حكايات زهرة 3

ساد صمت موحش في الصالة، صمت أثقل من جبال الدنيا، وأحمد مثبت عينيه في عيني بنظرة لم أرها منه طوال سنين زواجنا، نظرة اختلط فيها الشك بالحيرة بالقهر القديم. خيوط الفجر الأولى كانت بدأت تتسلل من زجاج النافذة لترسم ظلالاً باهتة على وجه حنان التي وقفت مذهولة تنظر بيني وبين أبيها، غير قادرة على استيعاب ما تسمعه. أنفاسي كانت هادئة، لكن ض. ربات قلبي كانت تدق كطبول معركة أُرجئت طويلاً، وجاء موعدها المحتوم الذي لا مفر منه.
مشيتُ بخطوات وئيدة نحو باب الشقة وتأكدتُ من إحكامه بالمزلاج الحديدي، ثم عدتُ وجلستُ على المقعد المقابل لأحمد، ووضعت يدي على الطاولة الخشبية، ونظرتُ في عينيه مباشرة دون أن يطرف لي جفن، وقلت بصوت خرج من أعماق صدري عميقاً ومحروماً من الرحمة: «كنت مستنية اليوم اللي تسألني فيه السؤال ده يا أحمد… كنت مستنياه من تمانية وعشرين سنة، من الليلة اللي أبوك طلع فيها في الروح على دراعي أنا مش على دراع عبلة ولا محمد!» انتفض أحمد من مكانـ،،ـه كالملدوغ، واهتزت يداه وهو يحدق بي كأنه يراني للمرة الأولى في حياته: «على دراعك أنتي؟
! أبويا مـ،،ـات في المستشفى ومحمد كان معاه، عبلة قالت إنها وصلته الإسعاف بعد ما جاتله السكـ،،ـتة، أنتي مكنتيش موجودة أصلاً في الشقة وقتها!» ابتسمتُ بمرارة قاطعة كحد الموس، وفتحت حقيبتي الصغيرة وأخرجت منها سلسلة فضية قديمة تتوسطها دلاية نحاسية صغيرة على شكل مفتاح مهترئ، رميتها على الطاولة أمامه لتصدر رنة معدنية رنانة. اتسعت حدقتا عيني أحمد وشحب لونه كالمـ،،ـوتى، فالتقط السلسلة بذهول تام؛
هذا المفتاح كان يعرفه جيداً، إنه مفتاح صندوق الأمانات الحديدي الصغير الذي كان يحمله والده الحاج رضوان رحمه الله معلقاً في رقبته ليل نهار ولم يكن يفارقه أبداً، واختفى ليلة وفاته وقيل يومها إنه ضاع في زحام المستشفى. قلتُ له والكلمات تخرج كـ،،ـالرصـ،،ـاص: «أبوك ممـ،،ـاتش في المستشفى يا أحمد… أبوك كان بيمو.
ت في الصالة دي، تحت السقف ده! الليلة دي انت كنت مسافر بضاعة في إسكندرية، ومحمد كان سكران في غرزة من غرزه بيضيع قرشين المعاش، عبلة دخلت لحمايا بكباية الشاي بالنعناع اللي كان متعود يشربها قبل النوم، بس كانت حاطة فيها سُم الفيران المركز اللي جابته من صيدلية أخوها في البلد. بعد نص ساعة، حمايا بدأ يصرخ ويكح د،،ـم، وخرج يزحف في الطرقة يستغيث، وأنا كنت سهرانة برضع حنان وهي لسه حتة لحمة حمرا عندها شهور.





