حكايات محمد نور

كان الحفل مخصصاً لتكريم جدي، وهو بطل قديم شارك في الحروب التاريخية ويحتفل اليوم بعيد ميلاده التسعين. لكن عائلتي تعاملت مع المناسبة وكأنها الحفل الاجتماعي الأهم لهذا العام؛ يتحدثون منذ أسابيع عن قائمة المدعوين، والتقاط الصور، ومن سيجلس بجانب من.
أما أنا، فلم أكن أريد سوى التواجد من أجل جدي فقط.
وقبل أن أصل إلى طاولتي، اعترض والدي طريقي في القاعة:
— “مريم، يجب أن نكون واقعيين اليوم.”
— “واقعيين بشأن ماذا؟”
خفض صوته ونظر حوله للتأكد من عدم وجود أي شخص مهم يستمع إلينا:
— “اليوم هو يوم جدك، ولا نريد لفت الأنظار بطريقة غير مستحبة.”
وهنا ظهرت الحقيقة جلياً. لم يكن يخشى أن أحدث فوضى، بل كان يخشى أن يراني أصدقاؤه المرموقون فيتذكروا أن إحدى بناته اختارت مساراً وحياة لم يَرَ فيها يوماً أي وجاهة أو قيمة اجتماعية.
— “لم آتِ إلى هنا لألفت الأنظار,” قلتُ بثبات.
— “إذاً ساعدينا على إبقاء الأمر كذلك.”
كانت أمي تقف على بعد خطوات قليلة، ومؤخراً كانت أختي الصغرى تقف بجانبها. لم تنطق أي منهما بكلمة.
تنهد والدي وأردف قائلاً:
— “بالمقارنة بما حققه فيصل من نجاحات، فإن الاستمرار في الخدمة العسكرية لم يعد أمراً يدعو للإبهار أو الفخر.”
شعرت بالصفعة وكأنني ما زلت في السادسة عشرة من عمري. فيصل الناجح، فيصل المدير التنفيذي، الابن الذي لا يتوقف والدي عن التباهي به في طاولات الطعام والاجتماعات. أما أنا، فكنت الابنة التي يُكتفى بالتعريف عنها بعبارة قصيرة: “مريم ما زالت تخدم في الجيش.”
نظرت إلى أمي، فشاحت بنظرها بعيداً.
في تلك اللحظة، تملكتني رغبة عارمة في المغادرة.
خرجت إلى الممر الخارجي وسمحت للهواء البارد الآتي من النهر بأن يلامس وجهي. أغلقت قبضتيّ، وتنفست ببطء، وظللت أنظر إلى المياه حتى زال التوتر من أطراف أصابعي.
وفجأة، رن هاتفي. أجبْتُ على الفور:
— “الرقيب أول مريم الفارس.”
جاءني صوت رسمي وجاد من الطرف الآخر:
— “سيدتي، لقد وصل وفد القيادة العامة.”
نظرت إلى الملف الأزرق الذي ما زلت أحتفظ به تحت ذراعي:
— “علم، جاري الترتيب.”
قبل أشهر، تم إبلاغي تحت بند السرية التامة بأنني سأحصل على وسام تقدير استثنائي يرتبط بفرار عملية إنقاذ وإخلاء دولية معقدة، وأن التكريم سيتم خلال مراسم رسمية. وبناءً على طلب من القيادة العليا، أُبقيت التفاصيل خارج جدول الأعمال المعلن للمناسبة.





