ظعم في يدا اليفة سيلا وليد١

بينما هو لم يفكر طويلًا.
ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه…
ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة.
أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هناك.
دلف إلى منزلها.
شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت:
_يا رب… عدي الليلة دي على خير.
أما هو.. فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه.
وصل إلى مسامعه صوت المأذون:
_بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير.
تعالت التهاني من حوله.
_مبروك يا عرسان!
_ربنا يسعدكم!
_ألف مبروك!
كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا.
واقفًا كالغريب وسط الجميع.. رفع عينيه ببطء…فرآها.
العروس.. في ثوبها الأبيض.
المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها.
والآن…أصبحت زوجة لرجل آخر.
وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها.. توقفت عن الابتسام.. ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها.
رفعت رأسها.
وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن…
سقط كل شيء من حولها.
لم تعد تسمع تهنئة.. ولا موسيقى.
ولا زغاريد.فقط هو.
هو وحده.
تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمُه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به:
_عبد… الرحمن…
تجمد هو الآخر… وتعلقت العينان ببعضهما البعض.. نظر اليه وداخله يصرخ:
إن كانت قد اختارت غيره… فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟
وهنا…
تعالوا بينا نغوص في حكايتنا من بدايتها…
حكاية حب بدأت قبل أن يعرف أيٌّ منهما أنه وقع فيها، وحكاية قلبين فرّق بينهما سوء الفهم، والقدر، وأشياء لم تُقل في الوقت المناسب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قبل عدة شهور
صباحًا مليئا بنسيم العليل ورائحة البحر،بأمواجه قد أطلَّ على الإسكندرية،عروس البحر المتوسط،  وبين ضيجيج المدينة ليلا هدوءٍ صباح حالم، تتسلل أشعة الشمس الذهبية على سكانها
وبأحدى المنازل البسيطة، كان صوت الأغنية يتردد من المذياع:
“يا حلو صبح… يا حلو طل…”
كأن الصباح نفسه يحاول أن يمنح البيت شيئًا من البهجة، قبل أن تفسدها قسوة البشر.
وقفت خديجة في المطبخ تعدُّ طعام الإفطار، وقد جمعت خصلاتها الناعمة بحجابٍ صغير كفيونكة، بينما راحت تتحرك بين الأطباق والأكواب في عجلة؛ حتى لا تتأخر عن محاضراتها التي تنتظرها في الجامعة.
جاءها صوت زوجة أخيها من الخارج:
_إنتِ يا أستاذة، لسه مخلصتيش؟
التفتت إليها خديجة، وهي تضع أكواب الشاي فوق الصينية.
_خلاص، بعمل الشاي. حضري السفرة وأنا أطلع الأكل.
زفرت جيهان بضيق، ثم ألقت بجسدها على المقعد.
_لا ياختي، اطلعي امسحيها. أنا سهرانة طول الليل، معرفتش أنام من التعب.
رفعت خديجة عينيها إليها للحظة، ثم ابتلعت اعتراضها.
لم تكن تريد أن يبدأ صباحها بمشكلة.
وضعت الأكواب بعناية فوق الصينية، ثم خرجت إلى الغرفة الصغيرة، وأعدت طاولة الطعام المتواضعة، رتبت الأطباق واحدًا تلو الآخر، ثم اتجهت إلى غرفة والدتها.
اقتربت من النافذة، وسحبت الستارة جانبًا، فاندفعت خيوط الشمس إلى الغرفة
_ماما… يلا حبيبتي، الساعة تمانية. قومي افطري علشان همشي على الجامعة.
فتحت والدتها عينيها ببطء، ثم تمتمت بنعاس:
_مرات أخوكي صحيت ولا لسه نايمة كعادتها؟
ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، ومدت يدها تساعد والدتها على النهوض.
_صحيت، سيبك منها. قومي علشان تفطري قبل ما أروح الجامعة.
أسندت والدتها إلى ذراعها، وسارت معها ببطء؛ فقد أثقل المرض خطواتها، وكان داء السكري يستنزف من جسدها ما تبقى فيه من قوة.
وبعد دقائق، جلست فاتن إلى المائدة، بينما جلست جيهان أمامها منشغلة بهاتفها، تضحك بين الحين والآخر على شيء تراه في شاشته.
رفعت فاتن عينيها إليها.
_صباح الخير يا جيهان.
رفعت جيهان رأسها دون أن تترك هاتفها.
_صباح الخير يا طنط.
وصلت خديجة حاملة الأطباق، وبدأت تضع الطعام أمامهم.
_خديجة، في جبنة حادقة على المطبخ، هاتيها. أصلها بتفتح نفسي.
قبل أن تجيب خديجة، نظرت فاتن إلى زوجة ابنها وقالت بهدوء:
_طيب ما تقومي تجيبيها لنفسك؟ إنتِ شايفة البنت رايحة جاية، ولسه هتجهز علشان كليتها.
رفعت جيهان عينيها إليها بضيق.
_مش قادرة يا طنط، أنا طول الليل تعبانة ومنمتش.
عادت خديجة في تلك اللحظة وقالت
_مفيش مشكلة يا ماما، أنا هجيبلها اللي هي عايزاه. افطري إنتِ يا حبيبتي.
ثم اقتربت من والدتها، وسألتها بحنان:
_أخدتي حقنة السكر ولا لسه؟
أومأت فاتن.
_أخدتها يا بنتي. قربي البطاطس دي، وخدي البيض قربيه لمرات أخوكي.
ابتسمت خديجة، ودفعت الطبق نحوها.
_حاضر يا ماما.
لكن جيهان أشارت إلى البطاطس.
_بس أنا بحب البطاطس يا طنط. عندك فول طعمه حلو؟ أنا مبحبوش.
نظرت خديجة إليها للحظة، ثم نهضت دون كلمة.
دخلت المطبخ، وعادت بطبقٍ فارغ، وبدأت تضع فيه قليلًا من البطاطس.
_خدي حبيبتي، يلا افطري.
توقفت يد جيهان فوق الطبق، ثم حدقت في خديجة بامتعاض.
_إنتِ بتاخدي من قدامي البطاطس يا خديجة؟ مش عايزاني آكل؟
استدارت خديجة إليها، وقد بدأ صبرها ينفد.
_بقولك إيه؟ البطاطس قدامك أهي، مش مكفياكي؟ ادخلي المطبخ بكعب الغزال ده واعملي لنفسك.
في تلك اللحظة ، انفتح باب الشقة، ودخل خالد، زوج جيهان، بعدما عاد من الخارج.
توقف مكانه حين التقط أذناه آخر كلمات أخته.
_إيه اللي بتقوليه ده يا خديجة؟
استدارت إليه.
_بقول إيه؟ ما قولتش حاجة غلط.
قفزت جيهان
_تعالى شوف يا خالد أختك! بتشيل من قدامي الأكل وبتقولي: “وأنا هخدمك”!
اتسعت عينا خديجة بدهشة.
_أنا قولت كده يا مفترية؟
ابتسمت جيهان بانتصار.
_سمعت يا خالد؟ شوفت بتقولي إيه؟
تقدم خالد خطوة، وقد تبدلت ملامحه.
_ما تحترمي نفسك يا بت! إيه؟ مش مالي عينك؟
وضعت فاتن يدها على الطاولة، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة:
_اقعد يا ابني افطر. أختك مغلطتش.
لكن جيهان لم تترك لها فرصة لتهدئة الأمر.
نظرت إليها ببرودٍ جارح، وقالت:
_مش عيب يا حماتي تكذبي وإنتِ ست كبيرة؟ طب خافي لتموتي فجأة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *