أخو جوزي ج٣ الاخير

طلعت موبايلي، وفتحت الملفات. أنا من يوم ما بدأت أشك في حركاته، وأنا مشغلة “تطبيق تسجيل مكالمات” و”تطبيق تسجيل صوتي” بيشتغل تلقائي في البيت، كنت بعمل كده عشان أثبت لنفسي إني مش متهيألة، ومكنتش أعرف إن ده هيبقى طوق نجاتي.
شغلت التسجيل.. صوت محمود وهو بيكلم صاحبه في التليفون: “مرات أخويا دي حتة قشطة.. أنا وراها لحد ما أطوعها.. وأخويا مغفل”.
الصوت ملى الصالة، الصمت كان مطبق لدرجة إننا كنا سامعين صوت النفس. محمود وشه اتخطف، وعينيه بدأت تترعش. العم الكبير قام وقف، وقرب من محمود، وبص للتليفون، وبعدين بص لمحمود بنظرة كلها قرف:
ـ ده صوتك يا واد؟ ده صوتك وأنت بتهتك عرض أخوك؟
محمود حاول يبرر، صوته كان بيترعش:
ـ ده.. ده تركيب! تكنولوجيا.. هما مركبين الصوت!
أحمد ضحك بسخرية، وقرب منه:
ـ تكنولوجيا؟ طب وده؟
شغل أحمد تسجيل تاني، صوت محمود وهو بيحاول يكلمني في الضلمة، وهو بيقولي “مش فاضي للحاجات الصغيرة دي؟”. الصوت كان واضح جداً.
الرجالة كلهم قاموا وقفوا، العم الكبير جيه ناحية محمود واداله قلم على وشه خلى وشه يلف الناحية التانية.
ـ يا خسارة تربيتك! يا خسارة اللي صرفناه عليك! بتهتك عرض أخوك وبتتبلى على مراته؟ اطلع برا.. برا بيتي، وبرا البلد دي كلها، ولو شفت وشك تاني، لا أنا عمك، ولا أعرفك!
محمود مكنش عارف يعمل إيه، حاول يبص لعيلته، بس الكل كان بيطرده بنظراتهم. خرج محمود مطرود، ذليل، مهزوم، زي الكلب المذعور.
الصالة هديت، بس أنا كنت لسه حاسة بجرح كبير. أحمد جه ناحيتي، مسك إيدي وباسها قدام الكل:
ـ أنا أسف يا منى.. أسف على كل لحظة خفتِ فيها، وأسف إني مكنتش درعك الحقيقي من الأول. أنا هعوضك، وهنبدأ صفحة جديدة، بعيد عن أي حد.
أبويا بص لأحمد وقاله:
ـ يا ابني، البنت دي جوهرة، لو فرطت فيها تاني، لا أنا أبوك، ولا أنت تعرفني. البيت اللي يدخله الشيطان بسبب “الحمو”، لازم يتطهر، مش بس بكلمة، بس بتغيير البيت والعيشة.
أحمد هز راسه بأسف:
ـ أنا بعت شقتي يا عمي، وهننقل في مدينة تانية، بعيد عن كل ذكريات الوجع دي.
خدت نفسي بعمق، لأول مرة من شهرين، حسيت إن “الخمار” اللي كنت لابساه جوه بيتي عشان أخوه، خلاص ملوش لزمة، إني أخيراً هقدر ألبس اللي يريحني في بيتي، إني هقدر أمشي من غير ما أبص يمين وشمال، إني هقدر أعيش..
بس وأنا خارجة من البيت مع أحمد، والبلد كلها بتبصلي بنظرة اعتذار واحترام، لمحت في ركن بعيد، عربية محمود وهي بتتحرك، وشفت نظرة في عينيه من ورا الإزاز.. نظرة وعيد، نظرة شيطان لسه ماخلصش انتقامه.
ركبنا العربية، أحمد سايق وساكت، وأنا ببص للشجر اللي بيجري ورا الإزاز، ومكة نايمة في حضني. سألت أحمد:
ـ أنت فاكر إن الموضوع خلص؟
أحمد بصلي وبص للطريق، وسكت شوية وبعدين قال:
ـ اللي يخلص من شيطان، بيطلعله ألف غيره يا منى. بس المهم إننا بقينا سوا، وإننا كشفنا المستور.
ـ وأنا خايفة يا أحمد.. خايفة من نظرة عينه الأخيرة.
أحمد مسك إيدي وضغط عليها:
ـ طول ما إحنا مع بعض، مفيش حاجة هتقدر تفرقنا.
سكتنا، الطريق كان لسه طويل، والسواد اللي ورا الجبال كان بيخبي أسرار تانية. محمود مكنش النوع اللي يستسلم، وأنا كنت عارفة إن اللي جاي مش هيكون مجرد مواجهة في بيت، اللي جاي هيكون معركة حقيقية على حياتنا..
وصلنا المدينة اللي هنعيش فيها، بيت جديد، حياة جديدة، بس إحساس القلق لسه موجود.. لسه بسمع صوت التخبيط على الباب في نص الليل، لسه بشوف خيال محمود في الضلمة..
وفي ليلة، وأنا نايمة في بيتنا الجديد، سمعت صوت حاجة بتقع في المطبخ.. قمت مرعوبة، مسكت تليفوني، وبصيت على الكاميرا اللي أحمد ركبها في كل ركن من أركان البيت..
اللي شفته على شاشة التليفون خلاني أتجمد في مكاني، مكنش محمود، كان حد تاني.. حد عرف مكاننا.. حد بعته محمود عشان يكمل المهمة اللي بدأها.. والمهمة المرة دي مكنتش “طوعني”، المهمة كانت الانتقام النهائي.. ووو…!!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *