محمد نور ٢

دفعنا المناصفة، وهو أمر أزعجه جدًا، ولهذا أصررتُ عليه!
عند الوداع لم يحاول تقبيلي:
— تصبحين على خير يا هدى.
— وأنت بخير.
مشيتُ عشر خطوات ثم ناديتُه:
— عمر.
التفت:
— الأسبوع القادم أعرِف مكانًا أفضل.
تغير وجهه قليلاً، لكنني كنتُ أعرفه بما يكفي لأعرف ماذا تعني تلك الابتسامة الصغيرة.
— هل هذه دعوة؟
— لا تفسد اللحظة!
— فهمت.
بعد ثلاث سنوات من هروبي، وجدت سارة الهوية المزيفة القديمة داخل صندوق:
— من هي مريم العلي؟
بقيتُ أنظر إلى تلك الصورة: المرأة بشعر مرفوع، وجه شاحب، وعينين مليئتين بالخوف والأمل.
— صديقة.
عقدت سارة حاجبها:
— تشبهكِ كثيرًا!
— نعم.
أخذتُ الوثيقة:
— ساعدتني في وقت صعب.
— وأين هي الآن؟
نظرتُ من النافذة: كان المشتل مليئًا بالناس، أمينة تتجادل مع مورد، صفاء تعلم زوجين نقل شجرة ليمون، وعمر بالخارج والطين على قميصه يحاول إقناع سارة بأننا لا نحتاج لشراء قط آخر، بينما تجاهلت ابنتي كل حججه.
ضحكتُ وقلت:
— أظن أن مريم لم تعد بحاجة للاختفاء.
مزقتُ الهوية إلى أربعة أجزاء… ليس لأنني أردتُ محو الماضي، بل لأنني لم أعد بحاجة إلى ذلك الاسم لأشعر بالأمان.
أحيانًا ما زلتُ أحلم بليلة القطار.
أسمع العجلات على السكة، أرى الأضواء تبتعد، وأشعر بقلبي يدق في صدري.
أتذكر أنني فكرتُ حينها: “أخيرًا أنا حرة”.
لفترة طويلة ظننتُ أن الحرية بدأت عندما اختفت المدينة خلف النافذة… وكنتُ مخطئة.
الهروب فتح بابًا فقط، أما الحرية فجاءت بعد ذلك: عندما تعلمتُ كيف أكسب مالي بنفسي، عندما عدتُ للدراسة، عندما استطعتُ القول لابنتي إنني أخطأت، عندما استطعتُ النظر إلى عمر دون خوف ولكن دون حاجة للانتماء إليه، عندما تقبلتُ أن أحدهم قد يحبني ومع ذلك يؤذيني، عندما فهمتُ أن المسامحة لا تعني العودة إلى المكان الذي هربتُ منه…
وقبل كل شيء، عندما استرددتُ شيئًا كنتُ قد سلمتُه ببطء دون أن أشعر: القدرة على الاختيار.
في صباح من أيام أبريل، وصلتُ مبكرًا إلى المشتل.
كانت الشمس تخترق الزجاج، والياسمين بجوار المدخل قد أزهر لتوه.
قطفتُ أجمل زهرة وأمسكتُها بين أصابعي.
قبل خمس سنوات خرجتُ من قصر وفي يدي زهرة مثلها، حينها لم أكن أعرف إلى أين أذهب، ولا كيف سأدفع إيجار غرفة، ولا متى سأرى ابنتي، ولا حتى من أكون.




