ظنها دمية الجزء الاول سهام صادق

الفصل الأول
****
أشتد هبوب الرياح هذه الليله كما أذاعت عنه نشرات الأخبار عبر جميع القنوات المحلية.
بدأت الأمطار في هطولها تُصاحبها أصوات الرعد ووميض البرق
– اقفلي الشباك كويس يا ليلى ، اه ضهرك وجعني خلاص انزلي بقى
هتفت بها زينب المنبطحة أرضاً، فاسرعت ليلى بالهبوط حانقة من تذمرها ، فلما تقطع عليها لحظات تأملها.. هي تعشق هذه الأجواء، تشعر وكأن حياتها تشبهها
ألم يروا في أفلام السينما التي تحكي عن معاناتهم إنهم يجدوهم بهذه الليالي الممطرة ملقون في الطرقات بعدما تتركهم من أنجبتهم نادمة على خطيئتها
– طبعا عشان أنتِ الطويلة لازم تتطلعي فوق ضهري وتقفلي الشباك
تمتمت بها زينب متذمرة، فمنذ أن كانوا صغار وهذه هي مهمة كل منهن.. أحداهن تجثو على ركبتيها منبطحه والأخرى تصعد فوق ظهرها لتتولى المهمة
– اعملك إيه ما أنتِ قصيرة
– كفايه رغي مش قفلتوا الشباك خلونا نعرف ننام
رمقتها ليلى بنظرات ماقته، فتلك العلكة كما تنعتها دوماً ما تثير حنقها
– أهي اكتر واحده هرتاح منها بعد ابله كريمه .. يا ساتر أمتى بقى الأيام تعدي وأخرج للدنيا واروح لعمي المليونير اللي فاكر إنه اتخلص مني
وسرعان ما كانت تدس يدها في المكان الذي تخفي فيه تلك الورقة التي اعطتها لها السيدة إنعام قبل تقاعدها
– من أثرياء البلد ورميني في ملجأ، أكيد مراتك القرشانه زي ما بشوف في الأفلام هي اللي اجبرتك، تفتكري يا بت يا زينب هيتحطوا قدام الأمر الواقع ويقبلوا بيا ولا هيطردوني.. بس أنا مش هسيب حقي وهفضحهم، مبقاش ليلى إلا لو أخدت حقي منهم..
توقفت ليلى عن الحديث وقد أسرعت زينب بضمها باكية، فكلما تذكرت أن ليلى ستغادر عن قريب وتتركها بمفردها تشعر بالرهبة، هي من دون ليلى لا شئ
– متخافيش يا زينب اطلع أنا بس واظبط أموري واجي اخدك تعيشي معايا في قصر عمي عزيز باشا
– يا بختك يا ليلى إن ليكِ أهل
دمعت عينين زينب تتذكر ما أخبرتها به السيدة إنعام عن أهلها، فهي أتت لهنا بعد حدوث حادث لوالديها وموتهم ، والدتها كانت يتيمة الأم هربت من منزل والدها حتى تتخلص من قسوة زوجة أبيها أما والدها فلم يكن إلا رجلاً فقيراً يتيم الأبوين..
معلومات كانت تُحاول جاهدة معرفتها السيدة إنعام عن كل طفله تتدخل الدار حتى تُخبرها بتلك التفاصيل حينا تكبر فلا تظن نفسها إنها أتت من خطيئة لا تُغفر وتعيش طيلة حياتها بهذا العار الذي لا يغفره المجتمع
– خلصنا من الشباك دخلنا في الدراما، إحنا شكلنا مش هنام في الليلة ديه
هتفت بها صابرين بعدما سحبت رأسها من أسفل وسادتها حانقة
– شكلك عايزه تتخانقي يا صابرين، ما الكل نايم اه ومحدش بيتكلم إشمعنا أنتِ اللي بتتكلمي
نظرت صابرين حولها. فالكل غافي فوق فراشه
– أه أنا بتلكك يا ست يا ليلى و عايزه اشوف هتعملي إيه
– بلاش يا ليلي
أسرعت زينب في جذب ذراع ليلى فهي تعلم أن صابرين تحاول إستفزازها كالعادة
– خليني أعرفها مقامها، هي اللي بتجر ديماً شكلي.. تكونش الدار من أملاكها، فيها إيه لم نتكلم كلمتين.. ما تحط المخده فوق راسها وتنام ولا لازم تاخد علقة كل يوم تلات.. اوعي أيدك يا زينب خلينا أنولها ليها
دفعت ليلى ذراع زينب عنها، فاسرعت صابرين بالوقوف فوق فراشها تطرق كفيها ببعضهم
– تعالي يا بتاعت الأملاك، قال عمي من أثرياء البلد.. هما الأثرياء برضوه بيرموا عيالهم على الرصيف.. أكيد أمك كانت من الشارع عشان كده اتخلصوا منك و رموكي في ملجأ
– والله لأجيبك من شعرك، أنتِ غيرانه مننا عشان مالكيش أصل ولا فصل ولا حد يعرف مين أهلك
احتقنت ملامح صابرين بالحقد واندفعت صوبها هي الأخرى، ليشب بينهم شجار وسرعان ما كان الجميع يستيقظ وينقسم العنبر لفريقين
أندفعت السيدة كريمه لداخل الغرفة بعدما وصلها صوت صراخهم وأيقظها من نومتها الهنيئة.
وضعت صافرتها بين شفتيها تُصفر بها حتى يتفرقوا عن بعضهن ،
تراجعوا الفتيات خوفاً من عقاب السيدة كريمه ولم يبقى إلا ليلى و صابرين وكل منهن تنتف للأخرى شعرها
– ليلى، صابرين قولت أبعدوا عن بعض لأحسن اخلي جسمكم يعلم بالخرزانة
حاولت زينب جذب ليلى حتى لا تنال هذا العقاب ولكن السيدة كريمه نفذت عقابها.
طالعتعم السيدة كريمه بعدما تكومت كل واحده منهن جانباً تتحسس جسدها من شدة الألم
– عايزه بكره أشوف وشي في بلاط الدار، وده عقاب العنبر كله فاهمين
والجواب كان كالعادة حاضر على ألسنتهم
– فاهمين
……
ترنح في خطواته يُحاول السير ببطْء يلتف حوله خشية من أن يكون مستيقظ حتى هذه الساعه، ولكن صعوبة الجو اليوم والظلام الذي يحتل غرفة مكتبه يؤكد له إنه بالتأكيد غفا منذ وقت طويل ولن ينال تلك المحاضرة التي ينالها يومياً.
صعد الدرجات يُدندن بذلك اللحن الذي مازال ملتصق بأذنيه, وتوقف أعلى الدرج يحك رأسه يُحاول تذكر الممر المؤدي لغرفته
دارت عيناه بين الطرقتين، ينظر لجهة اليمين ثم جهة الشمال
– يمين ولا شمال.. شكل السيجارة المرادي كانت فعلا متكلفه زي ما قالي رمزي.. أنا هختار جهة اليمين
تعالت قهقهته وسرعان ما كان يضع يده فوق شفتيه يكتم صوته خشية من إستيقاظ عمه “عزيز”
فتح باب غرفته زافراً أنفاسه براحة، فلم يكن عمه مستيقظًا هذه الليلة كعادته
– هنام النهاردة من غير محاضرة كل يوم
ولكن سرعان ما كان يتراجع للخلف ينظر نحو صاحب تلك العينين وقد وقف يقعد ساعديه أمام صدره يحدقه بنظرات جامده
– عمي عزيز
– نفسي تطلع راجل مره وتصدق في كلمتك.. لكن هقول إيه عجباك حياة السكر والعربدة
أقترب منه عزيز يرمقه بخزي، فمهما حاول على إصلاحه لا ينصلح حاله ويعود لرفقة السوء
– قولي بتستفاد إيه وأنت راجع بتطوح ومش قادر تسند طولك
اطرق سيف رأسه هاربًا من نظراته
– ارفع راسك وقولي بتعمل كده ليه، ليه مش عايز تكون راجل.. ليه كل يوم عايز تثبتلي إني معرفتش احافظ على الأمانة
رفع له عزيز رأسه تقتحمه مشاعر الغضب، لقد خاب في تربيته ولكن متى حدث ذلك هو كرس له حياته، لم يتزوج من أجله فلم يرد له أن يعيش نفس المأساة التي عاشها هو و شقيقه سالم ، لقد اذاقتهم زوجة أبيهم الذل والمرارة حتى كبروا
لا يتذكر إنه عاش طفولة تُذكر , فلم يرضى له أن يعيش ما عاشه
– أوعدك يا عمي
– أوعى تقول كلمه وعد تاني يا سيف، لأن وعد الرجاله كلمة سيف على رقبتهم
كانت الكلمات تخترقه كالعادة تؤثر به ، يقسم داخله أنه لن يخذله ثانية ولكن كل شئ يضيع حينا يجتمع برفقائه
– هات مفتاح العربيه ومحفظتك، ما دام مش هتتعدل يبقى هتتحرم من كل الرفهيات
مدَّ عزيز له كفه حتى يُعطيه ما أمر به، لم يتردد سيف في اعطائه مفتاح سيارته وبطاقته البنكية.. فالعقاب لن يستمر إلا بضعة أيام ثم سيعيد له كل شئ.
قبض عزيز بقوة فوق مفتاح السيارة والبطاقة البنكية مغادراً غرفته ولكن توقف مكانه واستدار إليه
– كلامنا مخلصش
سقط سيف بجسده فوق الفراش نافضًا عن عقله كل ما دار منذ لحظات.
اقترب عزيز من نافذة شرفة غرفته يرفع عيناه نحو السماء التي مازالت مبلدة بالغيوم رغم توقف هطول الأمطار وكأنها تُنبأ بسقوط الأمطار مرة أخرى.
اقتحمت ذاكرته تلك الليله المريرة التي ودع بها شقيقه يشعر بفوائده يعتصر
من الألم ينظر نحو الخاتم الفضي العتيق
” وصيتي سيف يا عزيز، اوعاك تدهولها تربي ”
……
دلف العم سعيد بصنيته التي يعلم ما يضعه عليها تماماً، فنجان من القهوة السادة وكأس من الماء.
العم سعيد ذلك الرجل الذي التقى به منذ ما يُقارب الخمسة عشر عاماً بعدما أتى باحثًا عن شقيقه سالم
عاد ذلك اليوم لذاكرته، يتذكر تلك اللحظه التي دلفت فيها الخادمة مكتبه وقد جلس مطرق الرأس يشعر بأن الهموم ثقلت فوق كاهله، سالم كان يحمل عنه الكثير من الأعباء، سالم كان الاب والأخ والصديق، شقيقه الذي عاش عمره كله يركض وراء لقمة العيش حتى يجعله يعيش حياة مرفهة ليس بها حرمان كما حرموا في طفولتهم وبلا حوجة وألم , ولكن حينا منحت الحياة شقيقه ما سعى له رحل تاركاً له أمانته في صغيره
– في واحد مصمم يقابل سالم بيه
تمتمت بها الخادمة واسرعت في طرق رأسها وتابعت
– شكله راجل بسيط وعلى أد حاله، باين عليه من الناس اللي كان سالم بيه بيعطف عليهم
كانت ملامحه جامده وكأنه بات كاللوح من الجليد، فتح درج مكتبه وأخرج المال يمدَّه للخادمة
– قوليله شهريتك محفوظه زي كل شهر
اخذت منه الخادمة المال وانصرفت تفعل ما أمرها به، فمنذ وفاه السيد الكبير والكثير يتوافدون على المنزل ليأخذوا معونتهم الشهريه بعدما وصل إليهم وفاته يخشون إنقطاع شهريتهم.
إنخرط العم سعيد في بكاء مرير، وقد فهم أخيراً كلمة أن السيد ليس موجود، فقد رحل الرجل الوحيد الذي عطف عليه دون أن يشعره بفقره ، رحل الرجل الذي رأى عزة نفسه ورفضه لأخذ المال ما دام لا يتناول شئ من عربة الكبده خاصته.
خرج عزيز من غرفة المكتب التي كانت لشقيقه، بعدما عادت الخادمة إليه مهرولة تخبره أن الرجل سقط أرضًا يبكي على رحيل السيد سالم.
فاق عزيز من شروده على صوت فنجان القهوة والعم سعيد يضعها أمامه
– الساعه لسا سته ونص وأنت كعادتك بتنزل من أوضتك الساعه تمانيه
– معرفتش أنام يا عم سعيد
طالعه العم سعيد بحزن مشفقًا عليه ، من لا يعرف هذا الرجل يظنه يعيش حياته في راحه لا تنتهي
– شايل ليه الهموم على كتافك، هونها على نفسك يا بيه
زفر عزيز أنفاسه والتقط فنجان قهوته يرتشف منها القليل
– الأمانة صعبه يا عم سعيد
– سيف بيه كبر خلاص محاوطتك ليه الزياده هي اللي مخلياه عايز يتمرد عليك وعلى حياته، اقولك على حاجه ما تجوزه يا بيه يمكن حاله يتصلح
لفظ العم سعيد عبارته ينتظر أن يرى الاستحسان فوق ملامح رب عمله
تقوست شفتي عزيز قليلاً لترتسم فوق شفتيه ابتسامة خفيفة
– أنت عارف إن مستني اليوم ده أد إيه يا عم سعيد، لكن سيف لسا طالب في الجامعه
توقف عزيز عن الحديث يزفر أنفاسه وقد غامت عيناه بحزن يتذكر بشوق وحنين شقيقه الأكبر سالم.
وضع العم سعيد يده فوق كتفه يبتلع هو الأخر غصته ويخفي حزنه على ذلك الرجل الذي لم ينساه يوماً في دعائه
– أنت حفظت على الأمانة كويس يا بني، وسيف بيه بقى راجل لولا بس صحاب السوء
وأسرع في رفع يديه داعياً له
– ربنا يهديك يا سيف وينور بصيرتك
امتدت كف عزيز فوق كف العم سعيد رابتًا فوقها , فتابع العم سعيد دعائه داخل نفسه يأمل أن يرى لهذا الرجل ذرية تُفرح قلبه وأمرأه تنير عتمة هذا المنزل
…….
دمعت عينين زينب وهي ترى ليلى تجمع أشيائها القليله داخل الحقيبة الصغيرة ، فقد انتهت الفترة القانونية لبقائها بالدار
– متخافيش يا زينب أنا رجعالك تاني، هظبط حياتي وأجي اخدك
ازداد بكاء زينب، فكيف لها أن تتخيل حياتها دون ليلى
– خليني أخرج معاكي يا ليلى، أنا مش عايزه اقعد في الدار من غيرك
وبنظرة خائفة دارت عينين زينب بالمكان تشعر أن الجدران بدأت تضيق عليها
– اليوم اللي هتخرجي في من الدار هتلاقيني مستنياكِ قدام الباب
ابتلعت زينب غصتها واسرعت في مسح دموعها، فقد وعدتها ليلى أنها لن تنساها ولن تتركها وحيدة كما وعدتها وهم صغار.
غادرت ليلى الملجأ تنظر نحو الظرف الذي به بعض المال ليساعدها في أيامها القادمة.
التفت ليلى بجسدها حتى تودع زينب على وعد باللقاء مرة أخرى.
بخطوات ثقيلة اكملت خطواتها، تتذكر حديث السيدة إنعام معها في أخر لقاء بينهم كانت إدارة الملجأ تحت إشرافها وها هي ذكرى اليوم تعود وتقتحم عقلها
– أنتِ عارفه يا ليلى أد إيه أنا بحبكم وكل بنت في الدار بعتبرها وكأنها بنتِ
وقفت ليلى بترقب تنظر نحو السيدة إنعام بعدما أزالت عويناتها عن عينيها
– أنتِ جيتي الدار هنا يا بنتِ وأنتِ عمرك أربع سنين، نفس اليوم اللي مسكت فيه إدارة الدار
شردت السيدة إنعام في ذلك اليوم بكل تفاصيله وكأنه لم يغيب عن عقلها ،
رجلاً يخرج من سيارته ينظر حوله هنا وهناك وكأنه يخشى أن يراه أحداً يحمل طفله صغيره تضع بفمها احدى قطع الحلوى وترتدي فوق رأسها قبعة من الصوف، طفلة بأعين زرقاء وملامح شقراء جميلة ،
ينحني ليضع الطفله أمام بوابة الدار بعدما تأكد من عدم رؤية احد له ثم أسرع في تعليق حقيبة صغيره فوق جسدها وضع داخلها أوراق تثبت نسبها
– أنت بتعمل إيه هنا، وبنت مين ديه
هتفت بها السيده إنعام مذهوله مما رأت , فكانت تسير حول مبنى الدار ولكن الرجل غادر سريعاً المكان تاركاً الطفله تنظر نحو السيارة تاركًا لها في ذهولها.
فاقت السيدة إنعام من شرودها تتذكر تلك اللحظة التي علمت فيها الحقيقه عن هذه الطفله، فمن تركها أمام دار الأيتام عمها الغير شقيق , فبعدما توفت زوجة شقيقه وقد لحقت بشقيقه بعد عامين , تاركة طفلتها أمانه في رقبته ولكن هو لا يستطيع أن يجعل الطفله تعيش لديه، فالغيرة تحتل فؤاد زوجته خاصة بعد علمها أنه تزوج زوجة شقيقه الأرملة من ورائها.
حكاية طويلة اختصرتها السيدة إنعام لها ولكن قد جاء الوقت لتعلم الحكاية وتعرف عنوان هذا العم.
– هو فضل يبعت فلوس للدار لمدة خمس سنين لكن بعد كده اخباره انقطعت وعرفت إن للأسف مراته بقت متحكمه في كل حاجه بعد ما أصابه الشلل، لكن أنتِ من حقك تعرفي أهلك وإنك مش مجرد بنت من الشارع
ارتسم الذهول فوق ملامح ليلى تنظر للسيدة إنعام وهي تدون بقلمها عنوان ذلك العم
– يعني أنا ليا أهل
مدّت لها السيدة أنعام بالورقه تنظر لذلك البريق الذي التمع في عينيها
– أنتِ لسا قدامك تلت سنين يا ليلى لحد ما تخرجي من الدار، احتفظي بالعنوان ده يا بنتِ.. واتمنى يكون الزمن غير النفوس
صدح صوت بوق السيارة كادت أن تصدمها، فسقطت الحقيبة من يدها تنظر نحو سائق السيارة الذي أخذ يسب ثم تخطاها وكأنه لم يكن سيدهسها ،
انحنت ليلى تلتقط حقيبتها تلعنه بالألفاظ التي تراه يستحقها
– كان هيموتني وبدل ما ينزل يعتذرلي بيشتم..
دارت عيناها بالمكان الذي وقفت به وقد بعدت عن الدار مسافة ليست بالقليلة ، تخرج الورقة من حقيبتها الصغيرة التي علقتها فوق أحد كتفيها، تنظر للعنوان المدون بلهفة لتلك الحياة الجديدة التي تنتظرها ولن ترضى بالنبذ مرة أخرى
– مبقتش ليلى الطفله خلاص، من حقي أعيش زي ما هما عايشين
……
دلف عزيز غرفة سيف فانتفض الأخر من فوق فراشه وقد اجفله دخول عمه دون أن يطرق الباب
رمقه عزيز بحده وهو يراه يدهس عقب السيجارة في المطفأة
– من النهارة هتنزل الورشة زيك زي أي عامل عادي
اتسعت عينين سيف لا يستوعب ما يسمعه من عمه، فكيف له أن يعمل في الورشة وينشر الخشب، هذه المرة عقابه مختلف
– اروح الورشة، ما انا بشتغل معاك في الشركة يا عمي .. طيب حتى أمسك معرض من المعارض
ارتسمت ابتسامة ساخرة فوق شفتي عزيز، فعن أي شركة يتحدث ابن شقيقه وقد خابت جميع اماله فيه، سيف عاش حياته مرفهًا ومدللًا يمنحه كل ما يطلبه دون أن يسأل، سعى لتكبير تجارته ومن معرض أثاث لمعرض أثاث حتى اصبح لديه شركة كبيره ليست مسئولة فقط عن صناعة الأثاث وتوريده بل أصبحت تشمل تنسيق الديكورات بكل ما يحتاجه المنزل.
كبر تجارته ولكن نسى في طريق نجاحه أن من كان يجني له المال لم يعد الطفل الصغير , ابن سالم شقيقه الرجل المكافح العصامي بل بات نسخه أخرى لا تشبه شقيقه ولا تشبهه
– لا شركة ولا معرض، هتبدء الطريق زي ما أبوك وأنا بدأنا عشان تعرف قيمة كل قرش بتكسبه من عرق جبينك
ارتسم الذهول فوق ملامح سيف، فقد ظن أن العقاب الذي حصل عليه منذ أسبوع قد أنتهى
– أنا كنت فاكر إنك سامحتني خلاص وهتديني مفتاح عربيتي والكريدت كارد
التوت شفتي عزيز في سخرية أشد، فكيف سيزول عقابه وهو يراه مازال في نفس طريقه
– لا عربيه ولا فلوس حتى الجامعه لو سقطت السنادي كمان.. اعمل حسابك مش هدفعلك تاني مصاريفها
– أنت فاكر لما تعمل كل ده , هكون الشخص اللي أنت عايزه.. أنا مش قاعدلك في البيت يا عزيز باشا وانت اللي هترجع تدور عليا
اندفع سيف بتهور نحو خزانة ملابسه، يلتقط منها كل ما تقع عليه يديه ينظر من حيناً لأخر نحو الواقف وهو على يقين إنه لن يتحمل تهديده وسيلين كالعادة
رمقه عزيز بأستخفاف فلو ظن إنه سيتراجع عن قراره فوحده من سيكون الخاسر، لقد أتخذ قراره وأنتهى وقت الدلال والتهاون
اتجه عزيز نحو الفراش يجلس فوقه يُطالعه بملامح مسترخية
– متأكد إنك مستعد تتحمل قرارك
توقف سيف عن التقاط الملابس ينظر لملامح عمه المسترخية
– ليه مش مصدق إني بحاول أكون كويس
قهقهة عاليه خرجت من شفتي عزيز، فعن أي تغير يتحدث عنه
– الباب قدامك اه يا سيف.. لكن خليك متأكد إنك المرادي هترجع لوحدك
أسرع سيف في إلتقاط حقيبته مغادراً المنزل ماقتًا الحصار الذي صار عمه يحيطه به وكأنه فقط شغله الشاغل.
اطبق عزيز فوق جفنيه بقوة، لقد تغلب على حبه له لعلا ما يتبعه هذه المره من حرمان كامل يأتي بالنفع.
……
توقفت سيارة الأجرة أمام العنوان الذي أعطته للسائق، ازداد إنبهارها بالحي الراقي الذي يعيش فيه عمها
– يعني هو عايش هنا وسيبني عايشه في ملجأ، لكن أنا مش هسيب حقي خلاص أنا من لحمه ودمه
– يا أنسه وصلنا خلاص، الأجرة زي ما أتفقنا
انتبهت ليلى على صوت السائق وقد فاقت من حالة ذهولها وتحديقها بالمكان من خلف نافذة السياره
أخرجت ليلى الأجرة من محفظتها تنظر للمال قبل أن تعطيه له
– بكره هيبقى معايا اكتر من كده ومش هحس بالحرقة زي دلوقتي وأنا بدفعلك الفلوس
تجهمت ملامح السائق والتقط منها المال ماقتًا عبارتها
ترجلت ليلى من سيارة الأجرة وقد عادت عيناها تُحدق بالمكان، تلتف حولها تصفر بشفتيها
– إيه العز ده كله يا عزيز باشا




