روايه كامله

لمحة نيوز
كل حاجة!
قلبي وقع في رجليا والدم جمد في عروقي.
يقولوا إيه يا أمي؟!
وقبل ما تلحق ترد، عم محمود مد إيده وأخد الفايل الأصفر ب نصرة.
وفي اللحظة دي فهمت إن عيلة هاني م جابوش أمي عشان يعملوا صلح ولا يلموا الموضوع..
هما دوروا ولقوا سر قديم ومستخبي كان ممكن يدمرني ويقضي عليا ب الكامل!
وكانوا ناويين يستخدموه ضدي قبل ما ألحق أخرج وأطلع برة الباب ده ب ثانية واحدة!……
يا ترى إيه السر البشع والمصيبة اللي أم مريم كانت مخبياها والفايل الأصفر شايلها، وإزاي أبو مريم بطل البوكس القديم هيدخل القصة ويقلب البيت على دماغ هاني وأبوه لما يعرف اللي عملوه في بنته، وإيه المفاجأة اللي هتدمر عيلة هاني ب الكامل؟ اللي جاي صدمة تزلزل القلوب ومفاجأة م تخطرش على بال حد!
الجزء الثاني
الفايل الأصفر كان بين إيد عم محمود كأنه سلاح سحري كان بيستناه من زمان. بص فيه نظرة سريعة، وبعدين رفعه في الهوا قدام عينيا أنا، كأنه بيقول لي شفتي؟ ده اللي هينهيكي.
أمي كانت واقفة وراها، عيونها مليانة دموع ووجهها أصفر زي الورق، وكل شوية تترجى بصوت مكتوم سامحيني يا بنتي، ما قدرتش أقاومهم.. هددوني يفضحونا ويقولوا على الحكاية القديمة لكل الناس!
قربت خطوة واحدة، رجليا بتترجف بس مش من الخوف، من الغضب اللي بيغلي في عروقي زي الزيت السخن. إيه الحكاية دي؟ وإيه اللي في الفايل ده؟
عم محمود ضحك، ضحكة خالية من كل إنسانية، صداها ردع في الأوضة الضيقة. حكاية قديمة يا مريم.. حكاية كان المفروض تدفن مع الزمن، بس أنتِ اللي أجبرتينا نخرجها للنور. تعرفي ليه أبوكِ ساب البوكس واعتزل كل الناس فجأة وهو في عز شبابه؟ تعرفي ليه كان كل ما يتذكر الفترة دي يبقى حزين ومكتوم لساعات طويلة؟
قلبي اتقبض. أبويا كان فعلاً كده، كان فيه فترة في حياته ما بيتكلمش عنها أبداً، وكل ما أسأله يغير الموضوع بسرعة ويقول لي ده حاجة خلصت يا بنتي، وخلينا في اللي جاي. ما كنتش أعرف إن وراها سر خطير للدرجة دي.
الست نجوى قربت مني، ووشها كان مشرق بالنصر اللي مش مستاهله أبوكِ يا حبيبتي.. كان متورط في حادثة قتل من سنين. كان بيلعب مباراة بوكس خارج النادي، وضرب راجل ضربة قوية أوي أدت لموته على طول. سجن عشر سنين، وطلع بشرط ألا يشتغل بالبوكس تاني ولا يروح أي مكان له علاقة باللعبة. والناس كلها كانت فاكرة إنه بطل واعتزل من عنده، ولا حد يعرف الحقيقة غيرنا.. وأمك طبعاً!
الكلمات دي وقعت عليا زي صاعقة. أبويا.. بطل البوكس اللي كنت بفتخر بيه، اللي علميني الشرف والقوة والدفاع عن النفس.. كان مسجون بتهمة قتل؟! بصيت لأمي اللي كانت بتبكي بحرقة صدق الكلام ده يا أمي؟ صدق؟
أمي هزت راسها ببطء، دموعها بتسيل على خدودها زي المطر كان مضطر يا مريم.. كان الدفاع عن النفس، كان الراجل ده جاله بسلاح وهدده هو وأنا وأنتِِِ كنتِ لسه صغيرة.. بس المحكمة شافت الموضوع غير كده، وقضت عليه بالسجن عشر سنين.. هو طلب مني ما أقول لحد، خصوصاً أنتِ، عشان ما تتأثري وتخافي منه.. واتفقنا نعيش الحكاية دي كأنها ما كانتش.. ولحد ما عيلة هاني عرفوا بالصدفة من حد قديم كان معاه في السجن، وهددوني يفضحوا كل حاجة ويقولوا للناس إن أبوكِ قاتل، وإنك بنت قاتل، فما قدرتش أقاومهم يا بنتي.. سامحيني!
الدنيا كلها سودت في عينيا. مش عشان الحكاية نفسها، لا.. عشان أبويا كان مظلوم، وعشان هؤلاء الناس اللي وقفت قدامي دلوقتي بيستخدموا أسرارنا القديمة سلاح ضدي، بيحاولوا يكسروا كبريائي ويثبتوا إني بنت قاتل فما ليش حق أتكلم ولا أرفع راسي.
عم محمود رجع بصره للفايل، وبدأ يقرأ بصوت عالٍ كأنه بيذلني أكتر الحكم صادر من محكمة الجنايات بالقاهرة، المتهم كمال عبدالله، بتهمة القتل العمدي مع سبق الإصرار والترصد.. الحكم سجن مدة عشر سنوات مع الشغل والنفاذ، وحرمانه من ممارسة أي نشاط رياضي لمدة عشرين سنة بعد انتهاء العقوبة..
كمل وهو بيبص لي بكل احتقار تعرفي يعني إيه الكلام ده يا مريم؟ يعني أنتِ متجوزة في عيلة محترمة، وأصلكِ مش نظيف. أبوكِ قاتل، وأنتِ جاية من دم خطير. فبدل ما تفتخري بنفسكِ وتدافعي عن كرامتكِ وتقولي لأ للي بيطلبوه منك، المفروض تكوني شاكرة لينا إننا قبلناكي في بيتنا وسط الناس كلها! وده اللي هيعرفه كل الجيران والأقارب واللي يعرفكِ لو ما رجعتِ عن كلامكِ واتعلمتي الأدب والطاعة!
هاني كان واقف ورا أبوه، لسه وجهه متورم من الضربات اللي ضربتهاله، وعينيه بتلمع بابتسامة شريرة. كان واثق إني دلوقتي هنهزم، هبكي، أتوسل، وأقبل بأي حاجة يقولولها. بس هو ما عرفش مين رباني.
أخذت نفس عميق، وثبّتت نظري في عينيه، عينيه اللي كانت بتحاول تكسري. أبويا كان مظلوم.. وكل اللي عمله كان دفاع عن نفسه وعن أهله. واللي حصل ده ما يقللش من قيمته ولا من شرفه. وأنا مش هخاف من تهديداتكم، ولا هقبل إن أحد يتحكم في حياتي أو يهين كرامتي، سواء كنتم عارفين أسراري ولا لأ!
الست نجوى صرخت بغضب بنت الكلب! لسه بتتكلمي كده؟! دلوقتي هنروح نكلم كل الناس، ونقول لهم الحقيقة كلها، ونشوف هيفضل حد ييكلمك ولا يصونك!
في اللحظة دي، سمعنا صوت دق على الباب.. دقات قوية، منتظمة، كل دقة منها كانت بتخلخل جدران البيت كله. صوت دق مش زي أي دق، صوت قوي واثق، صوت حد جاي يأخذ حقه.
عم محمود اتوتر وقال بحدة مين اللي جاي في الوقت ده؟!
فتح الباب بسرعة، ولما شاف اللي واقف برة، اتجمد مكانه كأنه شاف شبح. أنا كمان بصيت، وقلبي رن في صدري بقوة.. ده أبويا! أبويا كمال! واقف بكل طوله وقوته، بملابسه البسيطة، وشعره الأبيض اللي بيدل على سنين التعب، وعينيه اللي ما شفتش منها غير الحنان طول عمري، بس دلوقتي كانت مليانة نار وغضب ما شفتهوش عليه من قبل.
وراه كان اثنين من رجال الشرطة، وثلاثة رجال تانيين كانوا معاه في الحوش زمان، نفس اللي كانوا بيتدربوا معاه على البوكس، وكلهم كانوا واقفين بجدية وغضب.
أبويا دخل بخطوات بطيئة وثابتة، عينيه ما شافتش غيري أنا، وبعدين بص حوليه بكل برود، لحد ما وقع نظره على الفايل الأصفر اللي كان في إيد عم محمود.
أنا جيت آخذ بنتي، قال بصوت عميق ردع في كل زاوية البيت، وأنا عايز أعرف مين اللي سمح له يفتح ملفاتي القديمة ويستخدمها سلاح ضد بنتي!
الجزء الثالث
البيت كله سكت، ما حدش قدر يتنفس ولا يتكلم. أبويا واقف في نص الأوضة، وقوته بتملا المكان، وعينيه بتتحرك بين عم محمود والست نجوى وهاني، وكل نظرة منها كانت بتخليهم يتراجعوا خطوة لوحدهم.
عم محمود حاول يجمع شجاعته ويتكلم أنتَ.. أنتَ إزاي جيت هنا؟ ومالك دعوة بالموضوع ده، بنتك غلطت وهي اللي..
أبويا قطع كلامه بصرامة، رفع إيده ببطء وشار على الفايل اللي لسه في إيده أول حاجة.. الملف ده ملكي، وما حدش ليه الحق يقراه ولا يملكه غيري. تاني حاجة.. أنا جيت أسألكم إيه اللي حصل لبنتي هنا؟ ليه هي لسه واقفة بالشنطة عايزة تخرج؟ وليه سمعت كلام من برة بيقول إنكم هددتوها بفضيحة قديمة عشان تذلّوها وتخضع ليكم؟!
الست نجوى حاولت تتكلم بسرعة عشان تغير مجرى الحديث هي اللي بدأت! هي اللي رفعت إيدها على جوزها من أول أيام فرحهم! بنتك مش متربية يا كمال، وعلمناها العكس تماماً!
أبويا بص لي، وبص لوجهي اللي كان مليان تعب، وبص ليد هاني اللي كان ماسك خده بوجع، وبعدين رجع بصره للست نجوى بكل هدوء بنتي ما ترفع إيدها على حد إلا لو اتعرض ليها بالضرورة. أنا اللي علمتها كده. فإذا هي ضربت حد، يبقى الحق عليها، وإن كان غصب عنها، يبقى اللي اتضرب هو اللي بدأ بالغلط. فقولي لي بالظبط.. مين اللي بدأ؟
الصمت ساد المكان تاني. ما حدش قدر يجاوب. أبويا كمل بصوت أعمق وأكثر خطورة قلت لكم مين اللي بدأ؟ هل هاني هو اللي رفع إيده يضربها؟ هل أنتِ يا ست نجوى اللي شجعتيه على كده؟ هل أنتَ يا عم محمود اللي طلبت فلوسها وهددتها بكل الطرق عشان تسيب نفسها ليكم؟!
كل كلمة كان بيقولها كانت بتضرب فيهم زي الصاعقة. في اللحظة دي، أحد الرجال اللي كانوا مع أبويا، راجل اسمه حسام، كان صديق أبويا من أيام الشباب ويعرف كل حكايته، خطوة لقدام وقال بصوت عالٍ والله ما كنتم تستحوا على وجوهكم؟ الراجل ده قضى أحلى سنين عمره في السجن عشان ما يكشفش سر كانت عايزة تفضح مراته وبنته، وطلع مكسور ومجروح، وفضل يعيش بكل شرف وأمانة، وربى بنته أحسن تربية.. وتيجوا أنتم تستخدموا الحكاية دي عشان تذلوا بنته؟! ده قليل في حقكم تتكلموا معاهم أصلاً!
عم محمود اتخض وقال هو.. هو كان قاتل! الحكم صادر من المحكمة، والملف فيه كل حاجة!
أبويا ضحك، ضحكة مليانة حزن وغضب الحكم ده كان ظلم.. والكل اللي كان معايا في القضية عرف ده بعدين. الراجل اللي مات كان تاجر مخدرات، وكان جاي يهددني يخطف مريم وهي صغيرة عشان أدفع له فلوس، ولما رفضت هاجمني بسكين، ودفعت عن نفسي باللي أقدر عليه.. واللي حصل حصل. المحكمة ما أخذتش بالها للظروف دي، وحكموا عليا بالسجن. وكل اللي عملته طول السنين





