ظنها دمية الجزء الاول سهام صادق

الفصل الرابع
*****
تعلقت عينين عزيز به بلهفة وهو يراه يتحرك مع أحد أفراد الأمن حتى يتم إكمال الإجراءات ويفرج عنه
– متقلقيش يا عزيز بيه، كل حاجه هتخلص النهاردة وسيف بيه هينام في بيته
اتبعه المحامي المكلف بقضيته حتى يُكمل بقية الإجراءات، ظلت عينين عزيز عالقة بهم يزفر أنفاسه براحه وكأن ثقل الدنيا أنزاح من فوق كاهله.
سيف أمانة شقيقه له، أمانه كادت تضيع منه ولكن ماذا عساه أن يفعل ومع خروج زفراته اخذ يتمتم بالحمد، فالقضية انفكت خيوطها بطريقه عجيبة لا يكاد يُصدقها عقل بعدما ظهر المتهم الأخر رفيق سيف يُدلي بأقواله ويخبرهم إنه لم يتوارى عن الأعين إلا بسبب خوفه ليتهم هو أيضا في جريمة لم يفعلها، هو لم يقتل تلك الفتاة فقد كانت رفيقة لهم..
…..
اتسعت عينين ليلى في ذهول تستمع لما يقصه عليها العم سعيد
– يعني بواب العمارة هو اللي قتلها
– الدنيا ملهاش امان يا بنتي، بيقولوا استغفر الله العظيم إنه حبها وغوته
ضاقت عينين في حيرة، ايقتلها لأنها لم تعد تُريد فعل تلك العلاقة الشنيعة التي لا يُحركها إلا غرائزهم
– ده غير إنها خلته هو كمان يدمن المخدرات، وحاجات تانيه استغفر الله العظيم بلاش تعرفيها يا بنتِ
– ليه يا عم سعيد، احكيلي أنا بحب اسمع متخفش عليا أنا بسمع اه لكن عمري ما اختار الطريق الوحش
طالعها العم سعيد بنظرات حانية ، هذه الفتاة لديها طباع تجعل من يُعاشرها يحبها، جميله الملامح والطبع لن تتحمل تلك الحياة التي تنتظرها بعدما تنتهي مدة إقامتها معهم
– هنفضل نرغي كتير يا ليلى، قومي نضفي أوضة سيف بيه وانزلي بسرعه قبل ما البيه يوصل عشان تساعديني في المطبخ
– علم وينفذ يا عم سعيد
أسرعت ليلى في تنفيذ أوامره في سعادة، لقد مضى على إقامتها في هذا المنزل شهراً ، حدودها لا تتخطى المطبخ أو غرفتها..
تخرج للحديقة خلسة في الليل تدور هنا وهناك تستمتع بمظاهر الترف التي كلما رأتها تتسأل ماذا كان سيحدث إذا جعلها عمها تعيش معه، كانت ستصبح هانم تشبه هؤلاء اللاتي كانوا يأتون للملجأ والتبرع لهم.
شيعها العم سعيد بنظراته وهى تتجه لأعلى، فقد صار يمنحها بعض المهام في المنزل بعدما اطمئن لسلوكها وطمئن رب عمله من وجودها
……
استمرت مشيرة في زيارتها الأسبوعيه للدار وقد أحبها الفتيات حتى مُشرفات الدار ، وباتوا ينتظرون ذلك اليوم الذي تزور فيه الدار
تهللت أساريرهم وهو يرونها تدلف من بوابة الدار تحمل الهدايا التي وعدتهم بها، فركض جميعهن صوبها
نهضت السيدة كريمة عن مقعدها بعدما استمعت لصوت الصياح الأتي من حديقة الدار، ووقفت متوعده ولكن سرعان ما انبسطت ملامحها واسرعت بخطواتها مغادرة الغرفة نحو الضيفة التي باتت غالية لديها بهداياها
– أهلا، اهلا مشيرة هانم..
تعلقت عينين مشيرة بها ترسم ابتسامتها الناعمة الراقية تمد يدها لمصافحة
– اهلا مدام كريمة
احتقنت ملامح كريمة بعدما اصطدمت بها صابرين التي التقطت من أحداهن احمر الشفاه الذي اعجبها
– أنتِ مش كل مرة هتاخدي اكتر مننا يا صابرين، شايفه يا مدام مشيرة
– خلاص يا بنات، المره اللي جايه هكتر ليكم من صوابع الروج..
تهللت أسارير الفتيات المجتمعين حولها، وكل منهن نالت هديتها، ازدادت ملامح السيدة كريمة قتامة تلتقط احمر الشفاه الذي يبدو عليه ذو ماركة مشهورة
– مافيش روج يتحط تاني، انتوا سامعين.. لو سامحتي يا مدام مشيرة بلاش الحاجات ديه..
و أندفعت عائدة لغرفتها بملامح متحفظة وقد ارتسم الخوف فوق ملامحهم ،
حدقت بها مشيرة بنظرات تحمل الدهاء، ف أمثال كريمه لا يخفون عنها وتعرف تماماً كيف تسترضيهم
تعالت ثرثرة الفتيات والمشرفات في قلق وكل منهن ترك ما أخذه من الهدايا الكثيرة التي تغدقهم بها
……
طرقت مشيرة غرفة المكتب الخاصه بالسيدة كريمة ترسم فوق ملامحها ابتسامة تُجيد رسمها ببراعه، تعلقت عينين السيدة كريمه بها بعدما رفعت عويناتها قليلًا لأعلى ثم عادت تحدق بتلك الورقة التي تدون فيها ميزانية هذا الشهر وحاجة الدار لعلب اللبن الخاصه بحديث الولاده
– مقصدش اخالف قوانين الدار ولا اتعدى دورك يا مدام كريمه، اسمحيلي اعتذر منك.. أنا ست اتعودت لما الاقي نفسي غلطانه اعتذر والمفروض ده دورك يا فندم أنتِ مش مديرة الدار بس، أنتِ أم لكل بنت في الدار
رفعت كريمة عيناها عن الأوراق تُحدق بها بنظرات ضائقة وسرعان ما لمعت عيناها, تفرد جسدها فوق المقعد مسترخية
انفرجت شفتي مشيرة بابتسامة ماكره، فلا بأس بمزيد من الأحاديث التي ستجعلها تنتفخ كالطاؤوس
– تسمحيلي أحط مبلغ للدار، أنا اعتبرتكم عيلتي حقيقي، أنا اتحرمت من نعمة الامومة لكن كل لحظة بقضيها هنا بحس إن ربنا عوضني بيهم
وضعت مشيرة المبلغ المالي أمام السيدة كريمة تذرف بعض الدموع وقد تمكنت من قلب السيدة كريمة واكتسبت تعاطفها كما اكتسبت سعادتها بالمال
…..
خرجت مشيرة جوار السيدة كريمة التي اتسعت ابتسامتها فور أن مدحتها مشيرة وتسألت عن سر حفاظها على نضارة بشرتها
– شوية خلطات كده هقولك عليه لكن اهم حاجه تنامي بدري وتشربي مية كتير
توقفت مشيرة عن السير بعدما التقطت عيناها زينب التي لم تراها إلا مرتين مع الفتيات
– هي البنت ديه ليه ديما لوحدها
قطبت السيدة كريمة حاجبيها بعدما توقفت عن حديثها تنظر نحو زينب بملامح مستاءة
– اصل صاحبتها خرجت من الدار من مدة وزعلانه عليها، هى كده ديما منطوية
– شكلها بنت هادية
– زينب
ارتعشت أهداب زينب توجسًا وهى تراهم يقتربون منها بعدما هتفت السيدة كريمة اسمها
– أنا ليه مش بشوفك مع البنات يا زينب، حد بيضايقك في حاجة
نظرات السيدة كريمة حملت الوعيد ، فارتعشت شفتيها وأخذت تدلك كفيها
– ردي على مدام مشيرة يا زينب
أسرعت تُلبي أمر السيدة كريمة حتى لا تنال من بطشها بعدما تغادر تلك السيدة الأنيقة
– أصل أنا بحب أفضل لوحدي
– مش قولتلك يا مدام مشيرة
اقتربت منها مشيرة تقربها منها ترسم فوق شفتيها ابتسامة مطمئنة
– المرة اللي جاية عايزة اشوفك مع البنات وتعالي يلا خدي هديتك زيهم ده طبعا بعد أذن مدام كريمة
والسيدة كريمة تنظر لها حتى تُنفذ دون كلمة
……
– إزاي يا مامي قابله الإهانة ديه، هو ده السيد رضوان اللي صممتي تتجوزي وعرضتي كلامنا واحترامنا قرارك عشان كان حبك الأول قبل ما تتجوزي بابي الله يرحمه
احتقنت ملامح بثينة تشيح عيناها عن أبنتها، فقد اهانها ابن رضوان دون أن يأخذ لها حقها رضوان وكيف سيأخذ حقها وكل شئ تحت سلطته
همهمت بغضب ساحق حاولت بشدة أن تخفيه ليلة أمس وهى تُغادر معه عائدة لبيت المزرعة
– طول عمرك سلبي يا رضوان، وكل حاجه خطت ليها ضاعت خلاص
– بتقولي حاجه يا مامي
– هبه أرجوكي كفايه كلام، أنا ضغطي عالي من أمبارح بسبب اللي حصل
أسرعت هبه نحوها تطمئن عليها في لهفة
– أجيبلك دكتور يا ماما
– مين محتاج دكتور يا هبه
ارتسمت ابتسامة مجاملة فوق ملامح هبه ، هى حتى هذا اليوم لا تتقبل زواج والدتها من هذا الرجل رغم مرور عامين على زواجهم ولكن لن تنكر أنه رجل كريم و ودود معهم
– مافيش حاجة يا رضوان
تولت بثينة أمر الجواب عليه، تنظر لأبنتها حتى تصمت وقد فهمت الأمر وغادرت المكان متعلله برغبتها في مهاتفة زوجها
– لو كنت فارقة معاك يا رضوان مكنتش سمحت لابنك يطردني، إظاهر إني غلطت لما قررت اسيب ذكرى زوجي الأول واتجوزك يا رضوان
احتقنت ملامح رضوان فعن أي زوج تتحدث هذه المرأة، اقترب منها يجذبها إليه في تملك
– بثينة بلاش كلامك اللي بيعصبني
لمحت بثينة الغيرة مشتعلة داخل عينيه، فاسبلت أهدابها تلومه على صمته أمس تتجاهل مؤقتً تركه لكل شئ تحت سيطرة ولده المتجبر
– مش قادرة أنسى إني اتهانت قدامك يا رضوان، ابنك طردني قدام بنتي، عارف يعني إيه
– متزعليش يا بثينة
دنى منها يلثم جبينها محاولاً إرضائها
– أنا عمال أصالحك من امبارح، غير أنتِ عارفه كويس كنتِ بتعملي إيه في سلمى طول ما كنا قاعدين في القصر، ده برضوه اللي كنت موصيكي عليه، سلمى حاله خاصه عايزه اللين والحب
– هو أنا كنت بكون قاصده اصرخ فيها، ده هي مره واحده لما تعمدت تحط قشر الموز عشان أقع
رغما عنه كان يضحك وهو يتذكر ذلك اليوم
– ما أنتِ بتحطي عقلك بعقلها، لبسك.. شعرك.. أنتِ مش صغيرة.. طريقة أكلك
احتقنت ملامح بثينة تسمع مبرراته الدائمة لابنة شقيقه التي كان عليهم إداعها في مكان مناسب لحالتها، لا أن تتزوج وتنجب طفل تظنه صديقها
– قولتلك سلمى زي الطفل الصغير لو رضتيها هتحبك مش ليل نهار أوامر.. سلمى مش زينا يا بثينة
– وما دام هي مش زينا، اتجوزها صالح إزاي وخلف منها.. عايز تفهمني إنها بتفهم علاقة الراجل بالست، ابنك مقضيها جوازات في السر وهي فكراه باباها… انتوا عيله مليانه تناقضات يا رضوان وشكلي غلطت لما وفقت نرجع اللي كان بينا زمان
– برضوه يا بثينه بنرجع لنفس الكلام وأنا اللي كنت عاملك مفاجأة هتعجبك
– مفاجأة
استنكرت الكلمه ولكن سرعان ما كانت تلمع عيناها وهي ترى العقد الذي خطف أنظارها
– مافيش حاجه تغلا عليكي يا حببتي
……
توقف صالح أمام المرآة يهندم من قميصه ينظر لأنعكاس تلك الغافية فوق الفراش وقد أنحسر الغطاء بين ساقيها، لقد ضجر وعليه التجديد عليه إنهاء تلك الزيجة حينا يعود من رحلة عمله
غادر الغرفة يسحب سترته من فوق الأريكة ويلتقط بقية متعلقاته
….
توقف عزيز جوار سيارته ينظر نحو سيف الذي غادر أخيراً بعدما انتهت الإجراءات القانونية.
تعلقت عيناه ب سهير طليقة شقيقه وقد طلقها قبل وفاته، يحدق بالمشهد ساخراً هل تذكرت سهير أخيرا أن ابنها سيضيع مستقبله بسبب رفقاء السوء .
لم تكن مشاعر سهير مزيفة من دموع مختلطة بمشاعر الفرح، ولكنها رغما عنها تعود لأنانيتها
– وحشتني أوي يا سيف، وحشتني يا حببتي
ضمته إليها لا تُصدق إنه صار حراً
ارتدى عزيز نظارته يخفي خلفها شوقه، سيف ليس ابن شقيقه فقط بل هو ابنه الذي لم ينجبه حتى الزواج صرفه عن حياته حتى لا تضعه امرأة في خانة الأختيار
اقترب منه سيف في خجل، لقد حذره كثيراً من رفقة السوء.. هو لم يكن يقابل خوفه عليه إلا بالتمرد
– سامحني يا عمي
غامت عيناه بشعور الندم، يسبل جفنيه في خزي يُقاوم غصته, يظنه إنه هذه المرة لن يسامحه
احتضنه عزيز بشوق، لا يُريد رؤية الكسرة في عينيه
– المهم نكون اتعلمنا المرادي يا سيف، شوفت نهاية الطريق كانت ممكن تكون إزاي
والصورة التي حاول نفضها عن عقله مازالت محفورة داخله
…..
طالعت ليلى سعادة العم سعيد وهو يتنقل هنا وهناك داخل المطبخ، ينظر للاصناف التي أعدها من طعام يعرف أن السيد الصغير يحبها
– كل حاجه جهزه يا ليلى
– ايوة يا عم سعيد، أنت بس قولي جهزي الأطباق يا ليلى وأنا هبدء علطول
– تمام يا بنتي، اعملي حساب مدام سهير والده سيف بيه والمحامي
– حاضر
انصرف العم سعيد من المطبخ حتى يسأل السيد عزيز، هل يضع الطعام أم ينتظر قليلاً
عاد بأدراجه ينظر نحو ليلى التي تراجعت للخلف في توتر عندما لمحت قدومه، هى لم تكن ترغب إلا برؤية هذا السيد الصغير الذي رأت صوره المعلقة في غرفة السيد وغرفته أثناء تنظيفها الطبق العلوي
– هو ده اللي اتفقنا عليه يا ليلى، ليلى البيه أوامره لازم تتنفذ يا بنتي…
– سامحني يا عم سعيد، أنا بس كنت عايزة اشوف البيه الصغير.. فضول مش أكتر
تنهد العم سعيد وهو يرى تلك النظرة الحزينة تطل من عينيها
أسرعت ليلى في سكب الطعام وقد ازداد خجلها بعدما شعرت بقلة حيلة العم سعيد وهو يُخبرها أن الأمر ليس بيده ، هو ينفذ الأوامر ولكن ماذا تفعل في فضولها اللعين
…..
زفرت مشيرة دخان سيجارتها بقوة ومازالت عيناها عالقة بتلك الصور التي أمامها
– كلهم بقوا نسخ محروقه يا صبري
زفر الواقف أنفاسه بقوه والتقط الصور من أمامها يُجمعها
– والحل يا مشيرة، أنتِ بقالك شهر ونص بتروحي الملجأ.. ومافيش أي بنت عرفتي تجري رجليها
ارتفعت زواية شفتي مشيرة مع ابتسامة جانبية تسحق عقب سيجارتها في المنفضة
– أنت فاكر الموضوع كان سهل يا صبري لكن هانت خلاص الخيط بقى في أيدي وقريب جداً هنكون بنراضي البشوات
رمقها صبري بنظرة متسعة تحمل غبطة، أخيراً سيكون لديهم نسخ جديدة من الفتيات
– ده أحنا كده هننبسط وهنبسط البهوات، وأنا اللي قولت مشيرة كبرت خلاص وراحت عليها
استنكرت مشيرة حديثه, تدس سيجارة أخرى بين شفتيها
– متخافش يا صبري، لسا مراحتش عليا
اسرع صبري في الجلوس جوارها حتى يتمكن من ترضيتها بعدما رأى الحنق مرتسم فوق ملامحها راغباً في معرفة عدد الفتيات اللاتي ستستطيع جرهم لعملهم
– كام بنت هتقدري تحبيهم يا مشيرة، افتحي نفسي
وسرعان ما كان يتلاشى الانبساط فوق ملامح صبري يهتف مستنكراً
– تلاته!
– التالته ديه الحصان الرابح يا صبري، حاجه كده هتكون هدية مني لواحد بس..
ضاقت عينين صبري للحظات وسرعان ما كان يفهمها، رجلاً واحداً من لا يرتضي إلا بشئ ثمين ليدفع بسخاء
– اسمها إيه البنت اللي وقع عليها الاختيار للباشا
والاسم يُلفظ من شفتي مشيرة مع تنهيدتها المعبأة برائحة الدخان
– زينب





