عميت سنتين

عميت لمدة سنتين… ولما رجعلي بصري أخيرًا، أول حاجة شفتها دمرتني
أول حاجة شفتها…
بقالي سنتين وثلاث شهور وسبعتاشر يوم ما شفتش النور.
ولما الدكتورة د. هبة شالت آخر ضمادة من على عيني في مستشفى بالقاهرة، ما عيطتش على طول.
فضلت أبص للسقف الأبيض… بعدين لملامح البلطو الأبيض… وبعدها لإيدها وهي رافعة تلات صوابع قدام وشي.
قالت بابتسامة كام صباع يا مدام مريم؟
بلعت ريقي بصعوبة وقلت تلاتة.
ابتسمت الدكتورة.
أمي، اللي كانت قاعدة على شمالي، انفجرت في العياط.
أما أنا… فضلت ساكتة.
لأن النور كان بيوجع.
ولأن الألوان رجعت بسرعة مخيفة.
ولأن جوا المعجزة اللي الكل مستنيها… كان فيه خوف ما قلتوش لحد.
لمدة سنتين…
كنت عايشة في الضلمة، وصوت جوزي أحمد هو البوصلة الوحيدة.
هو اللي يقولي أحط إيدي فين…
الكوباية فين…
ألبس أنهي فستان…
مين زارني…
ومين نسي وجودي.
وأنا كنت بصدقه.
لأن الإنسان لما يفقد بصره…
بيتعلم يثق في الأصوات.
حتى لو كانت بتكدب.
في الصبح ده…
أحمد ماجاش المستشفى.
قالي إن عنده اجتماع مهم في المكتب، ووعدني إنه هييجي ياخدني الساعة ستة ومعاه ورد أبيض…
زي أول يوم.
لكن الدكتورة سمحتلي أخرج بدري.
قالت بهدوء ارجعي البيت على مهلك… وابعدي عن الإضاءة القوية… والأهم، بلاش أي انفعال النهارده.
كان المفروض أسمع كلامها.
أمي عرضت توصلني.
رفضت.
كنت عايزة أشوف بيتي لوحدي…
أشوف الحيطان اللي كنت حافظاها بإيديا قبل عيني.
أشوف السفرة اللي كنت بعجن عليها وأنا مش شايفة.
أشوف حياتي من أول وجديد.
ركبت تاكسي.
القاهرة كانت شكلها غريب…
العمارات…
الإشارات…
الناس…
كل حاجة كانت زاهية زيادة عن اللزوم.
وأنا طول الطريق بفكر في أحمد…
في وشه اللي ذاكرتي احتفظت بيه أصغر.
وفي صوته وهو بيقولي كل ليلة
متقلقيش يا مريم… أنا بقيت عينك.
الجملة دي كانت زمان بتطمني.
دلوقتي…
افتكرتها فحسيت ببرد يجري في جسمي.
طلعت السلم ببطء.
ولما وصلت قدام باب الشقة…
وقفت.
شميت ريحة قهوة.
وريحة برفان.

مش بتاعي.
ريحة فانيليا تقيلة.
فتحت الباب بالمفتاح.
الشقة كلها نور.
زيادة عن اللزوم.
الستاير مفتوحة…
والشبابيك مفتوحة…
وعلى الكنبة كان مرمي إيشارب أحمر من الحرير.
عرفته في ثانية.
أختي ندى…
عمرها ما لبست غير الأحمر.
ندى…
أختي الصغيرة.
اللي أحمد قالي من سنتين إنها سابت القاهرة وسافرت تعيش في إسكندرية بعد الخناقة اللي حصلت بينا.
كل مرة كنت أسأله عنها…
كان يتنهد ويقول
هي ما استحملتش تشوفك بالمنظر ده… بعض الناس بيهربوا من المصايب.
وكنت بعيط عليها.
وأدافع عنها.
وألتمسلها الأعذار.
وفجأة…
سمعت ضحكة.
ضحتها.
جاية من المطبخ.
قربت بهدوء.
كل خطوة كانت كأنها بتشق قلبي.
لحد ما وصلت لباب المطبخ.
وبصيت.
أحمد…
كان واقف بين رجلين أختي.
وندى كانت قاعدة فوق ترابيزة المطبخ…
لابسة الروب الأبيض بتاعي.
الروب اللي أحمد جابهولي بعد العملية.
وكان بيبوسها.
مش بوسة غلطة.
بوسة واحد راجع بيته.
إيده كانت عارفة جسمها كويس…
وهي بتضحك وبتلعب في شعره.
فضلت واقفة.
ساكتة.
العمياء…
بقت شايفاهم.
في اللحظة دي…
ما حسيتش بغضب.
حسيت ببرود مرعب.
بقعة قهوة على الرخامة.
مناكير أحمر.
موبايل أحمد جنب الحوض.
وعلى الشاشة رسالة مفتوحة.
هي عمرها ما هتشوف كويس علشان تفهم… أول ما نبيع كل حاجة هنمشي.
ندى سألته وهي بتشرب من مجي المفضل
متأكد إنها مش هترجع قبل الليل؟
ضحك أحمد وقال
مريم؟ دي من غيري ما تعرفش تنزل من العمارة.
ضحكت ندى.
إنت قاسي.
قال وهو بيهز كتفه
لأ… واقعي. هي معتمدة عليا في كل حاجة. وحتى لو بصرها بيتحسن، الدكتورة قالت هيشوف مجرد ظلال.
ساعتها فهمت.
أحمد…
ماكانش يعرف.
ماكانش يعرف إني شايفاه.
شايفة ضهره…
وشايفة الحزام…
وشايفة وش أختي…
وشايفة الحقيقة كلها.
قالت ندى
والأوراق؟
فتح درج وقال
كلها جاهزة. بكرة هقولها تمضي علشان نجدد التأمين. هي بتمضي في أي مكان بحط صباعها عليه.
نفسي اتقطع.
وسألته
وورث أمها؟
خفض صوته وقال
اتحول لحساب الإدارة. أول ما نثبت التوكيل العام… مش هيفضل باسمها حاجة. لا الشقة… ولا بيت الساحل… ولا نصيبها في المعرض.
في اللحظة دي…
فهمت.
هما ما سرقوش جوازي بس.
هما كانوا بيخططوا يسرقوا حياتي كلها.
إيدي شدت على مقبض الباب.
كنت أقدر أصرخ.
أو أكسر الكوباية.
أو أدخل أقولهم إن المعجزة حصلت.
لكن…
على الرخامة، جنب ماكينة القهوة…
كان فيه زجاجة بنية صغيرة.
عرفتها.
القطرة اللي أحمد كان بيدهالي كل ليلة.
وكان بيقولي إنها علشان تمنع الالتهاب.
قبلها بيوم…
الدكتورة قالتلي جملة غريبة
التحاليل فيها آثار مادة أنا ما كتبتهاش لحضرتك.
قربت خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
الأرض صرخت تحت رجلي.
أحمد لف.
ولما عينه جت في عيني…
وشه فقد لونه كله.
ندى صرخت وسحبت الروب عليها.
أنا مسكت الزجاجة.
قريت اللي عليها.
ماكانش اسمي.
ولا اسم أي دواء.
مجرد ورقة ملزوقة بسرعة.
ومكتوب بقلم أسود
جرعة ليلية… لإبطاء استعادة البصر.
اتحرك أحمد ناحيتي.
وقال بصوت مرتعش
مريم… حطيها مكانها.
رفعت عيني وبصيتله.
ولأول مرة من سنتين…
فهم إني شايفاه بوضوح.
ابتسمت.
مش لأني فرحانة.
لكن…
لأن لأول مرة…
هو اللي كان خايف.
وفي نفس اللحظة…
موبايلي اهتز.
رسالة من الدكتورة هبة ظهرت على الشاشة
ما تدخليش البيت لوحدك. نتائج التحاليل أكدت وجود تسميم متعمد. اتصلي بالشرطة فورًا.
حكايات_ميراااا
سيبوا لايك ومتنسوش الصلاة على النبي ﷺ
باقي القصة هتنزل هنا ابتسامتي اختفت ببطء.
وأنا لسه ماسكة الزجاجة، قلت بهدوء
يعني… أنا ما كنتش بتأخر في الشفا بسبب حالتي؟
ولا حد رد.
أحمد كان بيبص للموبايل في إيدي… وبعدين للرسالة… وعارف إن كل حاجة انتهت.
قال وهو بيحاول يقرب
اسمعيني يا مريم… الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
ضحكت ضحكة قصيرة.
بجد؟ أمال أشرحلي… كنت بتديني إيه كل ليلة؟
بلع ريقه وقال
الدكتور… كان…
قاطعته وأنا برفع الزجاجة قدامه.
اسم الدكتور إيه؟
سكت.
ندى كانت بترتعش وهي لابسة الروب بتاعي، وبعدين قالت
والله هو اللي قال لي إن العلاج عادي… أنا ماليش دعوة.
لفيت ناحيتها.
وإنتِ مالكيش دعوة وإنتِ لابسة هدومي… وعايشة في بيتي… ومع جوزي؟
نزلت عينيها في الأرض.
في اللحظة دي، سمعت صوت خطوات في السلم.
بعدها ثواني…
خبط قوي على باب الشقة.
افتح يا أستاذ أحمد… الشرطة.
وش أحمد اصفر.
بص لي بسرعة، وكأنه بيطلب مني أنقذه.
لكن فات الأوان.
فتحت الباب.
دخل ضابط ومعاه فردان من المباحث.
قال الضابط
مدام مريم؟
أيوه.
بلغتنا الدكتورة هبة، ومعانا إذن بضبط أي أدوية أو مستندات متعلقة بالبلاغ.
أشرت بإيدي ناحية الزجاجة.
دي اللي كان بيدهالي كل ليلة.
أخدها الضابط في كيس الأدلة.
وبعدين بص لأحمد.
حضرتك تستخدم الدواء ده بإشراف مين؟
اتلخبط أحمد.
أنا… أنا…
قال الضابط بهدوء
جاوب في القسم.
وأثناء تفتيش الشقة…
لقوا ملفًا داخل درج المكتب.
الملف كان باسمي.
وفيه توكيل عام مزور.
وعقود بيع للشقة.
وعقد تنازل عن نصيبي في معرض والدي.
وكلها عليها توقيعات تشبه توقيعي.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
يعني وأنا فاكرة إني بمضي على أوراق العلاج…
كنت بمضي على بيع حياتي.
بصيت لأحمد.
وقلت
كنت ناوي تسيب لي إيه؟
سكت.
ندى انفجرت في العياط.
وقالت
أنا آسفة… والله أحمد قال إنك مش هتخفّي أبدًا… وإن كل ده هيبقى باسمه في الآخر… وأنا صدقته.
بصيت لها.
ولأول مرة…
ما حسيتش إنها أختي.
كانت مجرد شخص اختار يبيع أخته مقابل الفلوس.
اقترب الضابط من أحمد.
وحط الكلبشات في إيده.
وقال
حضرتك متهم بالشروع في الإضرار بصحة زوجتك، والتزوير، والاستيلاء على ممتلكاتها.
وأنتِ يا مدام…
التفت إلى ندى.
هتفضلي معانا للتحقيق.
خرجوا الاتنين من الشقة.
وأول ما الباب اتقفل…
انهرت.
قعدت على الأرض أبكي.
مش على أحمد.
ولا على ندى.
بكيت على السنتين اللي ضاعوا من عمري…
وأنا فاكرة إني محاطة بأكتر اتنين بيحبوني.
بعد أسبوعين…
أكد تقرير الطب الشرعي إن الزجاجة كانت تحتوي على مادة تؤخر تعافي العصب البصري، واستعمالها من غير إشراف طبي كان ممكن يسبب ضررًا خطيرًا.
وأثبتت التحقيقات إن التوكيلات والعقود مزورة، وتم إيقاف أي تصرف في ممتلكاتي لحين انتهاء القضية.
رجعت أقف في شرفة بيتي.
أول شروق شمس أشوفه من سنتين.
الألوان كانت أهدى.
والنور ما بقاش بيوجع.
وقفت الدكتورة هبة جنبي بعد زيارة متابعة، وقالت بابتسامة
شايفة القاهرة عاملة إزاي؟
ابتسمت وأنا ببص للسماء.
وقلت
أول مرة أشوفها بجد…
لأني أخيرًا بقيت

لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *