حكايات محمد نور

وعندما صافحني مرة أخرى، قال بصوت خفيض:

— “تستحقينه بجدارة يا رقيب.”

— “شكراً جزيلاً، سيدي.”

لم تستغرق الصورة الرسمية سوى ثوانٍ معدودة.

وعند هبوطي من المنصة، كان والدي أول من اقترب مني من بين أفراد العائلة:

— “مريم…”

لم تكن نبرته تحمل أي شيء من التكبر أو الثقة التي تحدث بها معي قبل ساعة.

— “نعم يا أبي.”

نظر إلى الوسام الجديد ثم إلى الملف الرسمية وقال:

— “لماذا لم تخبرينا؟”

أدهشني سؤاله هذا أكثر من انتقاده السابق:

— “لأنني تلقيت أوامر صريحة بالحفاظ على سرية الأمر.”

— “لا أقصد المراسم فقط… بل أقصد… كل هذا.”

نظرت في عينيه:

— “ومتى سألتني يا أبي؟”

لم يجد جواباً.

ظهر فيصل من خلفه ويداه في جيبيه:

— “حسناً، لم نكن نعلم أن الأمر يصل إلى هذا المستوى العالي.”

وها هي ذا نفس المعايير تظهر مجدداً: المستوى، الفئة، المكانة الاجتماعية… وكأن خدمتي لا تستحق الاحترام إلا بعد أن يصادق عليها شخص ذو سلطة ونفوذ.

— “لم تكن بحاجة لمعرفة المستوى يا فيصل,” قلتُ له. “كل ما كان عليك فعله هو احترام أن هذا الأمر كان مهماً بالنسبة لي.”

ضغط فيصل على فكه وقال:

— “لم أقصد أن الأمر غير مهم…”

— “قبل ساعة من الآن، كنت تسألني بسخرية عما إذا كنت قد حضرت حقاً.”

وصلت نورة إلى جانبه وقالت:

— “مريم، ما قلته عن الأوسمة كان مجرد مزحة!”

نظرت إليها وقلت:

— “لا.”

اختفت ابتسامتها:

— “ماذا تقصدين بـ ‘لا’؟”

— “لم تكن مزحة. بل كان هذا رأيكِ الحقيقي عندما ظننتِ أنه لن تكون هناك عواقب لما تقولينه.”

لم يرفع أحد صوته، وهذا ما جعل اللحظة أكثر إحراجاً وثقلاً.

على بعد خطوات، كان اثنان من ضباط الوفد يتحدثون مع بعض الضيوف. اقتربت أمي وعيناها ملأى بالدموع، وتلتها أختي الصغرى.

— “أنا فخورة بكِ يا ابنتي,” قالت أمي.

أردت أن أستقبل هذه الكلمات كما تخيلتُ مراراً في الماضي، لكنني لم أستطع. ليس لأنها كانت مزيفة، بل لأنها جاءت بعد التصفيق فقط.

— “شكراً لكِ يا أمي,” أجبْتُ ببرود.

خفضت أختي رأسها وقالت:

— “كان يجب عليّ أن أتكلم وأدافع عنكِ عندما تحدث والدي معكِ.”

تأملتها. لم تكن أختي قاسية معي يوماً، لكن مشكلتها كانت أبسط وأشد إيلاماً: كانت تختار الصمت دائماً.

— “نعم,” قلتُ لها. “كان يجب عليكِ ذلك.”

أومأت برأسها ولم تجادل، وكان ذلك كافياً لتلك اللحظة.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *