ظنها دمية الجزء الاول سهام صادق

الفصل الخامس
******

انتفض من فوق فراشه يمسح حبات العرق المتناثرة على جبينه، روحه تكاد تُزهق من شدة لهاثه.
ازدرد لعابه في خوف، صورتها لا تُفارق عقله منذ تلك الليلة المشؤمة التي ذهب فيها لمنزل تامر صديقه بعد إلحاحه عليه أن يأتي..
جرعة جديدة من المخدرات اراده أن يُجربها معهم، كاميليا هي من تحضر لهم هذه الجرعات، فهى لديها من يمولها بهذه الممنوعات
صديقه كان مغرماً بها ولم يعد الأمر مجرد إعجاب بل صارت العلاقه بينهم أقوى
لقد تركهم ليغفو قليلاً بعد رفضه لتناول جرعة المخدرات وتجربتها يشعر بالذنب، فما الذي فعله عمه له حتى يخذله هكذا.. كل ما يفعله لأنه يحبه..
اتخذ الغرفة التي يرقد بها كلما أتى لتامر وأراد النوم، يستمع لصوت ضحكاتهم واقترابهم من الغرفة التي تُجاوره ،
اصواتهم العالية بكلامهم البذئ، طالما اخبرهم إنه لا يُحب سماعها ولا يُلقى منهم إلا السخريه مفسرين عدم قدرته في إقامة علاقة لأنه يعيش في بيت وكأنه كتيبة عسكريه مع عم شارف على الأربعين ومازال عاكف عن الزواج..
ارتدائه سماعات الأذن ما تجعله ينفصل عنهم مع أغانيه الأجنبية المفضله ،
لم يعرف ما استغرقه من ساعات النوم، ولكنه كان متأكد إنه غفا لوقت طويل
نفض رأسه وكأنه لا يُريد تذكر هذا المشهد، هى منبطحه برأسها فوق الطاولة وذلك المسحوق الأبيض أمام أنفها جاحظة العينين

– سيف
تمتم بها عزيز بعدما أشعل إنارة الغرفة ينظر إليه في لهفة، اقترب منه وقد ألمه فؤاده على رؤيته هكذا، يلوم حاله إنه من جرده من كل شئ قبل هذه الليله بعدة أيام، ليته لم يدعه يُغادر المنزل

– سيف أنت مالكش ذنب، ديه نهاية الطريق الغلط.. ربنا منحك فرصة عشان تراجع نفسك

– ليه قاتلها، كاميليا مكنتش وحشه.. ظروفها أجبرتها تكون ديلر

خرج صوته مهزوزاً مختنقًا مشيحًا عيناه عن عمه في خزي

– أنا هفضل طول عمري حاسس بالذنب، لو مكنتش بنام وأنا صوت الموسيقى عالي.. كنت سمعتها وهى بتصرخ وبتستنجد بيا.. الحيوان استغل خروج تامر

– سيف كفايه لوم على نفسك، هتفضل حاطت الذنب عليك.. أنت كنت ممكن تكون مكانها مقتول.. اللي أنت كنت عايش فيه ده هو نهايته الطبيعيه

خرج حديث عزيز في خشونة لم يكن يقصدها ولكن هذه الحقيقه
– أنا أسف يا عمي
صوته المعتذر خرج يحمل الندم، يطرق رأسه نحو كفيه المضمومين يفركهما بقوة.. يُذكره بطفولته عندما كان يفعل شئ خاطئ فيعتذر منه.

غلب حبه قسوته المصطنعه التي أراد إشعاره بها مقتربًا منه يضمه إليه بحنان وحب شديد كان يستشعره سيف دوماً بين ذراعيه
– اوعاك تفتكر إني هسيبك تضيع، ديما هكون في ضهرك.. خوفي عليك هو سبب قسوتي.. اوعدني المرادي تبعد عن كل حاجه بتاخدك للوحل.. سيف عمك ممكن يموت فيها لو روحت من بين ايديه زي ما راح أبوك

خانته دمعة ساخنة تحمل الشوق الذي لم ينضب من مقلتيه، سالم شقيقه مازال في قلبه.. يرى صورة سيف فيه
– أوعدك هتغير يا عمي، اوعدك المرادي أكون إنسان جديد

……

توقفت بثينة أعلى الدرج لا تُصدق أن هذه المفاجأة التي أخبارها عنها رضوان منذ فترة ليست ببعيدة
أسرعت تحتضن تلك النسخة المصغرة عنها، أبنتها الغالية “نادين”
– أنا أكيد بحلم يا حبيبت مامي، كده متقوليش كنت جيت اجيبك من المطار
ابتعدت عنها نادين تحمل نفس الشوق لها، لا تُصدق إنها أخيراً احتضنت والدتها
– عمو رضوان قالي خلينا نعملها ليها مفاجأة

أسرعت بثينة في مسح دموعها، أخيراً أبنتها عادت إليها ووفى لها رضوان بوعده
– عمي رضوان خلصني منه أخيراً يا مامي وتمت إجراءات الطلاق

اتسعت عينين بثينة في سعاده لا تُصدق ما تسمعه أذنيها، فهل أخيراً تخلصت أبنتها من هذا الرجل الذي لا يوضع في خانة الرجال، ولولا تمسك أبنتها به منذ ثلاثة أعوام ما كانت وافقت عليه وجعلتها تغترب معه
– أخيراً الهم إنزاح يا نادين ورجعتي لحضني

عادت نادين لأحضانها، تتنهد هى الأخرى براحة
– الحمدلله يا مامي متعرفيش أد إيه أنا ندمت إني ضيعت تلت سنين من عمري مع واحد زيه
ابتعدت عنها بثينه، تتأمل ملامحها الفاتنة.. فقد عادت صغيرتها لاحضانها
– المرادي مش هسيبك تختاري غلط تاني واقف اتفرج عليكي
…..

توقف سيف مكانه يكاد يهتف باسم العم سعيد، فضاقت عيناه يقطب في حيرة, ينظر نحو ليلى الواقفة ..
رفع كفه يحك رأسه في تساؤل، فمن تلك التي تقف امامه تقلب الطعام وتُدندن بلحن غنوة مبهمه بالنسبة له, تؤدي مهام العم سعيد في المطبخ، عمه لا يوظف خادمات إلا إحداهن تأتي للتنظيف وهذا الأمر ما يتولاه العم سعيد

التفت ليلى بجسدها تبحث عن علبة أحد التوابل ولكن سرعان ما كانت تنفلت شهقة قوية من شفتيها تنظر للواقف أمامها
– حرام عليك يا بيه مش تتنحنح وتقول أي حاجه
ارتفع كلا حاجبي سيف في دهشة وقبل أن يعيد سؤاله ثانية حتى يعرف هويتها كان العم سعيد يدلف المطبخ
– سيف بيه، محتاج مني حاجه يا بني

استدار سيف نحو العم سعيد ينظر إليه في تساؤل، والعم سعيد لم يتركه في دهشة من وجود ليلى، هى تعمل هنا ولكنها ليست مرئية الوجود كما أعطى السيد الكبير أوامره والتي باتت مشددة منذ عودة سيف للمنزل

– ديه ليلى يا بني بتساعدني في شغل البيت، أنت عارف إني كبرت خلاص

ابتسمت ليلى على حديث العم سعيد، فلم ينطق كلمه تجعلها تشعر بالحرج من السيد الصغير الذي يُقاربها في العمر

– غريبه يا عم سعيد، أنت حتى لو احتاجت لحد يساعدك هتختار راجل
ابتسم العم سعيد، فالسيد الصغير يستعجب من وجود ليلى المخالف لقوانين منزلهم
– لا عمك سعيد عايز حد بابتسامة حلوه

التمعت عينين ليلى في غبطة العم سعيد يُغازلها بحديثه الطيب، هذا الرجل ستظل تتذكره لأخر يوم في عمرها

علقت عيناها بهم وقد سحب العم سعيد السيد الصغير خارج المطبخ ،
فعادت ليلى تنشغل بالطعام تحمد الله أنها أنتبهت بالوقت المناسب على قِدْر الطبخ

….
– بنت يا يتيمة يا ابني كان عمها صاحب الفيلا قبل ما يشتريها عزيز بيه من مراته
طالعه سيف في ذهول، فهل هناك عم يرمي ابنة شقيقه تعيش في ملجأ وهو يعيش في ترف
– متستعجبش يا بني من حال الدنيا والناس، مش كل الناس زي عزيز بيه
– عندك حق يا عم سعيد
– محتاج مني حاجه يا بني
طالعه سيف ينظر إليه يُحاول تذكر ما كان يُريده منه، عاد الألم يطرق رأسه يرفع كفه ضاغطًا على جبينه
– محتاج حاجه للصداع، أو أي منوم يمكن أعرف أنام

….

بخطوات متغنجة حاولت فيها صابرين تقليد سيدات المجتمع الراقي.. اقتربت من زينب وقد ارتدت ذلك الحذاء عالي الكعبين ،
بتأفف زفرت أنفاسها بعدما كادت أن تسقط، ورغماً عن زينب كانت تضحك عليها

– بتضحكي عليا يا زينب بكره تشوفي هكون من الهوانم واعرف ألبس إزاي كعب عالي

حاولت زينب كتم ضحكاتها وقد انتهت من تبديل ثياب إحدى الصغيرات
– بت يا زينب هى ليه ليلى لحد دلوقتي مجتش تزورك ومجبتش عمها الغني يتبرع للدار زي ما كانت بتقول ولا كانت بتضحك علينا
احتقنت ملامح زينب تنظر نحو صابرين شزرًا، صابرين لا تكف إلا وتحدثت عن صديقتها الغالية بالسوء

– ليلى مش كدابه يا صابرين .. أكيد حصلت ليها ظروف منعتها.. وابعدي عن طريقي بقى خليني ألحق وجبة الغدا

امتقعت ملامح صابرين، هذه الفتاة لا ينفع معها حديث فكيف لها أن تعرض عليها ذلك العمل الذي عرضته عليها السيدة مشيرة، عمل في أحد الملاهي الليلة، سيقدموا للزبائن المشاريب لا غير

اسبلت صابرين جفنيها، تاركة لخيالها الحرية.. تتخيل لو رأها أحد الزبائن الأثرياء وتزوج بها حتى لو سرًا
– صابرين
هتفت بها أحدى الفتيات تنظر إليها في ضيق، فلما عليها أن يبعثوها هى دوماً لتبحث عنها
– الغدا اتحط وأنتِ عارفه أبله كريمه اللي ميلحقش ملهوش أكل
زفرت صابرين أنفاسها حانقة، تتمنى أن تمضي هذه الأيام سريعًا وتُغادر هذه الدار

….

– هتعمل إيه في امتحاناتك يا سيف، معنديش مشكله إنك تأجل السنه
تمتم بها عزيز بعدما مضغ لقمة الطعام ثم ابتلعها يُحدق النظر فيه
– لا يا عمي مش هأجلها
تعجب عزيز من عدم رغبته في تأجيل هذا العام رغم إنه هو من يعرض عليه الأمر
– لو محتاج تروح ترتاح في أي مكان معنديش مشكله، أنا مش عايز تفضل متأثر بالموضوع

اماء سيف برأسه يبتلع طعامه بصعوبه، فعمه يفعل كل ما بوسعه
شيعه عزيز بنظراته وهو يُغادر غرفة الطعام بعدما تمتم معتذرًا لرغبته في الصعود لغرفته.

خرجت زفزات عزيز في ثقل ولم يعد لديه هو الأخر شهية في تناول الطعام
نهض عن الطاولة متجهاً نحو المطبخ راغبًا في صنع قهوته بنفسه، فمنذ فترة طويلة لم يصنعها لنفسه ويترك هذا الأمر للعم سعيد

– طعم الأكل جميل أوي يا عم سعيد تسلم ايدك..
التهمت ليلى قطعة اللحم التي اصبحت تأكلها كثيرًا، تنظر نحو الحلقة المعروضة على شاشة التلفاز بتركيز ثم تعود لتحشو فمها بالطعام الذي ستفتقده حين تغادر هذا البيت

– كلي براحه يا ليلى
ثم نظر نحو الوقت ونحو المسلسل المعروض
– فاضل نص ساعه على ميعاد نومك
توقفت ليلى عن مضغ الطعام تنظر للوقت الذي مازال مبكرًا ولم يتجاوز التاسعة بعد وعليها أن تكون في غرفتها حتى لصباح يومًا جديد
– عمي سعيد هو أنا ممكن اقعد في الجنينه لما ازهق، أنا ساعات كتير مبعرفش أنام
ابتسم العم سعيد وهو يرى تذمرها، كل ليله تُخبره بهذا الأمر ثم تذهب لغرفتها حانقة.
انتظرت ليلى أن تسمع منه السماح بعدما رأت تلك الأبتسامة التي شقت شفتيه، هى بالفعل تقضي اوقاتً في الحديقة الخلفيه بل وأحياناً تتفقد أركن المنزل ليلاً ولكنها تشعر بالذنب لأنها تكذب عليه
– ليلى
ضاع أملها مع هتاف اسمها بتلك الطريقة التي لا تعبر إلا عن قلة حيلته
– عارفه إنها أوامر البيه

سيد المنزل لا تتذكر إنها رأت ملامحه بوضوح أو التقت به سوى مرتين لا أكثر
نهضت تجمع الأطباق من فوق الطاولة حتى تُجليها قبل ذهابها لغرفتها

نهض العم سعيد هو الأخر حتى يرى السيد عزيز إذا أراد شيئاً ولكنه توقف مكانه ينظر نحو الواقف وقد احتلت عيناه بعض الدهشة، فما الذي يفعله السيد عزيز قرب المطبخ
– عزيز بيه..
هتف بها العم سعيد يستعجب من وجوده
– محتاج فنجان قهوة
وقبل أن يلتف العم سعيد بجسده ليعد له القهوة توقف مكانه
– متتعبش نفسك يا عم سعيد، أنا هعملها لنفسي

تلاشت دهشة العم سعيد، فهذا ما يفعله رب عمله من حين إلى أخر
أسرعت ليلى في طرق رأسها فقد دلف السيد ليعد فنجان قهوته، فالحديث بينه وبين العم سعيد وصل لمسمعها

ابتلعت لعابها في وقد غزت رائحة عطره القوية أنفها
– ليلى تقدري تروحي على أوضتك يا بنتي
ارتفعت عينين ليلى نحو العم سعيد تومئ برأسها سريعاً دون النظر نحو الواقف جواره

أسرعت في الأنصراف من أمامهم تخشى أن يأتي الصباح ويُخبرها العم سعيد أن السيد أمر بمغادرتها المنزل بعدما اعتادت على تلك الحياة
طعام نظيف، رجل حنون كالعم سعيد، لا أحد يُعنفها أو يُهينها.. والأكثر متعة بالنسبة لها تلك الحديقة الجميله وجلوسها ليلاً بها دون أن يراها أحد

علقت عينين عزيز بها، وقد طالت نظراته نحوها.. فتعجب العم سعيد وقد ارتسم القلق فوق ملامحه، فهل سيطردها هو يعلم أن ليلى جميلة والسيد يخاف على ابن شقيقه.. ف ليلى تُقاربه في العمر

– البنت أمينة وبتسمع الكلام.. الله يسامحه عمها في حد يرمي لحمه وياريت حتى افتكر يوصي عليها عياله يسألوا عنها

ابتلع العم سعيد بقية حديثه، فالسيد عزيز يقف صامتً
– يا بيه لو قلقان من وجودها عشان سيف بيه.. ليلى مش بتخرج من أوضتها بعد الساعه تسعة وطول اليوم معايا وعيني عليها

” لا تخرج من غرفتها بعد الساعه التاسعة”، العم سعيد رجل طيب القلب ولا يعلم ما تفعله بعدما يخلد الجميع للنوم، هو ليس بالسذاج ليترك أحد يعيش بمنزله دون أن يُراقبه حتى يثبت له حسن نواياه

استدار عزيز بجسده ينظر للعم سعيد
– فاضل كام شهر وصاحبتها تخرج من الملجأ
– اربع شهور يا بيه
…..

ارتفعت عصاة السيدة كريمة لأعلى تنظر نحوهم بنظرات قاتمة تحمل الوعيد إذا وجدت الخاتم الخاص بها المسروق من غرفة مكتبها بعدما وضعته فوق الطاولة بعد أن أهدته لها مشيرة

– عارفين اللي هلاقي معاها العقد هعمل فيها إيه
الجميع أسرع في تحريك رأسه، يقسموا إنهم لم يروا الخاتم الذي تتحدث عنه..
– يا حراميه يا ولاد الحرام
أرتجفت أجسادهن، يكتمون صوت شهقاتهم..
– واحده واحده تيجي تتفتش، داده سعدية تعالي فتشيهم
واحده وراء أخرى كان يتم تفتيشها حتى أتى دور صابرين التي وقفت تبتسم بسماجة تخبرهم إنها حينا تُغادر الدار لن تعود لهذا المكان حتى لو اكلت الكلاب لحمها

طالعتها كريمة بنظرة مستهزءة وعندما انتهى فحصها دفعتها المشرفة سعدية بغلظة لسوء لسانها وكأنها تظن نفسها هانم وليس مجرد فتاة لقيطة تم إداعها في دار أيتام

– تعالي يا زينب الدور عليكي
تمتمت بها سعدية تنظر نحو زينب الخائفة، اقتربت منها زينب تقبض فوق كفيها في ذعر وقد اتجهت بعينيها نحو السيدة كريمة
اشاحت كريمة عيناها عنها غير مهتمة بها، فهى متأكدة أنها ليست زينب، زينب فتاة منطوية تخاف من أي شئ وخاصة منها لن تفعلها..
هكذا خاطبت كريمة حالها تزفر أنفاسها حانقة، فلم يتم إيجاد الخاتم في ملابسها
– مافيش معاهم حاجه يا أبله كريمة
– يبقى نفتش سرايرهم يا سعدية

لم تنتظرها كريمة بل اتجهت تقوم هى بالمهمه وقد انقلب المكان رأسًا على عقب
– في خاتم واقع تحت سرير زينب
هتفت بها إحدى الفتيات وسرعان ما كانت تُكمم فمها، فما الذي فعلته
انتقلت جميع الأعين نحو صاحبة الصوت ، فتراجعت للخلف تنظر نحو زينب التي انحبست أنفاسها وعلقت عيناها بهم في شحوب وذعر تهمهم في خفوت
– أنا معرفش عنه حاجة، أنا مأخدتش حاجة

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *