حكايات محمد نور

وبدأت أمي تسأل عن طبيعة مهامي ضمن ما يُسمح لي بنشره. وأصبحت أختي تعترض ولا تصمت عندما يبدي فيصل أي ملاحظات. أما فيصل، فقد استغرق وقتاً أطول، لكنه في أحد الأيام أرسل لي صورة قديمة وجدها في منزل جدي: كنت فيها في التاسعة عشرة من عمري، يوم قررت الالتحاق بالخدمة، أقف بملامح جادة أمام الكاميرة وأحمل حقيبة تبدو أثقل مني.

وكتب تحتها: “يبدو أنكِ كنتِ تعلمين دائماً ما تريدينه.”

فأجبته: “نعم.”

ولم أزد على ذلك.

لم أكن بحاجة إلى مصالحة خيالية مثالية؛ بل كنت بحاجة إلى حدود واضحة، وإلى الحقيقة.

الملف الأزرق محفوط الآن في درج مكتبي بجانب وثيقة التكريم الرسمية. لم يغير الوسام ما حدث في تلك العملية الإنسانية، ولم يجعل خدمتي العسكرية أكثر قيمة مما كانت عليه بالفعل.

لكن ما تغير حقاً هو نظرتي لعائلتي.

لسنوات طويلة، كنت أظن أنه إذا حققتُ النجاح الكافي، وإذا ترقيتُ لمناصب أعلى، وإذا أثبتُّ نفسي بدرجة كافية، فإنهم سيفهمون في النهاية. لكنني أدركت في ذلك اليوم أن المشكلة لم تكن نقص الأدلة؛ بل كانوا قد حددوا ما يحتر مونه ويعجبون به قبل حتى أن يكلفوا أنفسهم عناء معرفة من أكون.

كل ما فعله القائد العسكري هو أنه أظهر للعلن، وأمام المئات من الشهود، شيئاً لم يكلفوا أنفسهم عناء رؤيته في الماضي.

بلغ جدي عامه التسعين وهو محاط بعائلته وحصل على التكريم الذي يستحقه.

وخرجت من المبنى برفقة جدي. وعند وصولنا إلى السيارة، توقف ونظر إلى زيي العسكري ثم إلى شعار وحدته وقال:

— “هل تعلمين ما هو الجميل في بلوغ سن التسعين؟”

— “ما هو يا جدي؟”

— “أنني لم أعد أملك وقتاً لأضيعه في محاولة إبهار أشخاص لا يفهمون ما هو المهم بحق.”

ابتسمتُ وقلت:

— “سأحاول تعلم هذا الدرس قبل أن أصل للسنوات التسعين.”

— “إسدي لي هذا المعرف.”

ساعدته على الصعود، ثم وضعت ملفي الأزرق في السيارة، وأغلقت الباب ونظرت للمرة الأخيرة نحو المبنى.

كان والدي يقف عند المدخل؛ لم يحاول إيقافي، ولم يطلب مني تغيير ملابسي، ولم يقارن حياتي بحياة فيصل… بل اكتفى برفع يده ملوحاً.

فرفعت يدي وفعلت الشيء نفسه.

ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم أشعر أنني أغادر كابنة خيبت آمال عائلتها… بل غادرت بصفتي مريم الفارس؛ الجندية، والحفيدة، والأخت، والمرأة التي لم تعد بحاجة لأي شخص آخر ليقرر ما إذا كانت حياتها تدعو للإبهار أم لا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *