القسم الثاني والأخير لم يظهر عمر حتى النهاية. كنتُ جالسًة في البهو عندما فُتحت أبواب المصعد، ورأيته. وللحظة تذكر جسدي كله من كنتُ وأنا بجواره. كان يبدو أنحف، دون رابطة عنق، وظهر شيب جديد عند صدغيه. وقف على بعد عدة أمتار ولم يتقدم. — هدى. كنتُ قد نسيتُ كم مضى من الوقت لم أسمع فيه اسمي بصوته. — عمر. نظرت سارة إلينا وقالت: — هذا الموقف محرج! ضحكنا كلينا دون قصد. أخذت الفتاة حقيبتها وقالت: — سأذهب لأشتري شوكولاتة. — سارة... — عمري تسع سنوات ولستُ ثلاث سنوات! ومضت بدراماتيكية. بقينا وحدنا. — شكرًا لأنك سمحت باللقاء، قلتُ. — لا داعي لشكركِ على رؤية ابنتكِ. — ربما في السابق نعم. تلقى الضرب دون أن يدافع عن نفسه: — نعم. تفاجأتُ بجلابته. — لماذا اشتريتَ المشتل؟ — لأنني كنتُ أعلم أنكِ تفتقدينه. — ولماذا لم تخبرني؟ خفض عمر نظره: — ظننتُ أنني سأفاجئكِ به يومًا ما بعد ترميمه. — يومًا ما؟ — عندما أجد الوقت. ضحكتُ بمرارة: — كان هذا هو زواجنا بالكامل يا عمر: "يومًا ما". يومًا ما ستعودين للدراسة، يومًا ما ستعملين، يومًا ما سنسافر دون اجتماعات، يومًا ما سنعود كما كنا. شعرتُ بالدموع: — بينما كنتَ تنتظر اللحظة المثالية لتعيد إليّ حياتي، كنتُ أنا أفقدها. أغلق عينيه: — أعلم. — لا، الآن فقط تعرف. — معكِ حق. جواد آخر لم أكن أتوقعه. — قضيتُ أسابيع أحاول معرفة متى بدأ كل شيء. — لا يوجد تاريخ محدد. — بل يوجد تاريخ بالنسبة لي. نظرتُ إليه: — متى؟ — اليوم الذي تركتِ فيه الجامعة. تفاجأتُ: — كان ذلك بقراري. — هكذا ظننتِ. — بل كان كذلك. — لا. انكسر صوته لأول مرة: — قلتُ لكِ إن سارة تحتاج لاستقرار، قلتُ لكِ إن الأيام أمامكِ، قلتُ لكِ يمكنكِ الإكمال لاحقًا. بلع ريقه: — جعلتُ التخلي يبدو وكأنه الخيار المسؤول... ثم عينتُ المزيد من الموظفين، وألغيتُ المشاكل، وحميتكِ من كل شيء... ابتسم دون مرح: — حتى حميتكِ من أن تكون لكِ حياة. كانت عيناي تحترقان: — لماذا؟ جاءت إجابته شبه همس: — لأنني كنتُ خائفًا. — خائفًا من ماذا؟ — من أن تكتشفي أنكِ تستطيعين العيش بدوني. سقطت تلك الجملة بيننا: خمس سنوات من الصمت اختُصرت في عبارتين. — وفي النهاية، استطرد، حققتُ ذلك بالظبط. لم نعد معًا. ينتظر الناس أن تنتهي قصص الحب بالمصالحة أو المأساة، لكن قصتنا انتهت بحدود: حضانة مشتركة، علاج أسري، بيت لسارة في أسوان وآخر قرب مدرستها. وقواعد قبلها عمر نفسه: لن يرسل أحدًا ليتتبعني مجددًا. لن يراجع حساباتي. لن ينظم جدول أعمالي. ولن يشتري عقارات باسمي دون أن يسألني. وأنا سأتوقف عن الهروب قبل أن أقول ما أحتاجه... ليس من أجله، بل من أجلي. لأن الاختفاء كان ضروريًا مرة، ولن أجعله وسيلتي الوحيدة للنجاة. بعد ستة أشهر استرددتُ اسمي قانونيًا: "هدى النجار". مريم العلي بقيت خلفي. لم أنسَها؛ فـ "مريم" كانت المرأة التي صعدت ذلك القطار، التي أعارتني اسمًا عندما لم أكن أستطيع حمل اسمي. بالمال الذي حوله عمر، فعلتُ شيئًا لم يكن يتوقعه: أرجعتُ كل شيء تقريبًا، لكنني قبلتُ المشتل. سألني أحمد إن كنتُ متأكدة: — نعم. — يمكنكِ اعتباره جزءًا من المؤخر أو التسوية. — لا. ابتسمتُ: — أعتبره دينًا من الماضي. استغرق ترميمه نحو عام. أصبحت صفاء شريكة لي، وكانت أمينة تظهر كل صباح رغم ألا أحد عينها. دهنت سارة اليافطة، فجاءت مائلة قليلاً، ولم نسمح لأحد بتعديلها. في يوم الافتتاح كان هناك أكثر من مائتي نبات: أوركيد، جاردينيا، لافندر، وبجوار المدخل ياسمين... ياسمين كثير جدًا. سمينا المكان: "الربيع الثاني". وتحته بخط صغير: "مشتل وورش هدى النجار". بقيتُ أنظر إلى اسمي وقتًا طويلاً، ولم يكن أحد يفهم لماذا أبكي. وصل عمر في الرابعة عصرًا. بمفرده، دون سائق، ولا مساعد، ولا حراس ظاهريين. كان يحمل أصيصًا صغيرًا: — هدية. نظرتُ إليه: كانت أوركيد بيضاء، نفس النوع الذي اشتراه يوم التعارف. — هل قرأتَ التعليمات جيدًا هذه المرة؟ — لا. — إذن ستنفق في أسبوعين. — ظننتُ أن بإمكانكِ تعليمي. تأملتُه. كان قد تغير، ليس بالطريقة الدراماتيكية التي تحدث في الأفلام؛ فما زال يعمل كثيرًا، وما زال يريد التحكم في كل شيء، وما زال يتحدث وكأن المحادثات مفاوضات. لكنه الآن يتوقف، يسأل، ويستمع. وعندما ينسى فعل ذلك، تتكفل سارة بتذكيره. — بابا! صرخت من الخلف، ماما قالت ألا تضع تلك الصندوق هناك! أزاح عمر الصندوق فورًا. نظرت إليّ صفاء وقالت: — مدرب جيدًا! ضحكتُ، وتظاهر هو بأنه لم يسمع. في تلك الليلة، بعد إغلاق المشتل، جلست سارة معي على الدرج: — ماما... — نعم؟ — هل ما زلتِ تحبين بابا؟ أسئلة الأطفال لا تأتي أبدًا وأنت مستعد. فكرتُ كثيرًا قبل أن أجيب: — نعم. فتحت سارة عينيها: — إذن لماذا لا تعودان؟ — لأن حب شخص ما لا يعني دائمًا أن عليكِ العيش معه. — هذا معقد جدًا! — جدًا. — أنا أحب البيتزا واستطيع العيش مع البيتزا! — لثلاثة أيام. — لخمسة. — ليومين. — لأربعة. احتضنتُها. ثم سألت: — وهل بابا ما زال يحبكِ؟ نظرتُ نحو الطريق: كان عمر يقف بجوار السيارة ينتظر أن تنهي سارة كلامها، لم يكن ينظر في الهاتف، كان فقط ينتظر. — نعم. — إذن أنتم غريبو الأطوار! — وهذا صحيح أيضًا. مرّ عامان. كبر المشتل، وفتحنا مقهى صغيرًا، وبدأتُ أقدم ورشًا في الزراعة، وأخيرًا أنهيتُ دراستي. أول مرة مسكتُ فيها شهادتي، فكرتُ في الفتاة ذات الأربعة والعشرين عامًا التي وصلت وحيدة إلى مدينة ضخمة بفستان كتان ودبوس صندل وأحلام كثيرة. ظننتُ أنني فقدتُ تلك الفتاة، لكنها كانت فقط تنتظر. علاقتي بعمر وجدت شكلًا جديدًا: لسنا زوجين، ولسنا أعداء. كنا شخصين أحبا بشكل خاطئ ويتعلمان كيف يحبان بطريقة مختلفة. في بعض الأماصل كنا نشرب القهوة، نتحدث عن سارة، وأحيانًا نتحدث عنا... دون الحديث عن العودة أبدًا. حتى بعد ظهر يوم من أيام الربيع، كان يساعدني في نقل بعض الأحواض: — عليّ أن أقول لكِ شيئًا. — هذا لا يبدو خيرًا أبدًا! — عرضوا عليّ إدارة الفرع الأوروبي. — مبروك. — رفضتُه. وضعتُ الأصيص: — من أجل سارة؟ — جزئيًا. انتظرتُ. — ولأنني لفترة طويلة خلطتُ بين التقدم والإبتعاد عن كل ما هو مهم. تأملتُه: — لا ترفض حياتك لتكفير عما حدث معي. — لا أفعل ذلك. — عمر... — هدى... ابتسم وقال: — لأول مرة أنا أختار. تلك الكلمة جعلتني أبتسم: "أختار". كان أمرًا عجيبًا، فبعد كل هذه السنوات كان هذا هو الشيء الوحيد الذي أردناه كلينا. لم نعد في ذلك اليوم، ولا في اليوم التالي، لكن بعد أشهر قبلتُ أن أتأشى معه... ليس كطليقين، ولا كوالدين لسارة، بل كـ "عمر وهدى". تأخر عشر دقائق، وكنتُ على وشك الرحيل. — الزحام. — حجة ضعيفة. — أعلم. سلمني زهرة ياسمين واحدة: — ما هذا؟ — لم أعرف ماذا أهدي لامرأة تمتلك مشتلًا! — لا شيء كان سيكون خيارًا ممتازًا. — ما زلتُ أتعلم. خبأتُ الزهرة. تعشينا في مطعم صغير، دون صالات خاصة ولا حراس. دفعنا المناصفة، وهو أمر أزعجه جدًا، ولهذا أصررتُ عليه! عند الوداع لم يحاول تقبيلي: — تصبحين على خير يا هدى. — وأنت بخير. مشيتُ عشر خطوات ثم ناديتُه: — عمر. التفت: — الأسبوع القادم أعرِف مكانًا أفضل. تغير وجهه قليلاً، لكنني كنتُ أعرفه بما يكفي لأعرف ماذا تعني تلك الابتسامة الصغيرة. — هل هذه دعوة؟ — لا تفسد اللحظة! — فهمت. بعد ثلاث سنوات من هروبي، وجدت سارة الهوية المزيفة القديمة داخل صندوق: — من هي مريم العلي؟ بقيتُ أنظر إلى تلك الصورة: المرأة بشعر مرفوع، وجه شاحب، وعينين مليئتين بالخوف والأمل. — صديقة. عقدت سارة حاجبها: — تشبهكِ كثيرًا! — نعم. أخذتُ الوثيقة: — ساعدتني في وقت صعب. — وأين هي الآن؟ نظرتُ من النافذة: كان المشتل مليئًا بالناس، أمينة تتجادل مع مورد، صفاء تعلم زوجين نقل شجرة ليمون، وعمر بالخارج والطين على قميصه يحاول إقناع سارة بأننا لا نحتاج لشراء قط آخر، بينما تجاهلت ابنتي كل حججه. ضحكتُ وقلت: — أظن أن مريم لم تعد بحاجة للاختفاء. مزقتُ الهوية إلى أربعة أجزاء... ليس لأنني أردتُ محو الماضي، بل لأنني لم أعد بحاجة إلى ذلك الاسم لأشعر بالأمان. أحيانًا ما زلتُ أحلم بليلة القطار. أسمع العجلات على السكة، أرى الأضواء تبتعد، وأشعر بقلبي يدق في صدري. أتذكر أنني فكرتُ حينها: "أخيرًا أنا حرة". لفترة طويلة ظننتُ أن الحرية بدأت عندما اختفت المدينة خلف النافذة... وكنتُ مخطئة. الهروب فتح بابًا فقط، أما الحرية فجاءت بعد ذلك: عندما تعلمتُ كيف أكسب مالي بنفسي، عندما عدتُ للدراسة، عندما استطعتُ القول لابنتي إنني أخطأت، عندما استطعتُ النظر إلى عمر دون خوف ولكن دون حاجة للانتماء إليه، عندما تقبلتُ أن أحدهم قد يحبني ومع ذلك يؤذيني، عندما فهمتُ أن المسامحة لا تعني العودة إلى المكان الذي هربتُ منه... وقبل كل شيء، عندما استرددتُ شيئًا كنتُ قد سلمتُه ببطء دون أن أشعر: القدرة على الاختيار. في صباح من أيام أبريل، وصلتُ مبكرًا إلى المشتل. كانت الشمس تخترق الزجاج، والياسمين بجوار المدخل قد أزهر لتوه. قطفتُ أجمل زهرة وأمسكتُها بين أصابعي. قبل خمس سنوات خرجتُ من قصر وفي يدي زهرة مثلها، حينها لم أكن أعرف إلى أين أذهب، ولا كيف سأدفع إيجار غرفة، ولا متى سأرى ابنتي، ولا حتى من أكون. أما في ذلك الصباح، فكان كل شيء مختلفًا. سمعتُ خطوات خلفي: — ماما؟ سارة... أصبح عمرها اثني عشر عامًا. — بابا يقول إننا سنتأخر. — أبوكِ يقول ذلك منذ عشر سنوات! ظهر عمر عند الباب: — تسع سنوات. — عشر سنوات عاطفيًا! قلبت سارة عينيها: — أنتما الاثنان لا تطاقان! وخرجت أولاً. بقي عمر بجواري، نظر إلى الزهرة وقال: — ياسمين. — قوة ملاحظة عالية! — تحسنتُ في النباتات. — نوعًا ما. ابتسم، ثم مد يده... لم يمسك يدي، ولم يفترض أن بإمكانه فعل ذلك، بل قدمها فقط. نظرتُ إلى تلك اليد، ثم نظرتُ إلى الباب المفتوح. قبل سنوات، كان أي طريق بجانبه يبدو وكأنه واجب، أما الآن فلا. الآن أستطيع القبول، أو الرفض... البقاء، أو الرحيل... حبه، أو المضي دونه. تلك كانت الفروق. أمسكتُ بيده... ليس لأنني بحاجة إليها، بل لأنني في ذلك الصباح أردتُ فعل ذلك. خرجنا معًا. قبل إغلاق المشتل، أدرتُ رأسي للمرة الأخيرة، ورأيتُ اسمي مكتوبًا فوق الباب: "هدى النجار". وفكرتُ في تلك الجملة التي قلتُها قبل سنوات: "لن تتصادف طرقنا مجددًا". في ذلك الوقت كنتُ بحاجة إليها، كنتُ بحاجة للتصديق بأن الوداع يجب أن يكون مطلقًا ليكون حقيقيًا. لكن الحياة نادراً ما تسير هكذا: بعض الناس يعودون، بعضهم يتغير، وآخرون لا... وأحيانًا من نكون بحاجة إلى التغيير نحن أنفسنا. لا أعلم إن كان لي ولعمر نهاية قصص خيالية، ولم يعد ذلك يهمني. لا أحتاج لوعود أبدية، ولا ألمس أقفاصًا ذهبية، ولا أريد لأحد أن يبني مستقبلي نيابة عني حتى لو كان بأطيب النيات. أريد صباحات العادية، وعملاً تحت أظافري، وأن أضل الطريق أحيانًا، وأن أختلف، وأختار، وأخطئ، وأبدأ من جديد. أريد لابنتي أن تكبر وهي تعلم أن حب شخص ما لا يعني أبدًا أن تختفي داخل حياته. وإذا سألتني يومًا متى بدأت حريتي، فأنا أعرف بماذا سأجيب: لم تكن عندما وقّعتُ عقد الطلاق، ولا عندما هربتُ من الفندق، ولا حتى عندما غادر ذلك القطار المدينة. حريتي بدأت قبل ذلك بكثير... بدأت في اللحظة التي نظرت فيها امرأة متعبة، أمام حقيبة شبه فارغة، إلى كل ما سمته يومًا "بيتًا"... وتجرأت على الفكر: "أنا أستحق أن أعود لأكون نفسي." بعد ذلك، كان الرحيل مجرد مسألة فتح الباب. النهاية خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد