ظنها دمية الجزء الاول سهام صادق

الفصل السادس
*****
تكورت زينب على نفسها تدفن رأسها بين ركبتيها تُقاوم تلك الرجفة التي تحتل جسدها وأرتعاش شفتيها
ارتفعت يدها نحوها خصلات شعرها التي صارت قصيرة تكتم صوت بكائها، ليتها جلدتها، ليتها حرمتها من الطعام ولكنها اختارت اعز شئ لديها.. شعرها الحبيب
خرجت صوت شهقاتها دون أن تتمكن من كتمانها
– أنتِ فين يا ليلى، قولتي هتسألي عني
– ما خلاص بقى يا زينب، مكنش شعر ده اللي زعلانه عليه
– بس أنا بحب شعري أوي يا صابرين
اطبقت زينب فوق جفنيها تسمح لدموعها بالتحرر مرة أخرى بسخاء
ارتجفت أهداب صابرين تأثرًا، هى السبب فيما حدث ولكن لا حل أمامها غير ذلك حتى تنفذ المطلوب وتجر معها زينب في ذلك الطريق الذي اختارته لهم السيدة مشيرة..
حاولت صابرين ترتيب حديثها ببضعة كلمات لطيفه
– منه لله اللي كان سبب في تهمتك.. مش بعيد تكون هى اللى عملت كده.. تعرفي كريمة ديه عندها عقده من كل بنت حلوه في الدار
طالعتها زينب بعينين أغرقتهما الدموع، فقد نالت عقاب جرم لم تفعله, أقسمت وصرخت ولكن لا أحد صدقها
– كريمة كل يوم جبروتها بيزيد، عارفه يا زينب الست اللطيفه اللي بتيجي الدار
أسرعت زينب في نطق اسمها، هى بالفعل سيدة حنونه ولطيفة معهم ودوماً تُطالعها بابتسامة جميلة
– مشيرة هانم
– ايوة هى مشيرة هانم، اخر زيارة ليها سألتني مين هيخرج من الدار قريب عشان تساعده وتلاقي ليه شغل.. قولتلها عليكي وعلى علياء ونهى..
توقفت صابرين عن إكمال حديثها تنظر نحو زينب، تُحاول رؤية ملامحها في الظلام..
لمعت عيناها في زهو، ها هى زينب تستمع إليها بإنصات شديد
– شغل إيه ده يا صابرين
– هنشتغل في مصنع تعبئة معلبات
تمتمت بها صابرين، فهذا ما خطر ببالها.. فلو اخبرتها إنه ملهى ليلي لن تستمع إليها
– مصنع
تمتمت بها زينب، يا له من حظ ينتظرهم بالخارج.. سيعيشوا بشرفهم
– هو ينفع تعمل حساب ليلى معانا.. يعني لما نخرج نروح ل ليلى ناخدها من بيت عمها…أنا خايفه عليها يكون مقبلش بيها وبيعاملها وحش
ارتفعت زاوية شفتي صابرين في سخريه، فعن أي ليلى تتحدث.. ليلى بالتأكيد صارت من سيدات المجتمع.. ولن تنظر لهن
– ليلى زمانها عايشه في النعيم , أنتِ هتفضلي هابلة لحد أمتى يا زينب.. تفتكري لو عمها كان طردها كانت غابت كل الفترة ديه.. كانت رجعت للملجأ في نفس اليوم تطلب منهم يساعدوها أو على الأقل كانت ظهرت بعد أيام.. لكن إظاهر إنها نسيتك ونسيتنا
– متقوليش على ليلى كده، ليلى وعدتني عمرها ما هتنساني
امتقعت ملامح صابرين وهي ترى ابتعادها عنها
– خلاص يا زينب نكلم مشيرة هانم تشوفي ليها شغل معانا بس نبدء إحنا الأول
استطاعت صابرين أن تلين عقلها، ترسم لها طريقهم الجديد..و زينب لم يكن يرتسم أمامها إلا لقائها ب ليلى
……
توقف صالح متيبس الحركة مكانه ينظر نحو الجالسة في فراشه تتلاعب بخصلات شعرها الطويل وتُحادث نفسها متسائلة
” هل ستعجبه هيئتها كما أخبرتها داده عديله”
– هو صالح اتأخر ليه، أنا خايفه أنام من غير ما يشوفني وأنا حلوه
ازدادت ملامح صالح قتامة وقد وضحت الصورة إليه، سلمى لا تفعل ذلك من تلقاء نفسها.. هم من يدفعوها إليه حتى يُدنسها في علاقة رغم شرعيتها وحقه إلا إنه لا يرى الأمر إلا جرم.. يكفيه ما فعله بها منذ سنوات ، يوم أن غادر الغرفة التي جمعتهم أول ليلة يُلقي لجده دليل دماء عذريتها يُخبره أنه اتم المهمه
– صالح
اغمض عيناه بقوة بعدما أستمع لصوتها ينفض عن ذاكرته أحداث هذه الليلة التي لم تعد تتذكرها هى..
اقتربت منه في لهفة تُلقي بجسدها نحوه تُخبره أنها انتظرت طويلا قدومه
– سلمى كانت هتنام
ابتعدت عنه تُغلق له عينيها كي تُريه بأن عيناها بالفعل كانوا سيغلقوا وستغفو وهى تنتظره
– ليه لسا صاحيه يا سلمى وليه لابسه كده
أسرعت سلمى في فتح عيناها تشعر بلمساته الحنية تسير فوق خديها تنظر إليه
– داده عديلة قالتلي إني هكون حلوه كده وأنت هتكون مبسوط.. هو أنت مش مبسوط عشان أنا جميله النهاردة يا صالح
نفث زفراته بقوة، يتوعد داخله لتلك السيدة التي لولا أنها مربيتها وتحبها.. ما تركها بعد وفاة جده
– أنتِ علطول جميلة يا سلمى
– أنا جميله يا صالح
هتفت عبارتها تُهلل في صياح وسرعان ما كانت تتذكر ما حفظته لها السيدة عديلة مربيتها
اختفت ابتسامة صالح لا يستوعب ما حدث للتو، سلمى تُحاول تقبيله ولمس جسده بطريقة مختلفة
ابتعدت عنه تنظر إليه تتعجب صمته
– هو طعمها وحش، داده عديلة قالتلي إن طعمها بيكون حلو.. أنا اكلت حلاوة كتير عشان تطلع طعمها حلو
ارتفعت أنفاس صالح واحتدت عيناه يُغادر الغرفة لا يرى أمامه
– عديلة
….
توقفت عديلة تطرق رأسها أرضًا في خزي، لم يكن في نيتها إلا خيراً..
خرجت زفراته بقوة وغضب، لا يكاد عقله يستوعب ما حاولت سلمى فعله، هل وصل الحال أن تُعلمها ما يحدث بين الأزواج.. تشوه عقلها الذي لا يفهم هذه العلاقه , هى حتى اليوم لا تُصدق أن رامي طفلها بل صديقها الذي أشتراه لها جدها
– لو اللي حصل اتكرر تاني، أكيد عارفه مكانك هيكون فين
اتسعت حدقتي عديلة في صدمة، فهل بعد هذا العمر الذي فانته في خدمة هذه العائلة سيطردها
– بعد العمر ده كله هتطردني يا صالح بيه
انسابت دموعها تتذكر السيد كارم وكم كان يمنحها مكانتها
– الله يرحمك يا كارم بيه، بعدك بقى مصيري الطرد عشان عايزه اعمل بوصيتك، كان نفسي يكون ليه حفيد تاني منك ومن الست سلمى
ضاقت أنفاس صالح، فلم يعد يرى أمامه من شدة الغضب.. أي أطفال يريدون إنجابهم، يكفيه ما يراه في عينين صغيره
-اطلعي بره بدل ما أموتك في ايدي، بره
أسرعت عديلة تغادر الغرفة مهرولة، فما الذي أخطأت فيه.. إنه تنفذ وصية السيد الكبير
تهاوى بجسده فوق المقعد القريب يرخي من رابطة عنقه زافراً أنفاسه لعلا ضربات قلبه تهدء قليلًا ..
مرت الدقائق وهو جالس هكذا حتى نهض من فوق معقده صاعداً لغرفته
وجدها غافية فوق فراشه بثوبها القصير، اتجه نحو المرحاض لعلا برودة المياه تحد من تلك النيران المشتعله داخله ،
هو السبب وحده من كان السبب ليعيش عمره حامل الذنب كلما نظر نحو صغيره ولها.
غادر المرحاض يحمل تلك المنشفة التي أخذ يُجفف بها عنقه،
بخطوات هادئة اقترب منها يمسح فوق شعرها الغزير ينحني نحو جبينها يلثمه..
فتحت عيناها بنعاس تنظر لملامحه القريبة منها ترفع رأسها تقبل شفتيه مستمتعة بمذاق القبلة تُحاول إكتشاف طعمها..
اغمضت عيناها تمط شفتيها وقد عادت لغفوتها، اطبق صالح فوق جفنيه بقوة، جعلتها تلك الخرفاء تظن أن هذه القبلة لها مذاق بطعام الحلوى
ازدادت ملامحه تجهمًا يود لو اطبق فوق عنق تلك المرأة وقد عادت وتيرة أنفاسه تتعالا من شدة الغضب
جفاه النوم لساعات طويلة يضم تلك الغافية فوق صدره بعدما اقتربت منه راغبه بالنوم في حضنه كما أعتادت مؤخراً منذ أن بدء رامي يكبر ويأتي للنوم جواره
غفا أخيراً تلك الساعات المتبقية ليستيقظ على تلك المداعبات والضحكات ولم يكن إلا هما، اكثر الأشياء نقاءً في حياته
– بابي، لومه بتقولي إنها نامت جانبك.. أشمعنا هى وأنا لاء
– أنت علطول بتنام جانبه، قوله إنه وحش صالح
انتقلت عينين صالح بينهم يفتح عيناه بصعوبه وقد بدأت مشاجرتهم وعليه إرضائهم، اندفع الصغير نحوه يُلقي بجسده بين ذراعيه باكيًا
ضمه صغيره إليه يمسح فوق ظهره يوعده أنه من سينام جواره الليلة بل و سيأخذه ليسبح قليلاً في المسبح
ابتعد عنه الصغير ينظر نحو ملامح سلمى وقد التصقت بهم لتسمع همسهم الخافت تمط شفتيها متذمره
– أبعدي عن بابي، مش هلعب معاكي تاني
دفعها الصغير برفق وركض مهرولاً نحو غرفته حتى يُحضر ملابس السباحه خاصته
– أنت وحش يا رامي
صاحت بها سلمى تلطم الفراش جوارها حانقة
– سلمى.. رامي صغير، أنتِ الكبيره والكبير هو اللي بيخلي باله من الصغير ويحبه أكتر
هزت رأسها رافضة ما يُخبرها به، ف رامي هو الأكبر وليست هى
– أنا كمان صغيره، هو اللي بياخد مني اللعب بتاعتي.. أنت بتحبه أكتر مني عشان أنت بابا بتاعه لكن أنا معنديش بابا
تعالت شهقاتها تتذكر جدها الحنون وعمها
– سلمى أنا بحبك أنتِ و رامي زي بعض، عارفه رامي ده ابن مين.. ابني وابنك يا سلمى
ابتعدت عن حضنه بعدما استكانت بين ذراعيه لبرهة ، تصم أذنيها.. رامي أتى من السوق وقد اشتراه لها جدها
– رامي.. جدو جابوا ليا من السوق.. هو مش بتاعي
توقف الصغير قرب الباب تغرق دموعه خديه وقد سقطت ملابس السباحة من يده وعاد لغرفته ينزوي قرب الجدار ينظر نحو العابه
ظلت تصرخ رافضه ما يُخبرها به، ترفع ثوبها تريها بطنها، فمن أين أتى هذا الطفل
– شوف بطني مافيهاش حاجه ، نوره بنت داده عديله فيها واحد هنا.. أنا معنديش
اغمض عيناه وقد عادت تلك الأيام تطرق ذاكرته
– بطني بتكبر يا جدو
والجد يُسايرها في الحديث وهو ينظر نحو بطنها بسعادة، فقريبًا سيأتي هذا الحفيد
– حببتي بكره هترجع زي الأول، المهم أنتِ كلي كويس
تعود لطعامها مقتنعة أن هذا الأنتفاخ ربما يكون بسبب تناولها للطعام وشرب الماء
وهو يقف يشاهد الأمر ويسمع ثم يُغادر صامتً قبل أن تنتبه على وجوده وتصرخ خائفه منه بعد تلك الليلة التي نالها بها وجردها من ثيابها
فاق من شروده على أنفاسها القريبة منه ثم قبلتها فوق شفتيه وكأن الأمر صار عادة
– طعمها مش حلو
– سلمى أنتِ بتعملي إيه
ابعدها عنه برفق يزيحها من فوق فخذيه بعدما صارت ملتصقة به
– كانت أمبارح طعمها حلو
– سلمى
انهارت في البكاء بعدما تعالا صوته في حده، يقسم داخله إنه سيُعاقب هذه المرأه على فعلتها.. هل كان ينقصه أمر كهذا؟
– أنت وحش يا صالح
– اللي بتعملي ده غلط
طالعته من خلف كفيها المضمومين، هى تفعل ما أخبرتها عنه مربيتها
– لا مش غلط
أنفاسه خرجت بقوه وهو يراها تتحاشا النظر إليها، وقد تعالت شهقاتها
اقترب منها ينتشل الوسادة التي تدفن بها وجهها، هو يعلم إنها تظن الأمر كأنه لعبة.. تتذوق طعم القبلة وكأنها حلوى
– سلمى ما أنتِ طول عمرك بتبوسيني في خدي
وانحنى نحوها يلثم خدها يُذكرها بقبلتها الرقيقة التي تضعها فوق خده كلما أسعدها
طالعته بابتسامة واسعة تتحسس خدها الذي قبلها عليه للتو وعلى ما يبدو ويأمل أنها تناست تلك القبلة التي أخبرتها عنها السيدة عديلة
…..
توقفت ليلى عن تقطيع بعض الخضار تنظر نحو الواقف أمامها ، السيد الصغير هنا في المطبخ وقد أخبرها مراراً وتكراراً العم سعيد أن تنتبه على عدم وجودها معه في مكان واحد، هكذا أمر السيد عزيز بعد رؤيتهم أمس بالمطبخ
– ليلى ممكن تعمليلي فنجان قهوة
اماءت برأسها ونهضت عن المقعد تنفذ ما أمرها به في صمت، تعجب سيف من صمتها..ف أمس جلست قبالته تتجاذب معه الحديث ببساطة تُخبره عن حياتها بالملجأ وكم هو محظوظ ليكون له عم مثل السيد عزيز وتقص له أول يوم لها هنا وكيف كانت تظن أن السيد عزيز عمها
اعدت القهوة كما طلبها وأسرعت في وضعها أمامه ، تبحث عن شئ تنشغل به إلى أن يُغادر
جلس فوق المقعد يرتشف من قهوته، فقد ضجر من الجلوس في غرفته يُطالع السقف في شرود دون رغبة ببدء مذاكرة محاضراته التي بعثها له أحد أصدقائه
– تفتكري يا ليلى هقدر أنجح السنادي
سألها راغبًا في الحديث معها ينظر إليها وقد ازدادت دهشته من تجاهلها لها
– اعذرني يا سيف بيه أنا ورايا شغل كتير
تمتمت بها في خفوت تتحاشا النظر إليه، وقد زاده الأمر دهشة خاصة وهى تُناديه هكذا
– سيف بيه!.. ليلى إحنا اتفقنا نكون اصدقاء.. ومافيش أصدقاء بينادوا بعض كده
– ميصحش يا سيف.. أنا هنا بشتغل عندكم
تجهمت ملامح سيف وقد بدأت الصورة تتضح إليه بعدما تذكر رؤية عمه لهم أمس
– عمي هو اللي طلب منك كده
استدرات بجسدها في خوف من نبرة صوته ، فما الذي يتحدث عنه
– لا، لا ..عزيز بيه مقالش ليا حاجه.. لكن ده المفروض يحصل
شعر سيف بالراحه، فليس لعمه ذنب بالأمر.. عمه عزيز لا يفعل ذلك.. هو أكثر من يعرفه.. فهو رجل عطوف لا يجرح احد
– ليلى أنا بجد كنت مبسوط أوي أمبارح وإحنا بنتكلم سوا، أنا ديما كنت وحيد.. ويمكن وحدتي ديه هى السبب في كل اللي وصلت ليه
عيناها علقت به تشعر بصدق كلماته، رغم كل ما لديه إلا إنه وحيد ويائس
تشابكت أصابعها ببعضهم تطرق رأسها أرضًا، فما عساها أن تفعل.. هى تنفذ الأوامر حتى تحافظ على هذا المسكن الذي وجدت فيه الراحه
– سيف بيه
أتى صوت العم سعيد يُخلصها من حيرتها
– ليلى روحي لحسان ساعديه في الجنينة
…..
توقف العم سعيد يضع فنجان القهوة وكأس الماء ينتظر سماع أوامره قبل أن يخلد للنوم
– أي أوامر تانية يا عزيز بيه
رفع عزيز يده يزيل عويناته الطبية ينظر إليه متسائلًا
– نبهت عليها أوامري
اسرع العم سعيد في تحريك رأسه، ليلى فتاة مطيعة تنفذ كل ما يُخبرها به
– ليلى بتسمع الكلام.. ميتخافش منها
– عم سعيد
اطرق العم سعيد رأسه، فالسيد عزيز لا يُريد هذا الجواب منه.. فسؤاله واضح
– ايوة يا عزيز بيه نبهت عليا
غادر العم سعيد الغرفة، هو يعلم أن لديه كل الحق ليخاف أن يحدث شئ من وراء ظهورهم، ف ليلى فتاة جميلة والسيد الصغير شابً.
الساعة تجاوزت منتصف الليل يغلق إضاءة غرفة مكتبه.. ويعيد النظر لساعة يده, فقد اقترب خروجها للحديقة الخلفية وجاء وقت وقوفه في الظلام لمشاهدتها كما اعتاد





