محمد نور ٢

القسم الثاني والأخير
لم يظهر عمر حتى النهاية.
كنتُ جالسًة في البهو عندما فُتحت أبواب المصعد، ورأيته.
وللحظة تذكر جسدي كله من كنتُ وأنا بجواره.
كان يبدو أنحف، دون رابطة عنق، وظهر شيب جديد عند صدغيه.
وقف على بعد عدة أمتار ولم يتقدم.
— هدى.
كنتُ قد نسيتُ كم مضى من الوقت لم أسمع فيه اسمي بصوته.
— عمر.
نظرت سارة إلينا وقالت:
— هذا الموقف محرج!
ضحكنا كلينا دون قصد.
أخذت الفتاة حقيبتها وقالت:
— سأذهب لأشتري شوكولاتة.
— سارة…
— عمري تسع سنوات ولستُ ثلاث سنوات!
ومضت بدراماتيكية.
بقينا وحدنا.
— شكرًا لأنك سمحت باللقاء، قلتُ.
— لا داعي لشكركِ على رؤية ابنتكِ.
— ربما في السابق نعم.
تلقى الضرب دون أن يدافع عن نفسه:
— نعم.
تفاجأتُ بجلابته.
— لماذا اشتريتَ المشتل؟
— لأنني كنتُ أعلم أنكِ تفتقدينه.
— ولماذا لم تخبرني؟
خفض عمر نظره:
— ظننتُ أنني سأفاجئكِ به يومًا ما بعد ترميمه.
— يومًا ما؟
— عندما أجد الوقت.
ضحكتُ بمرارة:
— كان هذا هو زواجنا بالكامل يا عمر: “يومًا ما”. يومًا ما ستعودين للدراسة، يومًا ما ستعملين، يومًا ما سنسافر دون اجتماعات، يومًا ما سنعود كما كنا.
شعرتُ بالدموع:
— بينما كنتَ تنتظر اللحظة المثالية لتعيد إليّ حياتي، كنتُ أنا أفقدها.
أغلق عينيه:
— أعلم.
— لا، الآن فقط تعرف.
— معكِ حق.
جواد آخر لم أكن أتوقعه.
— قضيتُ أسابيع أحاول معرفة متى بدأ كل شيء.
— لا يوجد تاريخ محدد.
— بل يوجد تاريخ بالنسبة لي.
نظرتُ إليه:
— متى؟
— اليوم الذي تركتِ فيه الجامعة.
تفاجأتُ:
— كان ذلك بقراري.
— هكذا ظننتِ.
— بل كان كذلك.
— لا.
انكسر صوته لأول مرة:
— قلتُ لكِ إن سارة تحتاج لاستقرار، قلتُ لكِ إن الأيام أمامكِ، قلتُ لكِ يمكنكِ الإكمال لاحقًا.
بلع ريقه:
— جعلتُ التخلي يبدو وكأنه الخيار المسؤول… ثم عينتُ المزيد من الموظفين، وألغيتُ المشاكل، وحميتكِ من كل شيء…
ابتسم دون مرح:
— حتى حميتكِ من أن تكون لكِ حياة.
كانت عيناي تحترقان:
— لماذا؟
جاءت إجابته شبه همس:
— لأنني كنتُ خائفًا.
— خائفًا من ماذا؟
— من أن تكتشفي أنكِ تستطيعين العيش بدوني.
سقطت تلك الجملة بيننا: خمس سنوات من الصمت اختُصرت في عبارتين.
— وفي النهاية، استطرد، حققتُ ذلك بالظبط.
لم نعد معًا.
ينتظر الناس أن تنتهي قصص الحب بالمصالحة أو المأساة، لكن قصتنا انتهت بحدود:




