"اللهم انك عفوا كريم تحب العفو، فاعف عنا" ممنوع نسخ الرواية لأي موقع او مدونة الرواية حصري لصفحة روايات سيلا ابطـــــــــــــال الروايـــــــــــة عبدالرحمن رجب الديب 28 عامًا، كلية الهندسة، قسم الهندسة المدنية. خديجة حسن عبدربه 22 عامًا، كلية التربية ، قسم طفولة. ــــــــــــــــــــــــــــــ اول مشهد فلاش بــــــــــــاك وبعدين نبدأ بالأحداث 🔥🔥🔥 نهض عبد الرحمن بتكاسل، وكأن جسده أثقل من أن يحمله. كانت أصوات الموسيقى والزغاريد تتعالى من الخارج، تخترق جدران المنزل وتصل إليه كأنها سكاكين لا تهدأ. خرج إلى غرفة المعيشة، فوجد والدته جالسة على مقعدها، تحرك مسبحتها بين أصابعها، وتتمتم بأذكارها. رفعت عينيها إليه، وما إن رأته حتى لمعتا بالدموع. _إنت صحيت يا حبيبي؟ أومأ دون كلام، ثم ألقى بجسده المنهك فوق الأريكة. _لو فيه أكل يا ماما... هاتيلي أكل. نهضت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي ارتجاف صوتها. _عيني يا نور عيني. تحركت إلى المطبخ، وما إن أدارت ظهرها له حتى خانتها دموعها. كانت تعرف.. تعرف لماذا استيقظ ابنها اليوم بهذا الوجه الشاحب، ولماذا لم يسأل حتى عن مصدر تلك الأصوات التي تهز الحي. أما هو... فنهض واتجه إلى شرفة منزله. وقف بها طويلًا.. وعيناه معلقتان بالأنوار التي تزين المنزل المقابل. منزلها... اليوم تُزف لغيره. اليوم ستصبح زوجة لرجل آخر. اليوم، سيقف الجميع حولها يهنئونها، بينما سيقف هو في مكان بعيد، يحاول أن يقنع قلبه أن الفتاة التي أحبها لسنوات لم تعد له. ابتلع غصة حارقة. اليوم سيدفن حيًّا. انفلتت دمعة من عينه، فمسحها سريعًا، وكأنه غاضب من نفسه لأنها فضحت ضعفه. استند بظهره إلى جدار الشرفة، ورفع عينيه إلى السماء. لم يطلب منها شيئًا... لم يعترض على قدره... فقط ناجى ربه بصمت: _يا رب... اشفِ قلبي من حبها، لو كان حبها مش مكتوب لي. أغمض عينيه. في تلك اللحظة نفسها، دوّت الزغاريد. فتح عينيه، لكن صوتهن هذه المرة لم يصل إلى أذنيه فقط...بل ذبح شيئًا داخله. ضغط كفه على صدره، كأن قلبه بالفعل يتألم. بعد قليل، عادت والدته تحمل الطعام. وقفت خلفه، ثم قالت بحنان حاولت أن تجعله طبيعيًا: _تعالى كل يا حبيبي... خالك اتصل وعايزك ضروري. أومأ لها.. جلس أمام الطعام، والتقط بضع لُقيمات، حاول أن يبتلعها...ولكنه فشل. كان حلقه مغلقًا بالحزن. ترك الطعام، ونهض. _هروح أشوف خالي. نظرت والدته إلى الطبق. _ماكلتش يا ابني. ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة. _شبعت. أخذ سترته من مكانها، وخرج. كان يمشي بصعوبة، وكل خطوة تقربه من منزلها كأنها تقوده إلى جرحه بقدميه. حتى توقف أمام بيتها.. رفع عينيه إلى الأنوار، لم يتحرك. أما والدته، فكانت تراقبه من بعيد، والدموع تملأ عينيها. وضعت يدها على صدرها، وهمست: _يا رب يعوض عليك يا حبيبي... بالأحسن منها، ويجبر قلبك. بينما هو لم يفكر طويلًا. ربما كان يبحث عن شيء لا يعرف اسمه... ربما كان قلبه يريد أن يراها للمرة الأخيرة. أو ربما كان القدر هو من ساقه إلى هناك. دلف إلى منزلها. شهقت والدته، وسحبت حجابها سريعًا، ثم تمتمت: _يا رب... عدي الليلة دي على خير. أما هو.. فما إن خطا إلى الداخل، حتى توقف مكانه. وصل إلى مسامعه صوت المأذون: _بارك الله لكما، وبارك عليكما، وجمع بينكما في خير. تعالت التهاني من حوله. _مبروك يا عرسان! _ربنا يسعدكم! _ألف مبروك! كانت الأصوات تتداخل حوله، لكنه لم يسمع منها شيئًا. واقفًا كالغريب وسط الجميع.. رفع عينيه ببطء...فرآها. العروس.. في ثوبها الأبيض. المرأة التي أحبها حتى ظن أن قلبه خُلق من أجلها. والآن...أصبحت زوجة لرجل آخر. وفي تلك اللحظة، تسللت رائحة عطره إليها.. توقفت عن الابتسام.. ارتعشت أنفاسها، وكأن قلبها عرفه قبل عينيها. رفعت رأسها. وحين التقت عيناها بعيني عبد الرحمن... سقط كل شيء من حولها. لم تعد تسمع تهنئة.. ولا موسيقى. ولا زغاريد.فقط هو. هو وحده. تسللت دمعة حارقة من عينيها، وانفلت اسمُه من بين شفتيها مرتجفًا، متقطعًا كأنها تستنجد به: _عبد... الرحمن... تجمد هو الآخر... وتعلقت العينان ببعضهما البعض.. نظر اليه وداخله يصرخ: إن كانت قد اختارت غيره... فلماذا كانت تنظر إليه وكأنها تبكي فراقه؟ وهنا... تعالوا بينا نغوص في حكايتنا من بدايتها... حكاية حب بدأت قبل أن يعرف أيٌّ منهما أنه وقع فيها، وحكاية قلبين فرّق بينهما سوء الفهم، والقدر، وأشياء لم تُقل في الوقت المناسب. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قبل عدة شهور صباحًا مليئا بنسيم العليل ورائحة البحر،بأمواجه قد أطلَّ على الإسكندرية،عروس البحر المتوسط، وبين ضيجيج المدينة ليلا هدوءٍ صباح حالم، تتسلل أشعة الشمس الذهبية على سكانها وبأحدى المنازل البسيطة، كان صوت الأغنية يتردد من المذياع: "يا حلو صبح... يا حلو طل..." كأن الصباح نفسه يحاول أن يمنح البيت شيئًا من البهجة، قبل أن تفسدها قسوة البشر. وقفت خديجة في المطبخ تعدُّ طعام الإفطار، وقد جمعت خصلاتها الناعمة بحجابٍ صغير كفيونكة، بينما راحت تتحرك بين الأطباق والأكواب في عجلة؛ حتى لا تتأخر عن محاضراتها التي تنتظرها في الجامعة. جاءها صوت زوجة أخيها من الخارج: _إنتِ يا أستاذة، لسه مخلصتيش؟ التفتت إليها خديجة، وهي تضع أكواب الشاي فوق الصينية. _خلاص، بعمل الشاي. حضري السفرة وأنا أطلع الأكل. زفرت جيهان بضيق، ثم ألقت بجسدها على المقعد. _لا ياختي، اطلعي امسحيها. أنا سهرانة طول الليل، معرفتش أنام من التعب. رفعت خديجة عينيها إليها للحظة، ثم ابتلعت اعتراضها. لم تكن تريد أن يبدأ صباحها بمشكلة. وضعت الأكواب بعناية فوق الصينية، ثم خرجت إلى الغرفة الصغيرة، وأعدت طاولة الطعام المتواضعة، رتبت الأطباق واحدًا تلو الآخر، ثم اتجهت إلى غرفة والدتها. اقتربت من النافذة، وسحبت الستارة جانبًا، فاندفعت خيوط الشمس إلى الغرفة _ماما... يلا حبيبتي، الساعة تمانية. قومي افطري علشان همشي على الجامعة. فتحت والدتها عينيها ببطء، ثم تمتمت بنعاس: _مرات أخوكي صحيت ولا لسه نايمة كعادتها؟ ابتسمت خديجة ابتسامة باهتة، ومدت يدها تساعد والدتها على النهوض. _صحيت، سيبك منها. قومي علشان تفطري قبل ما أروح الجامعة. أسندت والدتها إلى ذراعها، وسارت معها ببطء؛ فقد أثقل المرض خطواتها، وكان داء السكري يستنزف من جسدها ما تبقى فيه من قوة. وبعد دقائق، جلست فاتن إلى المائدة، بينما جلست جيهان أمامها منشغلة بهاتفها، تضحك بين الحين والآخر على شيء تراه في شاشته. رفعت فاتن عينيها إليها. _صباح الخير يا جيهان. رفعت جيهان رأسها دون أن تترك هاتفها. _صباح الخير يا طنط. وصلت خديجة حاملة الأطباق، وبدأت تضع الطعام أمامهم. _خديجة، في جبنة حادقة على المطبخ، هاتيها. أصلها بتفتح نفسي. قبل أن تجيب خديجة، نظرت فاتن إلى زوجة ابنها وقالت بهدوء: _طيب ما تقومي تجيبيها لنفسك؟ إنتِ شايفة البنت رايحة جاية، ولسه هتجهز علشان كليتها. رفعت جيهان عينيها إليها بضيق. _مش قادرة يا طنط، أنا طول الليل تعبانة ومنمتش. عادت خديجة في تلك اللحظة وقالت _مفيش مشكلة يا ماما، أنا هجيبلها اللي هي عايزاه. افطري إنتِ يا حبيبتي. ثم اقتربت من والدتها، وسألتها بحنان: _أخدتي حقنة السكر ولا لسه؟ أومأت فاتن. _أخدتها يا بنتي. قربي البطاطس دي، وخدي البيض قربيه لمرات أخوكي. ابتسمت خديجة، ودفعت الطبق نحوها. _حاضر يا ماما. لكن جيهان أشارت إلى البطاطس. _بس أنا بحب البطاطس يا طنط. عندك فول طعمه حلو؟ أنا مبحبوش. نظرت خديجة إليها للحظة، ثم نهضت دون كلمة. دخلت المطبخ، وعادت بطبقٍ فارغ، وبدأت تضع فيه قليلًا من البطاطس. _خدي حبيبتي، يلا افطري. توقفت يد جيهان فوق الطبق، ثم حدقت في خديجة بامتعاض. _إنتِ بتاخدي من قدامي البطاطس يا خديجة؟ مش عايزاني آكل؟ استدارت خديجة إليها، وقد بدأ صبرها ينفد. _بقولك إيه؟ البطاطس قدامك أهي، مش مكفياكي؟ ادخلي المطبخ بكعب الغزال ده واعملي لنفسك. في تلك اللحظة ، انفتح باب الشقة، ودخل خالد، زوج جيهان، بعدما عاد من الخارج. توقف مكانه حين التقط أذناه آخر كلمات أخته. _إيه اللي بتقوليه ده يا خديجة؟ استدارت إليه. _بقول إيه؟ ما قولتش حاجة غلط. قفزت جيهان _تعالى شوف يا خالد أختك! بتشيل من قدامي الأكل وبتقولي: "وأنا هخدمك"! اتسعت عينا خديجة بدهشة. _أنا قولت كده يا مفترية؟ ابتسمت جيهان بانتصار. _سمعت يا خالد؟ شوفت بتقولي إيه؟ تقدم خالد خطوة، وقد تبدلت ملامحه. _ما تحترمي نفسك يا بت! إيه؟ مش مالي عينك؟ وضعت فاتن يدها على الطاولة، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة: _اقعد يا ابني افطر. أختك مغلطتش. لكن جيهان لم تترك لها فرصة لتهدئة الأمر. نظرت إليها ببرودٍ جارح، وقالت: _مش عيب يا حماتي تكذبي وإنتِ ست كبيرة؟ طب خافي لتموتي فجأة! شهقت خديجة، والتفتت إلى جيهان، وقد اشتعل الغضب في عينيها حتى غلب خوفها. اقتربت خطوة، وصوتها خرج مرتجفًا من شدة القهر: _الألفاظ سعد يا ست جيهان... إيه اللي بتقوليه ده؟ ثم نظرت إلى والدتها. التي كانت جالسة في مكانها، صامتة، لم تنطق حرفًا واحدًا ربتت خديجة على كتفها بحنان _متزعليش منها ياماما، هي ماتقصدش شوف شوف... علشان متطلعش غلطانة في اللي قالته _خلاص ياجيهان، اقعدي، وهي هتعملك اللي انت عايزاه اتجهت خديجة تنظر الى اخيها بقهر _انا رايحة الجامعة، وبدل ماتقولها كنتي ساعديها، لا عايزني افطر مراتك _هو انت علشان عملتي طبق بطاطس وبيض هتفضحيني عليهم، امال انت شغلتك ايه في البيت دا رفعت خديجة عيناها اليها _انا بعمل الفطار لامي، اكراما مني بخليكي تقعدي تفطري معانا، لانك بصحتك، يبقى قومي اعملي لنفسك انت وجوزك _شوفت ياخالد، علشان تصدقني _ماتتلمي يابت ع الصبح، ايه محدش مالي عنيك _خديجة... خديني اوضتي يابنتي _اتفضل امك زعلت _رايحة فين ياما، بدل ماتوقفي بنتك عند حدها امشي يابت انجري روحي جهزيلي افطر نظرت الى جيهان التي مطت شفتيها _خلاص ياخالد، اقعد افطر، الاكل اهو انا خلاص نفسي اتسدت باحد المنازل الذي يبعد عدة منازل نهض من نومه على صوت والدته _يلا حبيبي، البيض هيبرد، وترجع تقول مش واكل خرج وهو يبتسم، ثم اقترب منها _صباح الخير ياست الكل _صباحك رضا ياحبيبي نظر حوله يبحث عن اخيه _امال فين عمر _نزل الدرس، اخد من محفظتك ربعمية جنيه، عنده درسين، وبيقول مذكرات اومأ برأسه وقال _ربنا يوفقه يارب، خليه ياخد اللي هو عايزه، يمكن يدخل طب _مابلاش طب ياحبيبي، مصاريفه كتيرة، خليه في كلية عادية _ماما... متقوليش قدامه كدا، ربنا يقدرني وادخله طب _انت ليه مش بتفكر في نفسك خالص يابني، انت داخل على التلاتين، هتفضل لحد امتى من غير جواز _لما يجي وقته ياماما بقلم سيلا وليد ــــــــــــــــــــــــــ بعد ساعات... كان عبد الرحمن مستلقيًا أسفل إحدى السيارة داخل الورشة، لا يظهر منه سوى قدماه، بينما وقف المعلم فاروق إلى جوار السيارة يتابع عمله. _العربية دي عايزة شغل يومين يا معلم. اعتدل فاروق في وقفته، ثم قال: _اعمل اللازم يا عبده، الراجل مش مستعجل عليها يا ابني. خرج عبد الرحمن من أسفل السيارة، ثم أمسك بقطعة قماش قديمة ومسح بها يديه الملطختين بالزيت. _خلاص... هطلع آخد دش على السريع، وأنزل أشتري كل اللي يلزمها. ابتسم فاروق وهز رأسه. _تمام، بس متتأخرش... إنت لما بتغيب، الدنيا هنا بتقف. وقبل أن يجيبه، ظهر خالد من داخل الورشة، وهو يضحك ساخرًا: _وبعدين يا عم فاروق؟ صاحب العربية دي مش هنخلص منه؟ توقف فاروق عن العمل، ونظر إليه بضيق. _وبعد هلاك يا خالد... الراجل محترم، إنت اللي مندفع يا ابني. ألقى عبد الرحمن نظرة جانبية إلى خالد، ثم قال وهو يبتسم: _اسمع وطنش يا خالد... هتكسب كتير. التفت إليه خالد بسخرية. _أنا مش زيك يا عبدو حنبلي... أنا مبسكتش على الغلط. مساءً... كانت خديجة تجلس في شرفة غرفتها، على مقعدها الخشبي الصغير، وأمامها طاولة تتناثر فوقها كتبها وأوراقها. تحاول مراجعة دروسها، بعدما بدأت أخيرًا تخطط لما بعد الجامعة، وللحياة التي تتمنى أن تصنعها بيديها. وعلى الجهة المقابلة... كان عبد الرحمن يقف في شرفة منزله، يحمل كوب الشاي بيد، وسيجارته باليد الأخرى، لكن عيناه لم تبتعد عنها، يتابع كل تفصيلة فيها دون أن يشعر بالوقت، وكأن وجودها أمامه أصبح طقسًا يوميًا لا يستطيع أن يبدأ ليله بدونه. توقفت والدته خلفه، تأملت حالته لحظات، ثم قالت وهي تكتم ضحكتها: _طيب هنفضل نقضيها نظرات يا واد ولا إيه؟ انتفض من شروده، والتفت إليها بابتسامة بريئة مصطنعة. _بتقولي إيه يا ست الحبايب؟ لكزته في كتفه وهي تضحك: _بقول إزيك يا سيد الناس! انفلتت من عبد الرحمن ضحكة عالية، ارتفعت في سكون الليل حتى وصلت إلى الشرفة المقابلة. رفعت خديجة عينيها عن كتابها. توقفت يدها عن تقليب الصفحات، وتعلقت عيناها به. لم تعرف لماذا ابتسمت... ولا لماذا شعرت أن ضحكته تحديدًا قادرة على أن تجعل قلبها أخف. كان في تلك اللحظة يعطيها ظهره، طويل القامة، عريض المنكبين، ببشرة خميرية زادها ضوء الليل دفئًا، وشعر فحمي ناعم تناثرت خصلاته فوق رأسه. ظلت تحدق به للحظات، وكأنها تراه للمرة الأولى. شاب اعتادت وجوده منذ سنوات... لكنها بدأت تراه الآن بعين مختلفة. ولم تنتبه إلى والدتها التي دخلت الشرفة تحمل كوب الشاي. _عملت لكِ شاي يا حبيبتي. لم تستمع اليها خديجة، لشرودها بمن خطف قلبها، توقفت والدتها خلفها، وتتبعت اتجاه عيني ابنتها، ثم ابتسمت ابتسامة وضعت كوب الشاي أمامها، ثم سحبت مقعدًا بلاستيكيًا وجلست إلى جوارها. _حلو... وابن حلال كمان. ربنا يجعله من نصيبك يا بنتي. انتفضت خديجة، وكأن أمها ضبطتها متلبسة بشيء خطير. _هو مين ده يا ماما؟ ضحكت والدتها وهي تشير بعينيها إلى الجهة المقابلة. _أهو... الحليوة الأسمراني اللي خاطف قلوب بنات الحتة. أخذت خديجة تقلب صفحات كتابها بارتباك _إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ اقتربت والدتها منها، وقالت بمكر أم تعرف ابنتها أكثر مما تعرف نفسها: _هتخبي على ماما يا ديجة؟ إنتِ مفكرة إني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض؟ رفعت خديجة عينيها إليها، ثم قالت بذهول: _نظراتنا؟ ليه... هو بيبص لي يا ماما؟ ولا بيفكر فيا أصلًا؟ ابتسمت والدتها بحنان، وربتت على يدها. _ده مش شايف غير ديجا. توقفت خديجة عن التنفس للحظة. _يعني إيه؟ مالت والدتها نحوها وهمست: _وعشان تطمني... أمه رمت لي كلمتين كده، وقالت إنهم مستنيينك تخلصي الجامعة. اتسعت عيناها. _معقول يا ماما؟ ابتسمت والدتها. _معقول جدًا. ارتجف قلب خديجة، وانخفضت عيناها إلى الكتاب، بينما تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها رغماً عنها.. تهمس لنفسها عبد الرحمن...يفكر فيها. الشاب الذي طالما اعتبرته مجرد جار وصديق للعائلة، كان ينظر إليها بالطريقة نفسها التي بدأت عيناها تنظران إليه بها. لاحظت والدتها السعادة التي أضاءت وجهها، فمسدت على ظهرها بحنان أمومي. _ومش معقول ليه؟ إن كان هو فتى مفتول العضلات وابن حلال، بنتنا برضه جميلة الجميلات. ضحكت خديجة بخجل، وحاولت إخفاء وجهها خلف الكتاب. فاحتضنتها والدتها بنظرة مليئة بالأمنيات. _ربنا يسعدك يا حبيبتي... وأشوفك أجمل عروسة في الدنيا. لم تجب خديجة.فقط ابتسمت... لكن قلبها كان يجيب بدلًا عنها. وفي الجهة الأخرى، ظل عبد الرحمن يتحدث مع والدته، دون أن يعرف أن فتاته كانت قد سمعت للتو شيئًا سيغير نظرتها إليه إلى الأبد. أما خلف الباب... كانت جيهان، زوجة أخيها، تقف تستمع إلى كل كلمة. تبدلت ملامحها، وانطفأت ابتسامتها، واشتعلت الغيرة في عينيها. ابتعدت عن الباب ببطء، ثم تمتمت من بين أسنانها: _بقى عبد الرحمن بيحبك إنتِ؟ ارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة لا تحمل أي خير. _طب قابليني يا حرباية... لو الجوازة دي تمت. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم سيلا وليد بعد أسبوع... خرجت خديجة من بوابة الجامعة، تحمل كتبها إلى صدرها، وقد بدت على وجهها راحة طال انتظارها. انتهت الامتحانات أخيرًا... خطوات قليلة، وستعود إلى بيتها البسيط، ثم تبدأ البحث عن عمل يساعدها في الوقوف إلى جوار والدتها. كانت تتجه إلى موقف الأتوبيس العام، ولكن توقفت فجأة. تجمدت قدماها، واتسعت عيناها حين وجدته واقفًا أمامها. _عبد الرحمن. ابتسمت دون إرادة منها، وكأن ظهوره أمامها بدد تعب اليوم كله. _عبد الرحمن؟ بتعمل إيه هنا؟ ابتسم وهو يشير إلى السيارة الواقفة خلفه. _كنت قريب، فقولت أعدي عليكي... النهارده آخر يوم في امتحاناتك. أومأت، وظهرت ابتسامة واسعة على شفتيها. _آه... أخيرًا هتخرج، وأشتغل. تأمل ابتسامتها للحظات ثم قال ببساطة: _طيب يلا... تعالي أوصلك. نظرت خديجة إلى السيارة، ثم عادت بعينيها إليه باستغراب. _عربية مين دي؟ _زبون في الورشة، كنت بشتري لها حاجة. ثم ابتسم وهو يفتح باب السيارة. _هنمشي ولا هتسألي تاني؟ تراجعت خطوة، وقد تبدلت ملامحها فجأة. _آسفة يا عبد الرحمن... مينفعش أركب معاك. اختفت ابتسامته ببطء، لكنه لم يقترب أكثر، بل أبقى بينهما مسافة تحفظ لها راحتها. _ليه يا خديجة؟ ناسية إننا جيران؟ يعني مش واحد لا شمال ولا حاجة. رفعت عينيها إليه سريعًا. _مقصدش والله... الكل عارف أخلاقك، بس... ميصحش. اعذرني. رد قائلًا بهدوء: _والكل برضه عارف أخلاقك يا خديجة. خفضت عينيها، وظهر الحزن واضحًا في ملامحها. _بس الناس مابترحمش... توقفت لحظة، ثم تابعت بصوت خافت: _آسفة يا عبد الرحمن، لازم أمشي... الأتوبيس هيفوتني. استدارت سريعًا _خديجة... استني! توقفت، لكنها لم تستدر فورًا. وحين التفتت، وجدته يقترب منها بابتسامة هادئة، ثم مد يده إليها بكتاب. _كل سنة وإنتِ طيبة يا ديجة. نظرت إلى الكتاب بدهشة. _إيه ده؟ _امبارح كان عيد ميلادك... عرفت من حنان. ترددت قبل أن تمد يدها وتأخذه منه بخجل. فتحت الكتاب، وما إن وقعت عيناها على عنوانه حتى اتسعت ابتسامتها دون أن تشعر. رفعت عينيها إليه. _مين قالك إني بدور على الكتاب ده؟ ثبت عينيه عليها، وقال ببساطة أربكت قلبها: _قلبي. توردت وجنتاها في لحظة، فأخفضت عينيها سريعًا، وأخذت تعبث بأطراف الكتاب. _شكرا ياعبد الرحمن ابتسم عبد الرحمن، وكأنه كان يستمتع بذلك الارتباك الصغير الذي صنعه دون قصد. ثم تغيرت ملامحه قليلًا، وقال: _خديجة... عايز أكلم خالد. رفعت عينيها إليه، ولم تعرف لماذا شعرت فجأة بقبضة تعتصر قلبها. _تكلمه في إيه؟ اقترب خطوة، وبقيت عيناه معلقتين بعينيها. _مش عارفة؟ ابتلعت ارتباكها. _لا... معرفش. ابتسم ابتسامة غامضة، وقال بصوت أكثر دفئًا: _معقول مش عارفة؟ ارتبكت، وشعرت أن عينيه تفضحان شيئًا لا تملك الشجاعة لتسأله عنه. ابتعدت خطوة وقالت بسرعة: _الأتوبيس هيمشي... بعد إذنك. استدارَت لتغادر، لكنه ناداها: _خديجة! توقفت.. ثم التفتت إليه ببطء. كان ينظر إليها بطريقة جعلت قلبها يخفق بعنف، ثم قال: _هستناكي بكرة على الشط... متتأخريش. لازم نتكلم. ترددت، ثم قالت بخجل: _هقول لماما... لو وافقت، هجيب حنان معايا. ضحك بخفة، وقال: _هاتي الدنيا كلها يا خديجة... بس متتأخريش. ابتسمت رغماً عنها، ثم هزت رأسها. _لازم أمشي. تحركت مسرعة نحو الأتوبيس، والكتاب لا يزال بين يديها. أما عبد الرحمن فظل واقفًا مكانه، يتابعها بعينيه حتى اختفت بين الزحام. ــــــــــــــــــــــــــــــ بقلم سيلا وليد ما إن وصلت إلى منزلها، حتى أسرعت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تخشى أن تفضح عيناها ما حدث معها هذا المساء. جلست فوق فراشها، والكتاب لا يزال بين يديها. ذلك الكتاب الذي أعطاها إياه عبد الرحمن... تأملته طويلًا، ثم مررت أطراف أصابعها فوق غلافه بحنان، وكأنها تلمس شيئًا يخصه هو، قبل أن ترفعه إلى أنفها وتستنشق رائحته في خجل، ثم ضمته إلى صدرها لحظة، وقلبها يخفق بطريقة لم تعهدها من قبل. أبعدته عنها، وأخذت تتلمس حروف عنوانه بأطراف أصابعها: «الإنسان يبحث عن المعنى» ابتسمت. ثم بدأت تقلب صفحاته بفضول، حتى سقطت عيناها على بطاقة صغيرة ملونة، مخبأة بين الصفحات. توقفت أنفاسها.. سحبتها بيد مرتجفة، وقلبتها بين أصابعها قبل أن تفتحها. وما إن قرأت أول سطر، حتى شعرت بأن شيئًا دافئًا ينساب إلى قلبها. «خديجتي... نعم، فتاة قلبي التي لم يمل قلبي يومًا إلى سواها. أتمنى أن تجعلكِ سطور هذا الكتاب تتمسكين بالحياة حين تثقل عليكِ، وأن تذكّركِ بأن هناك دائمًا سببًا يستحق أن نحيا من أجله. وأتمنى أكثر... أن أكون أنا أحد أسباب ابتسامتك، وألا يأتي يوم تشعرين فيه أنكِ وحدكِ، لأنني منذ عرفتكِ وأنا أتمنى أن أكون كتفكِ حين تتعبين، ويدكِ حين تخافين، وملجأ قلبكِ حين تضيق بكِ الدنيا. فأنتِ لستِ عابرة في حياتي يا خديجة... أنتِ الضوء الذي تسلل إلى أيامي دون استئذان، فأنارها، والنبض الذي صار قلبي يبحث عنه كلما ابتعدتِ، والشيء الجميل الذي لم أطلبه من الحياة، لكنها منحته لي. وتذكري دائمًا هذه الجملة: «من كان لديه سببٌ يحيا من أجله، استطاع أن يتحمل تقريبًا أيَّ كيف.» وأنا... منذ أحببتكِ، أصبح لي سبب آخر أتمسك به. أنتِ. فلا تسمحي للحزن أن يسرق منكِ نفسكِ، ولا للظروف أن تقنعكِ أنكِ وحدكِ. طالما قلبي ينبض... سيكون لكِ فيه مكان لا ينازعكِ عليه أحد. أهواكِ... حتى أصبح العشق ملاذي، وأصبح اسمكِ الدعاء الذي لا أقوله بلساني، لكن قلبي يردده كل ليلة.. واخيرًا وليس اخرًا عبد الرحمن.» ظلت تحدق في آخر سطر طويلًا... ثم أعادت قراءة الرسالة من بدايتها. ومع كل كلمة، كانت ابتسامتها تكبر، بينما ترقرقت الدموع في عينيها دون أن تشعر. وضعت البطاقة فوق قلبها، وأغمضت عينيها. لأول مرة منذ وقت طويل... لم تشعر أن قلبها مثقل بالحزن. بل شعرت أنه يرقص. يرقص لأن أحدهم رآها... فهم خوفها... ولم يطلب منها أن تكون قوية. فقط أخبرها أنه سيكون إلى جوارها. فتحت عينيها، وضمت البطاقة إلى صدرها وهمست بخجل: _عبد الرحمن... إنت عملت إيه في قلبي؟ امسكت ذاك المكتوب ودونت بظهره لو كان «الرحمن» اسمًا يُنسب إلى البشر، لقلت لكَ: رحماني... نعم كنت أريد أن أقول لك: رحماني... ثم خفت أن أتجاوز في كلمةٍ حقَّ ربي، فالرحمن لله وحده، أما أنت... فأنت فارس قلبي، ونبيلُ أيامي، وأجمل أقداري التي دعوت الله أن يكتبها لي. خديجتك ابتسمت وقبلته... ابتعدت بعدما استمعت إلى إشعار وصول رسالة، فامتدت يدها سريعًا إلى هاتفها. وما إن أضاءت الشاشة باسم عبد الرحمن، حتى ارتسمت ابتسامة على شفتيها قبل أن تفتح الرسالة، وكأن اسمه وحده أصبح قادرًا على أن يضيء قلبها قبل أن يضيء أيامها. فتحتها، وراحت تقرأ: فكرت قبل ما نتقابل... أربط كلمة مع أخوكي. إن شاء الله هكون عندكم بالليل. صلي وادعي نكون من نصيب بعض. توقفت عيناها عند الجملة الأخيرة. من نصيب بعض. أعادت قراءتها مرة أخرى، ثم وضعت الهاتف فوق قلبها، وكأنها تحاول أن تهدئ ذلك النبض الذي انتفض من شدة السعادة. وفجأة، هوت بظهرها فوق الفراش، وفردت ذراعيها، وخرجت منها ضحكة خافتة لم تستطع منعها. لأول مرة...لم تكن تتخيل.لم تكن تتساءل. عبد الرحمن سيأتي الليلة...ليطلبها. وضعت كفيها فوق وجهها، وهمست بخجل: _يا رب... لو هو خير ليا، اكتبهولي. ثم ابتسمت من جديد، وكأن قلبها كان قد سبق دعاءها بالإجابة. مضت الساعات أسرع مما توقعت. جاء المساء، وهو يحمل فرحة القلوب، كان عبد الرحمن قد ذهب برفقة والدته. جلس الجميع في هدوء، تتبادل الأمهات الأحاديث، بينما ظل عبد الرحمن أكثرهم صمتًا. يحاول أن يبدو ثابتًا، لكن أصابع يده كانت تتحرك بتوتر فوق ركبته. هذه ليست جلسة عادية... هذه الليلة التي انتظرها طويلًا. الليلة التي سيقول فيها أمام أهلها ما أخفاه قلبه طويلًا. وبعد فترة من الجلوس، رفع عبد الرحمن عينيه إلى والدة خديجة. _بعد إذنك يا خالتي أم خالد... التفت الجميع إليه، أخذ نفسًا عميقًا. ثم نظر إلى خالد مباشرة. _أنا جاي النهارده طالب القرب منك... في أختك الأستاذة خديجة. توقفت أنفاس خديجة خلف باب غرفتها. كانت تسمع كل كلمة، وقلبها يخفق حتى خُيل إليها أن الجميع يستطيع سماعه. أما عبد الرحمن، فتابع بصوت ثابت، رغم ارتعاش قلبه: _وأنا والله مش شايف نفسي طالب أكتر من كده... أنا طالبها بالحلال، وعايز أكون راجلها اللي يصونها ويحافظ عليها، وهكون أسعد راجل في الدنيا لو وافقتوا. تبادل خالد ووالدته النظرات. ثم نظر خالد إلى عبد الرحمن طويلًا، قبل أن يبتسم. _طبعًا يا عبد الرحمن... وأنا هكون سعيد بيك، وعارف أخلاقك كويس. بس الأصول بتقول نسأل البنت ونشاورها الأول. اتسعت ابتسامة عبد الرحمن، وكأن أثقل حجر كان فوق صدره قد سقط أخيرًا. _طبعًا... طبعًا يا خالد. خدوا وقتكم، وأنا مستني الرد في أقرب وقت. ثم نهضت والدته لتودعهم بعد أن انتهت الجلسة، بينما بقي عبد الرحمن للحظة ينظر ناحية الباب الذي تقف خلفه خديجة. لم يرها...لكن قلبه شعر بها. في الداخل، كانت خديجة تضع يدها فوق فمها، تمنع نفسها من البكاء. لم تكن دموع حزن. كانت دموع فتاة سمعت الرجل الذي أحبته يقول أمام أهلها، دون خوف أو تردد: «أنا طالب القرب من أختك.» مضت الليلة بسلام... لكنها لم تكن تعلم أن بعض السلام ليس إلا هدوءًا يسبق العاصفة. أتى الصباح محمّلًا بضياء ربه على الخلق أجمع، وكأن الدنيا قررت أن تبتسم لها هي الأخرى. نهضت خديجة من فراشها بخفة ونشاط، وما إن بدأت يومها حتى أخذ الحماس يملأ خطواتها. جهزت طعام الإفطار وهي تدندن بأغنيتها المفضلة، تتحرك في المطبخ بسعادة لا تستطيع إخفاءها، حتى انتهت، وحملت الأطباق إلى المائدة، ترتبها بعناية وكأنها تعد وليمة لخبر سعيد. خرجت والدتها، فتوقفت للحظة تتأمل ابنتها بابتسامة عرفت منها كل شيء دون سؤال. _صباح الجمال يا ديجة. التفتت إليها خديجة، وابتسمت من قلبها: _صباح الورد يا ست الكل... يلا، أنا عاملالك فطار هتاكلي صوابعك وراه. اقتربت والدتها منها وهمست بمكر: _أنا هاكل صوابعي وراه فعلًا... بس مش علشان الأكل حلو، لا، علشان الواد بيدو نور بيتنا امبارح، وكمان علشان المخفية مرات أخوكي ريحتنا منها أسبوع كامل. انفجرت خديجة ضاحكة، ثم اندفعت إلى أحضان والدتها. _أنا بحبك أوي يا ماما... ربنا يخليكي ليا يا رب. مسدت والدتها على شعرها بحنان، وقبلت رأسها. _ربنا يسعدك يا نور عيني... ويكتب لكِ اللي فيه الخير يا رب. ابتعدت خديجة عنها، ثم وقفت أمامها تفرك كفيها بتوتر. جلست والدتها على الكرسي، ورفعت عينيها إليها. _قولي يا حبيبتي... عايزة إيه؟ اقتربت خديجة وسحبت كرسيًا وجلست إلى جوارها. _هنزل أنا وحنان... نلف شوية في السوق، ويعني... توقفت، وأخفضت عينيها. _عبد الرحمن عايز يقابلني نظرت إليها والدتها طويلًا، ثم رفعت ذقنها وقالت بحزم الأم التي لا تريد لابنتها أن تخطئ خطوة واحدة: _هو ينفع يا بنتي؟ ييجي هنا يقول اللي هو عايزه، قدامنا... إنما تروحي تقابليه لوحدكم؟ لا يا خديجة. أسرعت خديجة: _ما هو حنان هتكون معايا. _ولو يا حبيبتي... مينفعش. وقبل أن ترد، جاء صوت خالد من خلفهما: _صباح الخير. التفتت والدته إليه. _صباح النور يا حبيبي. اتجه خالد إليها، ثم قال: _قولت لها يا ماما... عرفتيها إن عبد الرحمن طلب إيدها؟ ارتجفت يد خديجة، فسقط الكوب من بين أصابعها واستقر فوق الطاولة. ضحكت والدتها، وقالت: _أهي حالتها ردت عليك. نظر خالد إلى أخته، التي اشتعلت وجنتاها خجلًا، ثم ابتسم لها. _خلاص يا ماما... اتأكدي منها. إحنا جيران، ومينفعش نقول كلمة ونرجع فيها. _حاضر يا حبيبي. لم تحتمل خديجة المزيد. نهضت سريعًا واتجهت إلى المطبخ، ووجهها يشتعل بحمرة الخجل بعد فترة... كانت خديجة تسير بجوار حنان بين المحلات، تحكي لها ما حدث بالأمس، من لحظة وصول عبد الرحمن وحتى طلبه يدها. صفقت حنان بيديها، ثم قالت بغمزة: _يعني بيدو كان واقع لشوشته فيكي، وأنا اللي كنت منشنة عليه! لكزتها خديجة في كتفها وهي تضحك. _اسكتي يا بت! واصلتا سيرهما حتى انتهتا من شراء ما تحتاجانه، ثم اتجهتا إلى الشاطئ. جلست خديجة على الرمال، وظلت تعبث بأطراف ثوبها. _جبتينا هنا ليه؟! _يمكن بيدو يجي مثلًا شعرت بالحزن واجابتها لا مش هيجي، أنا قولت لماما إني مش هقابله.. وبعت له رسالة على كدا نظرت إليها حنان وضحكت: _يا بنتي، الراجل قاصد خير. جالك البيت من بابه، وقال إنه عايزك في كلمتين... نهضت وهي تنفض يديها. _يلا، أنا هسيبك هنا وأقعد هناك، أصله جاي. ثم التفتت إليها بتحذير مرح: _وبلاش كل كلمة تجري تقوليها لمامتك... يا خيبة ذهلت خديجة مما فعلته، وصل عبد الرحمن اليها، اقترب منهما، وألقى السلام. _السلام عليكم. ردت حنان، ثم قالت وهي تشير إلى مكان قريب: _هقعد جنبكم هنا... بس متتأخروش. _شكرًا يا حنان. أومأت، ثم ابتعدت سريعًا. ظلت خديجة تتابعها بعينين مذهولتين، ثم استدارت إلى عبد الرحمن. _إنت كنت متفق معاها؟ أنا مش قولت لك مش هينفع؟ ابتسم عبد الرحمن، لكنه لم يرد على عتابها، بل أشار إلى المكان أمامه. _اقعدي يا خديجة. جلست على مضض، بينما جلس أمامها، وظل للحظات ينظر إلى البحر. كان واضحًا أن هناك شيئًا أثقل من مجرد حديث عابر. قال بهدوء: _فيه كلمتين عايز أقولهم لكِ قبل ما تقولي رأيك في جوازنا. رفعت عينيها إليه. _قول. أخرج عبد الرحمن علبة سجائره، وأشعل واحدة، ثم أخذ نفسًا قصيرًا. ظلت خديجة تراقبه دون أن تشعر. وفجأة خرج صوتها عفويًا، قبل أن تلحقه: _السجاير هتضر صحتك يا عبد الرحمن. توقف. ثبتت السيجارة بين أصابعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. وفي تلك اللحظة...لم يسمع سوى جملة بسيطة. لكن قلبه سمع اعترافًا كاملًا. هي خائفة عليه. ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيه، وامتلأت عيناه بشيء من الفرح الذي لم يستطع إخفاءه. _خايفة عليَّ؟ اتسعت عيناها، وكأنها أدركت للتو ما قالته. _طبعًا. خرجت منها الكلمة سريعة، صادقة، بلا حساب. ابتسم أكثر، ثم أطفأ سيجارته قبل أن يكملها، وأسند ظهره إلى المقعد. أما هي، فخفضت عينيها إلى الرمال، وقلبها يطرق صدرها بعنف. قال عبد الرحمن بصوت هادئ: _خديجة... رفعت عينيها إليه. _عايزك تسمعيني للآخر... من غير ملل، ومن غير ما تحكمي على كلامي قبل ما أخلص. تأملها لحظة، ثم تابع: _لأن اللي هقوله لك دلوقتي... هو أهم كلام هقوله في حياتي. _قلقتني هز رأسه وقال _لا... طبعًا، طول ماانا موجود اوعي اسمع الكلمة دي