ظعم في يدا اليفة سيلا وليد١

مساءً…
كانت خديجة تجلس في شرفة غرفتها، على مقعدها الخشبي الصغير، وأمامها طاولة تتناثر فوقها كتبها وأوراقها. تحاول مراجعة دروسها، بعدما بدأت أخيرًا تخطط لما بعد الجامعة، وللحياة التي تتمنى أن تصنعها بيديها.
وعلى الجهة المقابلة…
كان عبد الرحمن يقف في شرفة منزله، يحمل كوب الشاي بيد، وسيجارته باليد الأخرى، لكن عيناه لم تبتعد عنها، يتابع كل تفصيلة فيها دون أن يشعر بالوقت، وكأن وجودها أمامه أصبح طقسًا يوميًا لا يستطيع أن يبدأ ليله بدونه.
توقفت والدته خلفه، تأملت حالته لحظات، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها:
_طيب هنفضل نقضيها نظرات يا واد ولا إيه؟
انتفض من شروده، والتفت إليها بابتسامة بريئة مصطنعة.
_بتقولي إيه يا ست الحبايب؟
لكزته في كتفه وهي تضحك:
_بقول إزيك يا سيد الناس!
انفلتت من عبد الرحمن ضحكة عالية، ارتفعت في سكون الليل حتى وصلت إلى الشرفة المقابلة.
رفعت خديجة عينيها عن كتابها.
توقفت يدها عن تقليب الصفحات، وتعلقت عيناها به.
لم تعرف لماذا ابتسمت…
ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف.
كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه.
ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى.
شاب اعتادت وجوده منذ سنوات…
لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة.
ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي.
_عملت لكِ شاي يا حبيبتي.
لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة
وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها.
_حلو… وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي.
انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير.
_هو مين ده يا ماما؟
ضحكت والدتها وهي تشير بعينيها إلى الجهة المقابلة.
_أهو… الحليوة الأسمراني اللي خاطف قلوب بنات الحتة.
أخذت خديجة تقلب صفحات كتابها بارتباك
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟
اقتربت والدتها منها، وقالت بمكر أم تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها:
_هتخبي على ماما يا ديجة؟ إنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض؟
رفعت خديجة عينيها إليها، ثم قالت بذهول:
_نظراتنا؟ ليه… هو بيبص لي يا ماما؟ ولا بيفكر فيا أصلًا؟
ابتسمت والدتها بحنان، وربتت على يدها.
_ده مش شايف غير ديجا.
توقفت خديجة عن التنفس للحظة.
_يعني إيه؟
مالت والدتها نحوها وهمست:
_وعشان تطمني… أمه رمت لي كلمتين كده، وقالت إنهم مستنيينك تخلصي الجامعة.
اتسعت عيناها.
_معقول يا ماما؟
ابتسمت والدتها.
_معقول جدًا.
ارتجف قلب خديجة، وانخفضت عيناها إلى الكتاب، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغماً عنها.. تهمس لنفسها
عبد الرحمن…يفكر فيها.
الشاب الذي طالما اعتبرته مجرد جار وصديق للعائلة، كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأت عيناها تنظران إليه بها.
لاحظت والدتها السعادة التي أضاءت وجهها، فمسدت على ظهرها بحنان أمومي.
_ومش معقول ليه؟ إن كان هو فتى مفتول العضلات وابن حلال، بنتنا برضه جميلة الجميلات.
ضحكت خديجة بخجل، وحاولت إخفاء وجهها خلف الكتاب.
فاحتضنتها والدتها بنظرة مليئة بالأمنيات.
_ربنا يسعدك يا حبيبتي… وأشوفك أجمل عروسة في الدنيا.
لم تجب خديجة.فقط ابتسمت…
لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها.
وفي الجهة الأخرى، ظل عبد الرحمن يتحدث مع والدته، دون أن يعرف أن فتاته كانت قد سمعت للتو شيئًا سيغير نظرتها إليه إلى الأبد.
أما خلف الباب…
كانت جيهان، زوجة أخيها، تقف تستمع إلى كل كلمة.
تبدلت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها، واشتعلت الغيرة في عينيها.
ابتعدت عن الباب ببطء، ثم تمتمت من بين أسنانها:
_بقى عبد الرحمن بيحبك إنتِ؟
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة لا تحمل أي خير.
_طب قابليني يا حرباية… لو الجوازة دي تمت.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد
بعد أسبوع…
خرجت خديجة من بوابة الجامعة، تحمل كتبها إلى صدرها، وقد بدت على وجهها راحة طال انتظارها.
انتهت الامتحانات أخيرًا…
خطوات قليلة، وستعود إلى بيتها البسيط، ثم تبدأ البحث عن عمل يساعدها في الوقوف إلى جوار والدتها.
كانت تتجه إلى موقف الأتوبيس العام، ولكن توقفت فجأة.
تجمدت قدماها، واتسعت عيناها حين وجدته واقفًا أمامها.
_عبد الرحمن.
ابتسمت دون إرادة منها، وكأن ظهوره أمامها بدد تعب اليوم كله.
_عبد الرحمن؟ بتعمل إيه هنا؟
ابتسم وهو يشير إلى السيارة الواقفة خلفه.
_كنت قريب، فقولت أعدي عليكي… النهارده آخر يوم في امتحاناتك.
أومأت، وظهرت ابتسامة واسعة على شفتيها.
_آه… أخيرًا هتخرج، وأشتغل.
تأمل ابتسامتها للحظات
ثم قال ببساطة:
_طيب يلا… تعالي أوصلك.
نظرت خديجة إلى السيارة، ثم عادت بعينيها إليه باستغراب.
_عربية مين دي؟
_زبون في الورشة، كنت بشتري لها حاجة.
ثم ابتسم وهو يفتح باب السيارة.
_هنمشي ولا هتسألي تاني؟
تراجعت خطوة، وقد تبدلت ملامحها فجأة.
_آسفة يا عبد الرحمن… مينفعش أركب معاك.
اختفت ابتسامته ببطء، لكنه لم يقترب أكثر، بل أبقى بينهما مسافة تحفظ لها راحتها.
_ليه يا خديجة؟ ناسية إننا جيران؟ يعني مش واحد لا شمال ولا حاجة.
رفعت عينيها إليه سريعًا.
_مقصدش والله… الكل عارف أخلاقك، بس… ميصحش. اعذرني.
رد قائلًا بهدوء:
_والكل برضه عارف أخلاقك يا خديجة.
خفضت عينيها، وظهر الحزن واضحًا في ملامحها.
_بس الناس مابترحمش…
توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت خافت:
_آسفة يا عبد الرحمن، لازم أمشي… الأتوبيس هيفوتني.
استدارت سريعًا
_خديجة… استني!
توقفت، لكنها لم تستدر فورًا.
وحين التفتت، وجدته يقترب منها بابتسامة هادئة، ثم مد يده إليها بكتاب.
_كل سنة وإنتِ طيبة يا ديجة.
نظرت إلى الكتاب بدهشة.
_إيه ده؟
_امبارح كان عيد ميلادك… عرفت من حنان.
ترددت قبل أن تمد يدها وتأخذه منه بخجل.
فتحت الكتاب، وما إن وقعت عيناها على عنوانه حتى اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر.
رفعت عينيها إليه.
_مين قالك إني بدور على الكتاب ده؟
ثبت عينيه عليها، وقال ببساطة أربكت قلبها:
_قلبي.
توردت وجنتاها في لحظة، فأخفضت عينيها سريعًا، وأخذت تعبث بأطراف الكتاب.
_شكرا ياعبد الرحمن
ابتسم عبد الرحمن، وكأنه كان يستمتع بذلك الارتباك الصغير الذي صنعه دون قصد.
ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وقال:
_خديجة… عايز أكلم خالد.
رفعت عينيها إليه، ولم تعرف لماذا شعرت فجأة بقبضة تعتصر قلبها.
_تكلمه في إيه؟
اقترب خطوة، وبقيت عيناه معلقتين بعينيها.
_مش عارفة؟
ابتلعت ارتباكها.
_لا… معرفش.
ابتسم ابتسامة غامضة، وقال بصوت أكثر دفئًا:
_معقول مش عارفة؟
ارتبكت، وشعرت أن عينيه تفضحان شيئًا لا تملك الشجاعة لتسأله عنه.
ابتعدت خطوة وقالت بسرعة:
_الأتوبيس هيمشي… بعد إذنك.
استدارَت لتغادر، لكنه ناداها:
_خديجة!
توقفت.. ثم التفتت إليه ببطء.
كان ينظر إليها بطريقة جعلت قلبها يخفق بعنف، ثم قال:
_هستناكي بكرة على الشط… متتأخريش. لازم نتكلم.
ترددت، ثم قالت بخجل:
_هقول لماما… لو وافقت، هجيب حنان معايا.
ضحك بخفة، وقال:
_هاتي الدنيا كلها يا خديجة… بس متتأخريش.
ابتسمت رغماً عنها، ثم هزت رأسها.
_لازم أمشي.
تحركت مسرعة نحو الأتوبيس، والكتاب لا يزال بين يديها.
أما عبد الرحمن فظل واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت بين الزحام.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد
ما إن وصلت إلى منزلها، حتى أسرعت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تخشى أن تفضح عيناها ما حدث معها هذا المساء.
جلست فوق فراشها، والكتاب لا يزال بين يديها.
ذلك الكتاب الذي أعطاها إياه عبد الرحمن…
تأملته طويلًا، ثم مررت أطراف أصابعها فوق غلافه بحنان، وكأنها تلمس شيئًا يخصه هو، قبل أن ترفعه إلى أنفها وتستنشق رائحته في خجل، ثم ضمته إلى صدرها لحظة، وقلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل.
أبعدته عنها، وأخذت تتلمس حروف عنوانه بأطراف أصابعها:
«الإنسان يبحث عن المعنى»
ابتسمت.
ثم بدأت تقلب صفحاته بفضول، حتى سقطت عيناها على بطاقة صغيرة ملونة، مخبأة بين الصفحات.
توقفت أنفاسها.. سحبتها بيد مرتجفة، وقلبتها بين أصابعها قبل أن تفتحها.
وما إن قرأت أول سطر، حتى شعرت بأن شيئًا دافئًا ينساب إلى قلبها.
«خديجتي…
نعم، فتاة قلبي التي لم يمل قلبي يومًا إلى سواها.
أتمنى أن تجعلكِ سطور هذا الكتاب تتمسكين بالحياة حين تثقل عليكِ، وأن تذكّركِ بأن هناك دائمًا سببًا يستحق أن نحيا من أجله.
وأتمنى أكثر… أن أكون أنا أحد أسباب ابتسامتك، وألا يأتي يوم تشعرين فيه أنكِ وحدكِ، لأنني منذ عرفتكِ وأنا أتمنى أن أكون كتفكِ حين تتعبين، ويدكِ حين تخافين، وملجأ قلبكِ حين تضيق بكِ الدنيا.
فأنتِ لستِ عابرة في حياتي يا خديجة…
أنتِ الضوء الذي تسلل إلى أيامي دون استئذان، فأنارها، والنبض الذي صار قلبي يبحث عنه كلما ابتعدتِ، والشيء الجميل الذي لم أطلبه من الحياة، لكنها منحته لي.
وتذكري دائمًا هذه الجملة:
«من كان لديه سببٌ يحيا من أجله، استطاع أن يتحمل تقريبًا أيَّ كيف.»
وأنا…
منذ أحببتكِ، أصبح لي سبب آخر أتمسك به.
أنتِ.
فلا تسمحي للحزن أن يسرق منكِ نفسكِ، ولا للظروف أن تقنعكِ أنكِ وحدكِ.
طالما قلبي ينبض… سيكون لكِ فيه مكان لا ينازعكِ عليه أحد.
أهواكِ… حتى أصبح العشق ملاذي، وأصبح اسمكِ الدعاء الذي لا أقوله بلساني، لكن قلبي يردده كل ليلة.. واخيرًا وليس اخرًا
عبد الرحمن.»
ظلت تحدق في آخر سطر طويلًا…
ثم أعادت قراءة الرسالة من بدايتها.
ومع كل كلمة، كانت ابتسامتها تكبر، بينما ترقرقت الدموع في عينيها دون أن تشعر.
وضعت البطاقة فوق قلبها، وأغمضت عينيها.
لأول مرة منذ وقت طويل…
لم تشعر أن قلبها مثقل بالحزن.
بل شعرت أنه يرقص.
يرقص لأن أحدهم رآها…
فهم خوفها…
ولم يطلب منها أن تكون قوية.
فقط أخبرها أنه سيكون إلى جوارها.
فتحت عينيها، وضمت البطاقة إلى صدرها وهمست بخجل:
_عبد الرحمن… إنت عملت إيه في قلبي؟
امسكت ذاك المكتوب ودونت بظهره
لو كان «الرحمن» اسمًا يُنسب إلى البشر، لقلت لكَ: رحماني…
نعم كنت أريد أن أقول لك: رحماني… ثم خفت أن أتجاوز في كلمةٍ حقَّ ربي، فالرحمن لله وحده، أما أنت… فأنت فارس قلبي، ونبيلُ أيامي، وأجمل أقداري التي دعوت الله أن يكتبها لي.
خديجتك
ابتسمت وقبلته… ابتعدت بعدما

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *