحت للمكان، اكتشفت إن الموضوع مش مباراة عادية.. كان الراجل ده تاجر مخدرات كبير، وكان بيستخدم المباراة دي كغطاء لعمليات غسيل أموال وتهريب. ولما رفضت أكمل معاهم وقلت لهم إنني هبلغ عنهم، هاجمني واحد من رجالته بسكين، وكان عايز يقتلني عشان أسكت. دفعت عن نفسي، وضربته ضربة واحدة بس، بس كانت قوية أوي لدرجة إنه وقع وضرب راسه في حافة الطاولة ومات على طول. المحكمة ما أخذتش بالها للظروف دي، لأن الراجل ده كان له ناس كتير ومصالح كتير، وكل الشهود اللي كانوا معاه شهدوا ضدي. وحكموا عليا بعشر سنين سجن. وطول الفترة دي، كنت خايف عليكِ أنتِ وأمك، فطلبت من أمك ما تقول لحد حاجة، وقلت لها تقول للناس إنني سافرت وأني رجعت بعد ما اعتزلت البوكس من عندي. واتفقنا نعيش الحكاية دي كأنها ما كانتش، عشان تكبري وأنتِ بخير وما تتأثري بكل القذارة دي. وطلعت من السجن بعد ما قضيت العقوبة كاملة، ورجعت لكم، وكنت مستعد أبدأ حياتي من جديد. بس يوم ما عرفت إن عيلة هاني عرفوا بالحكاية دي، وإنهم بيستخدموها ضدكِ.. حسيت بألم ما يوصف، لأني كنت خايف إنكِ تكرهيني أو تندمي إنك بنتي. بس لما شفتكِ واقفة قدامهم بكل شجاعة وثبات، وقلتي لهم إنكِ فخورة بيا.. عرفت إن كل اللي دفعته كان يستاهل، وإن ربنا عوضني فيكِ بأحسن ما في الدنيا كلها. كنت بسمع كلامه ودموعي بتسيل على خدودي، ومسكت إيده وقبلتها أنا فخورة بيك أوي يا أبويا.. أنتَ أعظم راجل شفته في حياتي، وكل اللي عملته كان عشانا، وده دليل على مدى حبك لينا. واللي حصل ده مش عيب فيك، العيب في اللي ظلموك واللي استخدموا الحكاية دي عشان يأذونا. في اللحظة دي، سمعنا صوت جرس الباب، ورحت أفتح. ولما شفت اللي واقف برة، اتجمدت مكاني.. ده هاني! واقف وحيد، وشكله متغير تماماً، وجهه شاحب وعينيه غائرة، وملابسه مرتبة بس مش مهتم بيها زي زمان. دخل من غير ما يستأذن، وبص لأبويا اللي قام وقف بجدية إيه اللي جابك هنا يا هاني؟ ما اعتقدش إن فيه حاجة تجمعنا بينا وبينك بعد كل اللي حصل. هاني بص له بندم واضح أنا جيت أعتذر.. وأنا جيت أقول لكم كل الحقيقة، الحقيقة الكاملة اللي ما حدش يعرفها غيري. لأنني تعبت من الكذب، وتعبت من الظلم، وعايز أكون صادق ولو لمرة واحدة في حياتي. أبويا أشار له بالجلوس، وقعدنا كلنا، وهاني بدأ يحكي والدموع تملأ عينيه أنا كنت عارف إن أبوي وأمي بيخططوا لحاجة من زمان.. بس ما كنتش أعرف إنها بالشر دي. هم ما عرفوش على الحكاية بتاعتك بالصدفة أبداً.. هم كانوا بيتابعوا أخبارك من زمان، من يوم ما اتعرفنا ببعض. واتفقوا مع واحد كان معاك في السجن، ودفعوا له فلوس عشان يجيب لهم نسخة من ملف القضية، وكانوا مخبينها عشان يستخدموها في الوقت المناسب. وكانت خطتهم من الأول إنكِ لما تيجي تعيشي معاهم، يبدأوا يضغطوا عليكِ شوية بشوية، يأخذوا فلوسكِ، يتحكموا فيكِ، ولما ترفضي، يخرجوا لكِ الملف ده ويهددوكِ بيه عشان تخضعي لهم تماماً. وأنا كنت ضعيف الشخصية، ما قدرش أقف في صفكِ، كنت خايف منهم، وكنت شايف إنهم صح، وإن الراجل لازم يطيع أبوه وأمه مهما كان اللي بيحصل. بس لما شفتكِ واقفة قدامهم بكل شجاعة، ولما شفت أبوكِ جاي يأخذكِ بكل قوة وشرف.. عرفت إنني كنت غلطان، وإنني كنت عايش في جبني وضعف ما يليقش براجل. وكل اللي حصل بعد ما رجعتوا لبيتكم.. حاجات كتير حصلت في البيت بتاعنا، وحاجات ما كنتش أتوقعها أبداً.. سكت هاني شوية، وبعدين كمل بصوت مرتجف أبويا اتعرض لخسارة كبيرة في تجارته، كل اللي كان عنده من فلوس ورث ومال اتسرق في صفقة واحدة، واللي كانوا معاه في الشغل هربوا وتركوه وحيد. وأمي مرضت مرض شديد، دخلت المستشفى، والكل اللي كان بيحبها ويحترمها من الجيران والأقارب ابتعدوا عنها، لما عرفوا باللي عملوه فيكِ. والبيت ده كله بقي فاضي ومظلم، ما فيهش بركة ولا خير. وأنا.. أنا خسرت كل حاجة، خسرتكِ أنتِ اللي كنتِ أغلى حاجة في الدنيا عندي، وخسرت ثقة نفسي، وخسرت احترام الناس لي. وعرفت إن كل ده جزاء اللي عملته فيكِ، وإن ربنا بينتقم للمظلوم ولو بعد حين. بص لي هاني بكل ندم وأسى أنا مش جيت أطلب منكِ تسامحيني، لأن اللي عملته ما يتسامحش بسهولة.. أنا بس جيت أقول لكِ إنكِ كنتِ على حق، وإنني آسف أوي، وإنني أتمنى لكِ كل خير وسعادة في حياتكِ الجديدة. وإن شاء الله ربنا يوفقكِ ويجعل الخير كله في طريقكِ. قام هاني وقف، وبص لأبويا سامحني يا عمي.. أنا كنت ضعيف، وما استاهلش بنتك. ومشي من البيت، وتركنا في حالة صمت عميق. أنا كنت متأثرة أوي باللي سمعته، وأبويا كان بيتنهد بعمق وقال الظلم يا بنتي ما يدومش، والحق لابد يظهر في يوم من الأيام. وكل واحد بياخد جزاءه في الدنيا قبل الآخرة. وده درس لينا كلنا، إن العدل أساس كل حاجة، والظلم نهايته دائماً خاسرة. بس المفاجأة الحقيقية اللي كانت هتغير حياتنا كلها لسه جاية.. وكنتِ أنا السبب فيها، وكنتِ أنا اللي هتكشف سر كبير جداً كان مخفي عن الجميع، وسر ده هيدمر عيلة هاني تماماً ويجعلهم يندموا على كل حاجة عملوها طول حياتهم! الجزء الخامس مر شهر كامل، وأنا كنت بدأت أتعافى من كل اللي حصل، وبدأت أفكر في المستقبل بتفاؤل وأمل. قررت أشتغل في مدرسة لتعليم الفتيات الدفاع عن النفس، عشان أكون سبب في حماية غيري، وعشان أرد الجميل لأبويا اللي علمني كل ده. في يوم من الأيام، وأنا برجع من المدرسة، لقيت راجل عجوز واقف قدام بيتنا، وشكله غريب، وعينيه بتدور على حد. لما شافني، قرب مني ببطء وقال بصوت مهتز أنتِ مريم بنت كمال عبدالله؟ هزيت راسي بدهشة أيوه، أنا.. وإنت مين يا حاج؟ أنا اسمي عبدالرحمن.. وأنا كنت المحامي بتاع أبوكِ في القضية دي زمان. أنا جيت أقول لكم حاجة مهمة جداً، حاجة كان المفروض تعرفوها من زمان، بس الظروف منعتني من الكلام. دخلته البيت، وأبويا لما شافه، عينيه اتوسعت من الصدمة عبدالرحمن؟! إزاي جيت هنا؟ وكنت فين كل السنين دي؟ الحاج عبدالرحمن جلس، وبدأ يحكي وهو ماسك ورقة قديمة كانت مخبأة في محفظته أنا كنت مريض جداً يا كمال، وسافرت خارج البلاد للعلاج، وما قدرش أتواصل مع حد. بس لما رجعت وعرفت كل اللي حصل، وعرفت إن في ناس بيستخدموا القضية دي ضد بنتكِ، قلت لازم أجي وأقول الحقيقة كلها. أثناء التحقيقات في القضية دي، اكتشفت حاجة خطيرة جداً.. الراجل اللي مات، اسمه سليم، كان شريك في تجارة المخدرات مع شخص تاني كبير، وده الشخص ده كان خايف إن سليم يتكلم ويفضحه، فخطط لقتله بنفسه، واتهمكِ أنتِ بالجريمة عشان يخلص من الاتنين في خطوة واحدة. وكان عندي دليل على كده، دليل قوي أوي، بس الدليل ده اتسرق من مكتبي قبل ما أقدمه للمحكمة، واللي سرقه كان محامي الخصم نفسه، اللي كان متفق معاهم. وبعد سنين طويلة، لقيت الدليل ده عند صديق لي كان يعمل في الأرشيف، وكان مخبأ بين أوراق قديمة، واتضح إن اللي قتل سليم بالحقيقة هو شخص تاني، وأنتِ كنتِ مجرد أداة استخدموها عشان يغطوا على جريمتهم الحقيقية. والشخص ده اللي كان ورا كل حاجة.. هو أبو هاني! عم محمود! الكلمات دي وقعت علينا زي الصاعقة! أبو هاني.. هو اللي كان ورا كل حاجة؟ هو اللي خطط لقتل سليم واتهم أبويا بالجريمة؟ هو اللي خرب حياتنا كلها من سنين؟! الحاج عبدالرحمن كمل وهو بيمد لنا الورقة الاسم الحقيقي للشخص ده هو محمود سليم.. وهو أخو الراجل اللي مات! كان بينهم خلاف على المال والشراكة، فقرر يقتله ويتخلص منه، واتهمكِ أنتِ عشان ياخد كل حاجة لنفسه. وكل اللي حصل من بعد كده، من تهديد ليكِ وابتزاز لبنتكِ، كان عشان يخاف إن الحقيقة تظهر في يوم من الأيام، فحاول يخليكِ دايماً ضعيف ومخفي عن الناس. أبويا كان مصدوم، ما قدرش يتكلم، بس مسك الورقة وقراها بتركيز، وكل كلمة فيها كانت بتأكد كل كلام الحاج عبدالرحمن. المعنى كل ده اتضح دلوقتي.. ليه عم محمود كان عايز يسيطر عليا وياخد فلوسي، ليه كان بيهددني بالملف القديم، ليه كان خايف من أي حاجة تخص أبويا.. هو كان خايف الحقيقة تظهر، وكل اللي عمله كان محاولة لإخفاء جريمته الحقيقية! أنا قمت وقفت بكل غضب لازم نروح نبلغ الشرطة دلوقتي! لازم ياخد جزاءه على كل اللي عمله! الحاج عبدالرحمن هز راسه أنا جيت معايا كل الأدلة والأوراق اللازمة، والشهود اللي يقدروا يثبتوا كل كلامي. والقانون هيتكلم أخيراً بعد كل السنين دي. في نفس اليوم، رحنا جميعاً لقسم الشرطة، وقدموا البلاغ والأدلة، والتحقيقات بدأت فوراً. واتضح إن كل كلام الحاج عبدالرحمن صحيح مية في المية، وإن عم محمود هو الجاني الحقيقي، وأبويا كان مظلوم طوال السنين دي. والخبر ده انتشر بسرعة البرق في كل الحي، وكل الناس اللي كانت تعرفنا جات تهنئ أبويا وتعتذر منه، وكل اللي كانوا بيقولوا عليه كلام وحش اتغير رأيهم وعرفوا الحقيقة. والمفاجأة الأكبر كانت لما القبض على عم محمود.. اتضح إنه كان مديون لكتير من الناس بفلوس كتير، وكل ثروته اللي كان بيتفاخر بيها كانت من أموال الجريمة والتهريب، وكلها اتسحبت منه ورجعت لمن يستحقها. والست نجوى لما عرفت الحقيقة كلها، مرضت مرض خطير ودخلت المستشفى، واعترفت بكل اللي كانت تعرفه وكل اللي شاركت فيه، واتضح إنها كانت عارفة بالحقيقة من الأول بس كانت ساكتة خوفاً على نفسها. وهاني.. لما عرف الحقيقة كلها، وإن أبوه هو السبب في كل المصايب اللي حصلت لينا، وإن أبويا كان مظلوم طول الوقت، انهار تماماً وقرر يبعد عن كل حاجة، وسافر لمكان بعيد عشان يبدأ حياة جديدة ويحاول يصلح من نفسه. وبعد شهرين، صدر الحكم النهائي من المحكمة.. براءة أبويا تماماً من كل التهم، واعتراف بظلمه، وتعويض مادي كبير كتعويض عن الضرر اللي لحق به طوال السنين دي. وعم محمود حكم عليه بالسجن مدى الحياة، والست نجوى حكم عليها بالسجن خمس سنوات لاشتراكها في إخفاء الحقيقة والابتزاز. وكان يوم البراءة من أسعد أيام حياتنا.. كل الناس كانت فرحانة لينا، وأبويا وقف قدام الجميع وقال بصوت مسموع الحمد لله اللي حق الحق وأبطل الباطل.. ما كانش بيدي شيء غير الصبر والثقة بالله، وربنا ما خيب أملنا أبداً. أنا كنت واقفة جنبه، ومسكت إيده، وحسيت بالفخر والانتماء، وعرفت إن الحق مهما طال الزمن لابد يظهر، وإن الظلم مهما قوي واشتد نهايته هتكون دائماً سوداء. الجزء السادس النهاية مرت السنين، والدنيا اتغيرت كتير، والزمن أثبت إن كل اللي حصل كان خير لينا في النهاية. أبويا رجع ليمارس البوكس تاني، بس مش كلاعب، بل مدرب للشباب، وفتح مركزاً لتعليم الفتيان والفتيات الدفاع عن النفس بأسلوبه الخاص، وسماه مركز الكمال للدفاع عن النفس، واتسمى على اسمه، واتصبح من أشهر المراكز في القاهرة. أنا اشتغلت معاه في المركز، وكنت أدرس الفتيات، وكنت أقول لهم دائماً نفس الكلام اللي كان أبويا يقوله لي لا تستخدموا قوتكم عشان تؤذوا أحد، استخدموها بس عشان تحموا نفسكم وترجعوا بيتكم سالمين. وكل فترة كنت أسمع أخبار عيلة هاني.. عم محمود قضى باقي حياته في السجن، ومات وهو نادم على كل اللي عمله، والست نجوى لما خرجت من السجن كانت تعيش وحيدة في بيت صغير، وكل اللي كانوا يعرفوها ابتعدوا عنها، وعاشت باقي أيامها في ندم وندم. وهاني سافر لدولة عربية، واشتغل في عمل بسيط، وتزوج من فتاة بسيطة، وحاول يعيش حياة هادئة بعيداً عن كل المشاكل، وكل سنة بيجي يزورنا ويقول لنا إنه لسه نادم وإن الحياة علمته كتير. أنا اتجوزت بعد سنتين، من راجل شريف، كان يعمل مع أبويا في المركز، كان شاب شجاع وأمين، بيحترمني ويقدرني، واتجوزنا على سنة الله ورسوله، وعشنا حياة سعيدة هادئة مليانة حب ودفء، ورزقنا الله بولد وبنت، سميناها كمال على اسم أبويا، وسميناها آية كدليل على أن كل شيء بيد الله. وفي كل مرة بشوف أولادي، بتذكر كل اللي حصل معايا، وبتعلمهم إن القوة مش في ضرب الناس ولا في السيطرة عليهم، القوة في الصبر والعدل والثقة بالله، وإن الكرامة أغلى من أي حاجة في الدنيا، وإن مهما كان الظلم قوي، فالله أكبر وأقوى، ولابد الحق يظهر في يوم من الأيام. قصتي دي كانت بدايتها ألم وذل وخوف، بس نهايتها كانت فرح وعدل ونصر، وعرفت إن ربنا ما ينسى حد، وإن المظلوم دائماً له رب يحميه وينتقم له. وكل ما أتذكر اللي حصل، أقول الحمد لله على كل حال، الحمد لله اللي كان معايا في الشدة قبل الرخاء، والحمد لله اللي حق لي حقي ورد لي كرامتي. وإلى كل بنت أو ست تتعرض لأي نوع من أنواع الإهانة أو الظلم، أقول لها لا تخافي ولا تضعفي، وتمسكي بكرامتكِ وثقتكِ بالله، واعرفي إن الله معكِ، وإن الحق غالب ولو كره الكافرون، وإن النصر قريب جداً.. فقط اصبر واثبتي، وسترين كيف سيجعل الله من بعد عسرٍ يسراً، ومن بعد ضيقٍ فرجاً، ومن بعد ظلمٍ عدلاً ونصراً. والحمد لله رب العالمين النهاية لايك وشارك القصة للي يستفيد منها