روايه كامله

البت دي تستاهل تاكل بواقي الأكل. طالما مش عارفة تشتغل زي الناس، تتعلم بقى يعني إيه تجوع.
جوز بنتي قالها وهو باصصلي في عيني. وعلى بُعد خطوتين منه، كانت بنتي مريم قاعدة على ركبتها في مطبخ مطعم شيك في الزمالك، بتلم الرز والفراخ اللي الزباين سابوها في أطباقهم.
أنا اسمي سعاد عبد الرحمن، عندي 58 سنة، واشتغلت مدرسة ابتدائي أكتر من 30 سنة في مدارس القاهرة. طول عمري كنت فاكرة إني بعرف أميز الخوف من أول نظرة.
بس عمري ما تخيلت إني هتأخر بالشهور عشان أشوفه في عيني بنتي.
مريم كان عندها 32 سنة لما اتعرفت على كريم الشناوي. كانت مصممة جرافيك، عايشة لوحدها في شقة صغيرة في مصر الجديدة، وعندها مكتب بسيط بنته من الصفر بتعبها ومن غير ما تعتمد على حد.
ومن بعد ما أبوها مات وهي عندها 11 سنة، وأنا وهي بقينا قريبين من بعض بشكل كبير.
كريم في الأول كان شكله راجل محترم جدًا.
كان عنده 38 سنة، صاحب مطعم اسمه الطبلية، دايمًا لابس شيك، وبييجي البيت شايل ورد.
أول مرة قابلته قال لي
بنت حضرتك موهوبة جدًا يا مدام سعاد. وأنا نفسي تساعدني نخلي الطبلية من أشهر المطاعم في القاهرة.
كنت مبسوطة.
وقلت لنفسي يمكن ربنا عوضها براجل كويس بعد السنين الصعبة اللي عاشتها.
بس بعدها بدأت الحاجات الصغيرة تظهر.
مريم بطلت تيجي عندي كل جمعة.
وبقت تعتذر عن خروجاتها مع صاحباتها.
وبعدها قفلت مكتبها وقالت
هقفله مؤقتًا يا ماما، عشان أساعد كريم في المطعم شوية.
شوية دي بقت شهور.
وكل ما كنت أكلمها، كريم هو اللي يرد على التليفون ويسأل
مين؟
ولما أقول له
أنا أم مريم.
كان يديها التليفون وهو واقف جنبها.
وفي مرة، وأنا عندهم، لمحت كدمة زرقا على دراعها.
قلبي اتقبض.
سألتها
إيه اللي حصل في إيدك يا مريم؟
بصت في الأرض وقالت
خبطت في باب العربية يا ماما.
بس وهي بتقولها، ما بصتش في عيني.
بعد كام شهر اتجوزوا.
وقبل ما

تنزل من البيت يوم الفرح، وقفت قدامي وهي لابسة فستانها.
مسكت إيدي وسألتها
إنتِ متأكدة يا مريم؟
سكتت.
سكتت وقت أطول بكتير من الطبيعي.
وبعدين قالت
آه يا ماما.
بعد الفرح، بنتي اختفت تقريبًا من حياتي.
لا بقت تيجي، ولا بترد زي الأول، وحتى مكالماتها بقت قصيرة ومستعجلة.
لحد ما صاحبتي نادية فتحت عيني على حاجة أنا كنت بحاول أتجاهلها.
قالتلي
يا سعاد، أنا شوفت مريم في المطعم كذا مرة. البنت خست بشكل يخوف، شعرها بيقع، وشكلها مرعوب طول الوقت.
ما استنيتش.
روحت مطعم الطبلية.
كريم حاول يمنعني أدخل المطبخ.
المطبخ مش للزوار يا مدام سعاد.
بصيت له وقلت
أنا مش جاية كزبونة. أنا جاية أشوف بنتي.
وبعد شوية خرجت مريم.
ساعتها حسيت نفسي مش قادرة آخد نفسي.
وشها كان شاحب، تحت عينيها هالات غامقة، إيديها بتترعش، هدوم الشغل عليها بقع، وجسمها خاسس بشكل مستحيل يتخبى.
قربت منها وقلت
إنتِ بتاكلي كويس يا مريم؟
آه يا ماما.
إنتِ مبسوطة؟
ما ردتش.
ولا كلمة.
كريم حط إيده على كتفها.
بنتي جسمها اتشد فجأة.
وبص لها وقال
قولي لمامتك إنك كويسة.
مريم بلعت ريقها وقالت
أنا كويسة يا ماما.
بس دمعة نزلت على خدها في نفس اللحظة.
أنا مشيت.
بس ما رجعتش البيت.
ركبت عربيتي وفضلت مستنية قدام المطعم.
عدت ساعات.
الزباين مشيوا.
الأنوار بتاعة الصالة اتطفت.
بس نور المطبخ فضل شغال.
ولقيت باب خدمة جانبي سايبه مفتوح.
دخلت.
واللي شوفته وقتها عمره ما هيروح من دماغي.
مريم كانت قاعدة على الأرض، على ركبتها، بتنضف الدهون اللي على البلاط.
جنبها طبق فيه بواقي أكل الزباين.
وكانت بتعيط في صمت…
وبتاكل بإيديها.
صرخت
مريم!
بنتي قامت مفزوعة، كأنها اتقفشت بتعمل جريمة.
ماما! إنتِ هنا ليه؟ امشي… بالله عليكي امشي!
وقبل ما ألحق أقول حاجة، كريم خرج من مكتبه.
بصلي ببرود وقال
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
رديت عليه
أنا هاخد بنتي معايا.
ضحك.
ضحكة مستفزة لدرجة إني حسيت الدم بيغلي في عروقي.
دي مراتي يا مدام سعاد. وأنا اللي اديتها هدف في حياتها. قبل ما تعرفني كانت مجرد مصممة عادية مالهاش لازمة.
بصيت له وقلت
بنتي عمرها ما كانت مالهاش لازمة. وهتفضل إنسانة ليها قيمة سواء كنت في حياتها أو لأ.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
دي واحدة فاشلة. وتستاهل اللي بيحصل لها.
بصيت لمريم.
مديت إيدي لها وقلت
يلا يا بنتي. هنمشي.
مريم بدأت تهز راسها بخوف.
ماما… مينفعش.
ينفع.
هو مش هيسيبني.
مسكت إيدها جامد وقلت
إنتِ عندك بيت. وعندك أم. ومش هتفضلي هنا دقيقة واحدة كمان.
كريم ضحك وقال بثقة غريبة
هترجع. كلهم بيرجعوا.
ما رديتش عليه.
خدت بنتي ومشينا.
وأول ما ركبنا العربية، مريم انهارت.
كانت بتترعش ومش قادرة تتكلم.
وأنا كنت سايقة وأنا ماسكة نفسي بالعافية عشان ما أعيطش قدامها.
فتحت موبايلي ودورت على رقم المستشار محمود صبري، محامي قديم وصديق للعيلة من سنين.
اتصلت بيه.
وقلت له جملة واحدة
محمود، أنا محتاجة مساعدتك فورًا. بنتي في مصيبة.
اللي ما كنتش أعرفه وقتها…
إن إخراج مريم من المطعم كان مجرد أول خطوة.
لأن الساعات اللي جاية هتكشف عقد مخفي، و شهور من الشغل من غير جنيه واحد، ودليل واحد بس…
كان ممكن يهد كريم الشناوي من أساسه.
ما إن وصلنا بيت أمي، محمود كان مستنيني هناك.
أول ما شاف مريم، سكت تمامًا.
كان يعرفها من سنين، لكن البنت اللي قدامه ما كانتش هي مريم اللي فاكرها.
قعدت على الكنبة وهي ضامة إيديها لصدرها، وأنا حطيت قدامها كوب مية.
محمود سأل بهدوء
مريم، أنا مش هضغط عليكي. بس محتاج أعرف إيه اللي حصل.
مريم بصتلي، وبعدها بصت للأرض.
أنا كنت فاكرة إن ده مؤقت.
إيه اللي كان مؤقت؟
بلعت ريقها وقالت
الشغل في المطعم.
محمود عقد حواجبه.
شغل؟
ضحكت ضحكة مكسورة.
أنا ما كنتش موظفة عنده يا أستاذ محمود… أنا كنت شغالة عنده من غير مرتب.
أنا شهقت
إيه؟!
مريم هزت راسها.
ثمانية شهور يا ماما.
محمود فتح دفتره فورًا.
ثمانية شهور؟ عندك أي إثبات؟
سكتت مريم لحظات، ثم قالت
عندي.
رفعت عينيها لأول مرة بثبات.
بس مش ده أخطر حاجة.
محمود قرب منها.
إيه الأخطر؟
مريم مدت إيدها لموبايلها، وفتحت مجلد مخفي.
كريم كان بيطلب مني أعمل تصميمات للمطعم، وقوائم الأسعار، والإعلانات، وصفحة المطعم… وكل حاجة كانت باسمه.
محمود قال
وده ممكن يثبت إنك كنتِ بتشتغلي.
استنى يا أستاذ محمود.
فتحت ملف تاني.
أنا اكتشفت حاجة من شهرين.
مدت الموبايل له.
كان فيه صور لمستندات.
عقود.
إيصالات.
وتوقيعات.
محمود قلب الصفحات واحدة ورا التانية، وملامحه بدأت تتغير.
إنتِ جبتي ده منين؟
مريم قالت بصوت منخفض
من مكتب كريم.
سألتها
ليه ما قولتيليش؟
دموعها نزلت.
لأني كنت خايفة.
منه؟
هزت راسها.
من كل حاجة.
محمود رفع عينه عن الهاتف.
مريم… كريم كان بيطلب منك تمضي على إيه بالظبط؟
مريم ما ردتش.
فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قالت جملة خلتني أحس إن الأرض بتتحرك تحت رجلي
أنا اكتشفت إنه كان بيستخدم توقيعي في حاجات أنا ما شفتهاش أصلًا.
محمود وقف فجأة.
يعني إيه؟
مريم فتحت صورة أخيرة.
صورة عقد كبير.
وفي أسفل الصفحة…
كان موجود توقيعها.
لكن مريم أقسمت إنها عمرها ما شافت العقد ده في حياتها.
محمود بصلي وقال
لازم نعرف العقد ده اتستخدم في إيه.
وفي نفس اللحظة، موبايل مريم رن.
الاسم اللي ظهر على الشاشة كان
كريم.
مريم بدأت ترتعش.
لكن المرة دي…
ما قفلتش المكالمة.
بصت لمحمود، وبعدين ضغطت على زر الرد.
وجالنا صوت كريم بارد جدًا
أنتِ فاكرة إنك خرجتي من عندي وخلاص؟
مريم ما ردتش.
قال
ارجعي المطعم دلوقتي… قبل ما أضطر أقول لمامتك الحقيقة كلها.
محمود مد إيده، وأشار لمريم إنها تحط المكالمة على السماعة.
وبهدوء قال لها
خليه يتكلم.
لكن كريم قال جملة واحدة…
خلّت محمود نفسه يغير ملامحه
أنا عارف إنكم لقيتوا العقد أنا عارف إنكم لقيتوا العقد.
الغرفة كلها سكتت.
مريم بصتلي، وأنا بصيت لمحمود.
محمود أشار لها تفضل ساكتة.
كريم كمل
بس اللي مريم مش عارفاه
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *