روايه روماني مكرم الجزء الاخير

## الجزء الخامس: حافة الهاوية
مرت الأيام التالية ثقيلة كالجبال. تحولت الحارة الهادئة إلى ساحة حرب باردة؛ نظرات الجيران عند خروجي لشراء مستلزمات البيت أصبحت كالسياط، وهمسات النساء على عتبات البيوت لا تتوقف. انقسمت العائلة إلى جبهتين: جبهة ترى أن محمود من حقه الزواج شرعاً وبنت عمه أولى به، وجبهة أخرى تقف مع سهام وأولادها وترى في هذه الخطوة طعنة للعشرة.
أما محمود، فقد تحول من ذلك الرجل الهادئ الاجتماعي إلى شخص حاد الطباع، يدخل ويخرج وعيناه لا تفارق بيتنا. لم يعد يذهب إلى عمله بانتظام، بل قاد حملة تحدٍّ ضد عائلة زوجته، رافضاً كل مساعي الصلح والمجلس العرفي الذي حاول كبار الحارة عقده.
في ليلة الجمعة، تفاقم الأمر بشكل لم يتوقعه أحد. أرسل حما محمود (والد سهام) رسالة مع أحد كبار العائلة يقول فيها: **”إما أن يطلق محمود ابنتنا ويرد لها كافة حقوقها ونفقة أولادها، أو ستصل القضية إلى المحاكم، ولن يرى أولاده مجدداً”**.
### المواجهة العائلية الشرسة
بدلاً من أن يتراجع محمود أو يفكر في عواقب الأمر، أخذته العزة بالإثم. صعد إلى بيتنا والشرر يتطاير من عينيه، ودخل إلى أبي في الصالون دون مقدمات.
قال بصوت متهدج من فرط الغضب:
“يا عمي، أهل سهام فاكرين لوي الدراع هيجيب نتيجة. أنا مش هطلق، ومش هسيب ولادي، وجوازي من بنتك هيتم الأسبوع الجاي.. أنا حجزت المأذون خلاص!”
انتفض أبي من مجلسه، وضرب بعصاه على الأرض بقوة قائلًا:
“جرى لك إيه يا محمود؟ إنت اتجننت؟ إزاي تحدد ميعاد وتجيب مأذون من غير ما تسمع رأيي ورأي بنتي؟ الجواز مش خناقة وعند يا ابن أخويا!”
تدخلت أمي قائلة ببكاء:
“يا ابني استهدي بالله، البنت مش موافقة تشوف وراها خراب بيوت ويُتم للولاد وهم أبوهم عايش.. سيبنا في حالنا يرحمك ويرحم ربنا!”
التفت محمود إليّ، وكنت واقفة عند باب الصالة أرتجف. نظر في عيني مباشرة وقال بنبرة رجاء ممزوجة بالتهديد:
“أنا شاري ورامي الدنيا ورا ظهري عشانك يا بنت عمي. لو رفضتي دلوقتي، هكون خسرت بيتي وأهلي وكرامتي قدام الناس كلها.. وافقي يا بنت عمي ونحط الكل قدام الأمر الواقع.”
### ليلة الحريق
خرج محمود وهو يغلق الباب خلفه بقوة هزت جدران البيت. وفي منتصف تلك الليلة، وبينما كنت أحاول تهدئة ابنتي الصغيرة التي استيقظت مرعوبة من كابوس، شممت رائحة غريبة تتسلل من الشباك المطل على المنور.




