زهرة الربيع ١

يوم طلاقي ابويا حلف لطليقي وقاله بنتي هجوزها لاول حد يطلبها حتى لو كلب ، قام جارنا المجذوب قال انا اتجوزها، واتصدمت صدمة عمري لما ابويا وافق عليه ، بس الصدمه الحقيقيه كانت اللي عمله العريس ليلة الفرح قدام طليقي واهله !!!!
من أول يوم جواز شفت الوش الحقيقي ل حمدي طليقي ولأمه وأخته. أمه كانت بتعاملني كأني خدامة، وأخته بتزرع بيني وبينه السم في كل كلمة، وهو كان شخص بلا شخصية، ماشي وراهم وبس. حياتي معاهم كانت جحيم يومي، لحد ما أهلي قرروا يتدخلوا ويخلصوني منه. بس هو وأمه ما سابوناش في حالنا، بقوا يتعمدوا يضيقوا العيشة علينا، يذلوني، ويضغطوا على أعصاب أبويا لحد ما وصلنا لمرحلة إننا بقينا نتمنى يطلقوني، حتى لو هتحرم من كل حقوقي؛ مؤخر، قائمة، أي حاجة.. المهم أخلص من السجن ده.
ويوم الطلاق، بعد عذاب وسحل في المحاكم والقعدات العرفية، الطلاق تم رسمياً. بس طليقي مكنش يقدر يخرج من البيت من غير ما يسيب بصمته الحقيرة. وقف على باب بيتنا، وبص لأبويا بابتسامة مستفزة وسخرية تقرف وقال:
”مبروك عليكم الطلاق! عقبال ما تلاقولها عريس كويس بقى.. يكون من نفس مستوايا!”
ابويا عصبي ذياده دمه فار وحلف من غير تفكير وقال”عهد عليا قدام الله .. لأجوزها لأول واحد يطلبها، حتى لو كان كلب في الشارع! هيكون أحسن وأوفى منك ومن أصلك!”
وفي نفس اللحظة دي.. كان واقف على باب الشقة واحد جارنا.. شاب اسمه صلاح. صلاح ده في منطقتنا كل الناس عارفين إنه “مجذوب” أو مجنون.. بيمشي في الشارع يكلم نفسه، هدومه دايماً مقطعة ومتسخة، شعره منكوش، ودقنه طويلة .. دايماً سايب اهله وبيته و بيتسول من الناس عشان ياكل أو ياخد حتة حاجة حلوة. وأنا كنت دايماً بعطف عليه، أطلع له أكل نظيف، وأديله حاجة حلوة وأبتسم في وشه وأقوله “ربنا يفك كربك يا صلاح”.
صلاح، أول ما سمع كلام أبويا، عينيه برقت، وجري خطوات لقدام وزعق بصوت طفولي حاد:
”أنا.. أنا! أنا هتجوز نوال…انا اتجوزها واحبها!”
طليقي أول ما سمع الكلمة دي، فطس على نفسه من الضحك..بقى يضحك ساعه مش راضي يسكت وقال والله ده اخرها فعلا
أبويا من غيظه زعق فيه بعصبية ”غور من بيتي يا ندل! وملكش دعوة بنتي تتجوز مين.. أنا حلفت قدام ربنا وموافق عليه ايه رايك ان ده عندي احسن منك يا وسخ!”
طليقي مشي وهو بيضحك بصوت عالي مسموع في الشارع كله. وأبويا بص لصلاح وقال له بجدية ”روح قول لأهلك وتعالى.. وهجوزهالك يا صلاح.”
صلاح نط في الهواء زي الأطفال، وجري على بيته وهو مبسوط وبيصرخ فرحان. أنا وقتها وقفت مصدومة، دموعي اتجمدت في عيني، وصرخت في أبويا:
”انت بتقول ايه يا بابا؟! اتجوز صلاح ازاي؟! انت عارف حالته وعارف إنه مجنون!”
بص لي بنظرة واحدة قطعت قلبي:
”عايزاني أوقع يميني على الأرض؟ هتكسري كلمتي؟”
مقدرتش ارد وكنت هموت من الصدمه جريت على أوضتي، اترَميت على السرير وبكيت بحرقه.. أمي حاولت مع أبويا بكل الطرق، اترجته، بكت، بس أبويا كان بيقول؛ هوفي بحلفي يعني هوفي.
ومرت الأيام بسرعة مرعبة، وأبويا عمل الفرح! فرح في حارتنا.. واكتملت المأساة لما طليقي عرف إن أبويا مبيهزرش وإنه فعلاً هيجوزني للمجذوب. جاب أمه وأخته وجم الفرح، مش عشان يباركوا، عشان يقلبوه ضحك وتريقة ويهينونا قدام المنطقة كلها.
دخلت أمه وبصتلي وأنا قاعدة في الكوشة ، وقالت بصوت عالي عشان الكل يسمع:
”ده آخرك يا حلوة! مين كان هيستحملك غير مجنون؟ ابني عشان عاقل وبيفهم طلقك ورماكي!”
وأخته ضحكت وقالت
”مبروك يا عروسة.. الصباحية بقى في السرايا الصفرة ولا فين؟”
ردت أمها بسخرية:
”لا يا بت ده هياخدها عند الإشارة يشحت بيها.. هههههه!”
قعدوا يضحكوا بصوت عالي، والناس بتتفرج علينا، وأنا كنت ببكي في الكوشة بحرقة، قلبي بيتقطع، وببص لأبويا اللي كان واقف وشة أحمر ومتعصب، بس ساكت، باصص قدامه كأنه مش شايفهم، وكأنهم هوا معدي قدامه بس النار بتمسك فيه من جوة.
وفجأة.. طلع طليقي بنفسه على الكوشة، و السخرية مش مفارقه وشه، وقرب مني وقال بضحكة :
”مبروك يا حلوة.. يتربى في عزك!”
وبعدين لف ومد إيده يسلم على صلاح العريس، اللي كان قاعد جنبي بهدومه اللي أهله بالعافية لبسوهاله، وقاله :
”مبروك يا عريس.. عقبال لما تجيبوا مجانين صغيرين شبهكم!”
الكل في الشارع كان بيضحك.. الكلمة هزت المكان، وفي اللحظة دي بالذات.. حصلت المفاجأة اللي صدمت الكل! اللي حصل وقتها خلا طليقي وأمه وأخته يقفوا زي التماثيل…. صدمة عمرها ما خَطَرَت على بالهم ولا على بال اي بشر!!!!!!
في اللحظة دي بالذات، صلاح العريس مسك إيد طليقي حمدي اللي كانت ممدودة له. بس المساكة مكنتش مسكة واحد مجذوب أو خايف، كانت مسكة إيد حد قوية، ناشفة، وفيها غل وثقة مش طبيعية. صلاح رفع رأسه، ونظرة عينيه اتغيرت تماماً؛ التوهان اللي كان فيها اختفى، ودقنه اللي كانت مسرح للحشرات والنظرات البريئة اتحولت لملامح راجل حاد وجاد بشكل يرعب.
صلاح ضغط على إيد حمدي بقوة خلّت عظام إيد حمدي تطقطق تحت صوابعه. حمدي صرخ بوجع ووشه احمر:
”ايه يا مجنون انت! سيب إيدي! انت اتجننت بجد ولا ايه؟!”
صلاح وقّف طوله، وشده من إيده يقربه منه، وبص في عينيه بصوت هادي، بس يرعب الأبدان، صوت رجولي، واثق، وخالي تماماً من الترتهة أو صوت الأطفال اللي كان بيكلم بيه الناس:
”المجنون ده.. هو اللي هيعرفك يعني ايه رجولة يا حمدي. وهو اللي هيحاسبك على كل نقطة دموع نزلت من عين نوال.”
الشارع كله سكت. الضحك والتريقة اللي كانوا ماليين المنطقة اتخرسوا في ثانية. الناس بقت تبص لبعضها بذهول، وأمي وأبويا وقفوا متنحين مش فاهمين حاجة. أخت حمدي وأمه ضحكهم اتجمد على وشهم وتحول لعلامات استفهام ورعب.
حمدي حاول يسحب إيده بكل قوته، بس صلاح كان زي السد المنيع، وقرب من ودنه وقال بصوت مسموع للكل:
”انت فاكر إنك لما تظلم وتفتري وتذل بيت راجل طيب وتخرج منه تتباهى بنذالتك.. ربنا هيسيبك؟ لا يا حمدي.. أنا كنت شايفك، وعارف كل قذارة عملتها انت وأمك وأختك في البنت الطاهرة دي. والنهارده جه الوقت اللي الحساب فيه يتدفع كاش.”
أمه جريت وهي بتزعق وتصوت:
”الواد المجنون هيقتل ابني! لحقوا ابني من ايد الممسوس ده!”
في اللحظة دي، دخلت الحارة عربيتين سوداء من أحدث طراز، فخمين جداً، وقفت العربيات ونزل منها





