روايه للكاتبه ميرال احمد

كل الأطباء فقدوا الأمل في إنقاذ زعيم أكبر عائلة في القاهرة… حتى لاحظت عاملة النظافة الفقيرة شيئًا تجاهله الجميع.
اثنا عشر طبيبًا، كل واحد منهم يحمل أعلى الشهادات، وقفوا حول السرير الفاخر في حيرة تامة.
كانوا يتحدثون بصوت خافت عن فشل الأعضاء، وتلف الأنسجة، وانهيار الجهاز العصبي، بينما الرجل الممدد أمامهم كان يغرق ببطء داخل جسده.
هم رأوا لغزًا طبيًا معقدًا…
أما هدير، فرأت إنسانًا يحتضر.
وبينما كانت تكشط بقايا الشمع عن الكومود المصنوع من الخشب الفاخر، وتحني رأسها كما اعتادت حتى لا يلاحظها أحد، رأت شيئًا واحدًا غفل عنه اثنا عشر طبيبًا.
قصر عائلة المنشاوي لم يعد تفوح منه رائحة الثراء…
بل أصبح يشبه جناحًا في مستشفى فاخر.
منذ ثلاثة أسابيع، امتلأت الستائر والسجاد بروائح المطهرات والكلور واليود، حتى اختفت رائحة السيجار والعطور الثقيلة التي كانت تميز رجال الطابق الأرضي.
دفعت هدير جردل الممسحة في الممر الطويل، بينما كانت عجلاته تصدر صريرًا فوق الرخام اللامع.
كانت في الرابعة والعشرين من عمرها، مرهقة دائمًا، وتحفظ كل بقعة في أرضية القصر، لأن رفع عينيها للأعلى داخل هذا المكان قد يكلفها وظيفتها…
أو ربما حياتها.
وقف رجلان ضخمان ببدلتين سوداوين أمام باب غرفة السيد.
قالت بصوت خافت
النظافة.
لم تنظر إلى وجهيهما.
فتش أحدهما مريلتها، وعصا الريشة، وحتى جردل الممسحة، ثم أومأ برأسه.
فُتح الباب.
كانت الغرفة خانقة.
امتزجت فيها رائحة الدم والعرق والعطر الباهظ، لكن شيئًا واحدًا ظل أقوى من الجميع…
رائحة جسد بدأ يفقد الحياة.
كان عمر المنشاوي، أخطر رجل في القاهرة، لم يعد يشبه الرجل الذي كانت خطواته وحدها تُسكت الجميع.
اختفى تقريبًا تحت الملاءات البيضاء.
تحول لون بشرته إلى الرمادي، والتصق شعره المبلل بجبينه، بينما كانت المحاليل والمضادات الحيوية تتدلى بجواره.
كان الجميع يقول إن عمر جعل رجالًا يختفون دون أثر…
أما الآن، فقد خسر أكثر من خمسة عشر كيلو، وأصبح جسده يرتجف

بلا توقف.
وقف ثلاثة من أفضل الأطباء حوله.
طبيب مخ وأعصاب، وطبيب مناعة، وطبيب سموم جاء خصيصًا من الخارج.
قال طبيب المناعة بقلق
كرات الدم البيضاء بتنخفض تاني.
ورد طبيب الأعصاب
إنت بتخمن… دي عدوى في المخ.
أما طبيب السموم فقال وهو يفرك جبهته
المشكلة في الجسم كله… لازم نزود الكورتيزون.
بدأوا يتجادلون…
لكنهم لم ينظروا إلى المريض.
كانوا ينظرون إلى التحاليل والشاشات فقط.
عصرت هدير الممسحة.
سقط الماء المتسخ داخل الجردل.
لم تكن تهتم بإمبراطورية عمر المنشاوي…
ولا بما فعله في حياته.
كانت تهتم فقط براتبها.
كانت مدينة بثلاثة أشهر إيجار، وصاحب البيت بدأ ينظر إلى أختها الصغيرة بطريقة أخافتها.
كان العمل في قصر المنشاوي يمنح الخدم ثلاثة أضعاف أي راتب آخر…
مقابل شرط واحد غير مكتوب
أن يكونوا عميانًا… وصمًا… وبكمًا.
لو مات عمر…
ستنقسم العائلة.
وسيباع القصر أو يحترق.
وفي الحالتين…
ستخسر هدير كل شيء.
اقتربت لتنظف الكومود.
وفجأة…
أطلق عمر شهقة متقطعة.
توقف صدره للحظة.
رفعت هدير رأسها.
فتح عينيه.
كانتا حمراوين، شاردتين، ومملوءتين بالخوف.
التقت عيناه بعينيها.
لم تر فيهما قوة…
ولا سلطة…
بل رعب إنسان يحتضر.
أخفضت رأسها بسرعة، وأكملت التنظيف.
قال الطبيب
زودوا المهدئ.
حقنت الممرضة الدواء.
وخلال ثوانٍ…
عاد عمر إلى غيبوبته.
ظل الأطباء يتحدثون بكلمات معقدة…
لكن الحقيقة كانت واضحة.
رغم المال، والأجهزة، وأشهر الأطباء…
كانوا يخسرونه.
بحلول صباح الثلاثاء…
ازدادت حالته سوءًا.
امتلأ القصر بالحراس المدججين بالسلاح.
دخلت هدير الغرفة قبل الثامنة صباحًا.
لم يبقَ سوى طبيبين يحتسيان القهوة في صمت.
قال أحدهما
الكلى بدأت تفشل… قد لا يعيش أكثر من يومين.
وفي تلك اللحظة…
دخل ياسر المنشاوي، شقيق عمر الأصغر.
كان يرتدي بدلة رمادية أنيقة، وعلى وجهه ملامح حزن تبدو مثالية أكثر من اللازم.
كان يحمل صينية فضية عليها فنجان شاي ساخن.
سأل بهدوء
عامل إيه؟
أجابه الطبيب
بنحاول نخفف ألمه.
اقترب ياسر من السرير، وربت على جبين أخيه بحنان…
لكن شيئًا ما جعل جسد هدير يقشعر.
لم يكن لديها أي دليل.
لكنها تربت في بيت تعرف فيه معنى الخوف.
وعرفت فورًا…
أن حزن ياسر كان… مصطنعًا.
ثم وضع فنجان الشاي على الكومود، والتفت إلى الممرضة
حكايات_ميراا
دخل ياسر الغرفة بخطوات هادئة، ثم قال للممرضة بابتسامة باهتة
اتفضلي… اشربي قهوتك. أنا هاقعد مع أخويا خمس دقايق.
ترددت الممرضة، لكنها خرجت بعد أن أومأ لها الطبيب.
أُغلق الباب.
لم يبقَ في الغرفة سوى عمر، وياسر… وهدير التي كانت تمسح الأرضية في الركن البعيد، منحنية الرأس كأنها غير موجودة.
اقترب ياسر أكثر من السرير.
انحنى حتى أصبح وجهه قريبًا من أذن أخيه.
ثم همس بصوت لم يكن من المفترض أن يسمعه أحد
تعبت كفاية… ارتاح بقى.
تجمدت يد هدير فوق الممسحة.
لم ترفع رأسها…
لكن أذنها التقطت كل حرف.
بعد ثوانٍ، مد ياسر يده نحو فنجان الشاي.
لم يشرب منه.
بل أخرج من جيب سترته زجاجة صغيرة لا يتجاوز حجمها إصبعين.
فتحها بسرعة.
قطرتان فقط…
ذابتا داخل الشاي واختفتا تمامًا.
عاد الفنجان إلى مكانه، وأغلق الزجاجة في أقل من ثانية.
ثم ابتسم.
ابتسامة لم تكن تشبه ابتسامة أخ يخاف على أخيه.
في تلك اللحظة دوى صوت في الممر.
فتح الطبيب الباب فجأة.
اختفت الزجاجة داخل جيب ياسر قبل أن يلتفت أحد.
قال الطبيب
التحاليل الجديدة وصلت.
ابتعد ياسر عن السرير فورًا، وعاد ذلك الحزن المصطنع إلى ملامحه.
أما هدير…
فشعرت أن قلبها يكاد يقفز من صدرها.
هل رأت ما رأته فعلًا؟
أم أن خوفها من فقدان العمل جعلها تتخيل؟
مرت دقائق ثقيلة.
ثم قالت الممرضة
لازم ياخد الشاي بعد ما يفوق شوية.
نظرت هدير إلى الفنجان.
كان في مكانه…
كما هو.
وفجأة، وبينما كان الجميع منشغلًا بمناقشة التحاليل، لاحظت شيئًا آخر.
على حافة الفنجان من الداخل…
كان هناك أثر خفيف جدًا، كأنه مسحوق أبيض لم يذب بالكامل.
لم يكن السكر.
كانت تعمل في القصر منذ عامين، وتحضر الشاي يوميًا، وتعرف شكله جيدًا.
شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
إذا تكلمت…
قد تتهم رجلًا يستطيع أن يخفي أي شخص بلا أثر.
وإذا سكتت…
فربما يموت عمر خلال ساعات.
قبل أن تحسم أمرها، دوى صوت أجهزة المراقبة فجأة.
بيب… بيب… بيب…
ثم تحول الصوت المنتظم إلى إنذار حاد.
قفز الأطباء نحو السرير.
انخفض ضغط عمر بصورة مرعبة.
صرخ أحدهم
النبض بينزل بسرعة!
وأسرعت الممرضة تمسك بفنجان الشاي لتبعده عن الأجهزة.
لكن يدًا امتدت قبلها بثانية واحدة…
وأمسكت بالفنجان.
كانت يد هدير.
ساد الصمت للحظة.
التفتت إليها كل العيون.
رفع كبير الحراس سلاحه وهو يصيح بغضب
إنتِ بتعملي إيه؟!
ابتلعت هدير ريقها، وهي تضم الفنجان بكلتا يديها، ثم قالت بصوت مرتجف لكنه واضح
محدش… يشربه للمريض.
تبادل الجميع النظرات في ذهول.
أما ياسر…
فاختفت ابتسامته لأول مرة، واتسعت عيناه للحظة خاطفة، قبل أن يستعيد هدوءه ويقول بنبرة باردة
واضح إن عاملة النظافة دي اتجننت…
لكن هدير كانت تنظر إليه مباشرة.
ولأول مرة منذ دخلت هذا القصر…
رفعت رأسها بالكامل ساد صمت ثقيل داخل الغرفة.
نظر كبير الأطباء إلى هدير بغضب وقال
إنتِ بتتهمي حد؟
هزت رأسها بسرعة.
أنا… أنا مش باتهم حد.
ثم نظرت إلى الفنجان وهمست
بس… متخلوش البيه يشرب منه.
ضحك ياسر ضحكة قصيرة وهو يهز رأسه.
واضح إن الضغط النفسي لعب بعقلها.
التفت إلى الحراس وأضاف ببرود
خرجوها برة.
تحرك الحارسان نحو هدير.
تراجعت خطوة وهي تضم الفنجان إلى صدرها.
وفجأة قال الطبيب الكبير
استنوا.
التفت الجميع إليه.
مد يده نحو هدير.
هاتِ الفنجان.
ترددت للحظة، ثم سلمته له.
رفع الطبيب الفنجان أمام الضوء.
لم ير شيئًا.
قربه من أنفه.
ثم هز كتفيه.
شكله طبيعي.
ابتسم ياسر ابتسامة خفيفة وقال
قلت لكم… البنت مرعوبة من منظر الأجهزة.
لكن هدير لم تستسلم.
قالت بصوت منخفض
بصوا للقاع.
عبس الطبيب.
أدار الفنجان ببطء.
وفي القاع…
ظهر خط أبيض رفيع جدًا، كأنه بقايا حبيبات لم تذب بالكامل.
تغيرت ملامحه قليلًا.
التقط ملعقة صغيرة وحرك الشاي.
اختفى الأثر في لحظة.
قال الطبيب
ممكن يكون سكر.
لكن هدير ردت فورًا
أنا اللي حضرت الشاي الصبح.
نظر إليها الجميع.
أكملت وهي تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها
البيه عمر ممنوع
لمحة نيوز

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *