روايه للكاتبه ميرال احمد

له السكر من شهر… وكل الشاي اللي بيدخل أوضته بيتعمل من غير سكر.
تبادل الطبيبان النظرات.
أما ياسر، فشبك يديه خلف ظهره وقال بهدوء شديد
طيب ابعتوا الفنجان المعمل… ونخلص.
كانت نبرته هادئة أكثر مما ينبغي.
وكأنه يعرف مسبقًا أن النتيجة لن تصل إلا بعد ساعات.
وساعات…
قد تكون كافية لانتهاء كل شيء.
في تلك اللحظة، دخل أحد أفراد الأمن مسرعًا.
دكتور… المريض بدأ يفوق!
التفت الجميع نحو السرير.
تحركت أصابع عمر المنشاوي ببطء.
ثم فتح عينيه للمرة الأولى منذ أيام.
كانت أنفاسه متقطعة.
حاول أن يتكلم.
اقترب الطبيب منه سريعًا.
ماتتكلمش… ريح نفسك.
لكن عمر كان يحاول أن يقول شيئًا مهمًا.
تحركت شفتاه بصعوبة.
انحنى الطبيب أكثر.
لم يسمع سوى كلمة واحدة…
الخزنة…
ثم انقطع صوته.
عاد جسده للاهتزاز بعنف.
بينما كان الأطباء يحاولون إنقاذه، التفت ياسر للحظة نحو أحد الحراس الواقفين عند الباب.
كانت مجرد نظرة…
لكن الحارس فهمها.
غادر الغرفة فورًا دون أن يسأل أحد عن السبب.
ولم ينتبه لذلك إلا شخص واحد…
هدير.
راقبته بعينيها حتى اختفى في نهاية الممر.
ولأول مرة شعرت أن ما يحدث لا يتعلق بمرض غامض فقط…
بل بسر كبير داخل القصر، سرّ مستعد بعضهم لقتل أي شخص حتى لا يخرج إلى النور خرج الحارس مسرعًا، بينما بقيت هدير تحدق في الباب المفتوح لثوانٍ.
شيء بداخلها كان يصرخ…
اتحركي… قبل فوات الأوان.
لكنها لم تستطع.
كانت مجرد عاملة نظافة.
ولو خرجت من الغرفة دون إذن، سيوقفها الحراس قبل أن تصل إلى نهاية الممر.
داخل الغرفة، عاد الأطباء يحيطون بعمر.
قال أحدهم وهو يراقب الشاشة
النبض استقر شوية… لكن حالته لسه حرجة.
تنفس الجميع الصعداء…
ما عدا ياسر.
كانت ملامحه ثابتة، لكن أصابعه كانت تضغط على حافة الطاولة بعصبية خفيفة.
لاحظت هدير ذلك.
بعد دقائق، دخل فني المعمل ليأخذ فنجان الشاي.
وضعه داخل كيس شفاف محكم الإغلاق، ثم غادر بسرعة.
تابع ياسر الكيس بعينيه حتى اختفى.
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة…
ابتسامة جعلت هدير تشعر بأن هناك شيئًا آخر سيحدث.
بعد أقل من ربع ساعة…
دوى جرس إنذار في القصر كله.
ركض الحراس في كل اتجاه.
وصاح أحدهم
اقفلوا كل المداخل!
نظر كبير الأطباء بدهشة.
في إيه؟
دخل أحد رجال الأمن وهو يلهث.
حد اقتحم غرفة التحاليل… واختفت عينة الشاي.
ساد الصمت.
نظر الطبيب إلى مكان الكيس…
كان قد اختفى فعلًا.
أما ياسر، فأطرق رأسه كأنه مصدوم.
وقال بصوت مبحوح
مين ممكن يعمل كده؟
لكن هدير رأت شيئًا لم يره أحد.
في كم سترته…
علقت شعرة طويلة سوداء.
لم تكن من شعره.
بل كانت تشبه تمامًا شعر الممرضة التي خرجت منذ دقائق مع فني المعمل.
بدأت الأفكار تتزاحم في رأسها.
هل الممرضة متورطة؟
أم أُجبرت على تسليم العينة؟
وقبل أن تجد إجابة…
دخل رجل مسن بخطوات سريعة.
كان يرتدي جلبابًا بسيطًا، لكن جميع الحراس ابتعدوا من طريقه فورًا.
همس أحد الأطباء
ده عم رشدي…
كبير الخدم.
اقترب عم رشدي من السرير، ثم نظر إلى عمر طويلًا.
بعدها التفت فجأة نحو هدير.
ثبت عينيه عليها وقال بهدوء غريب
إنتِ… تعالي ورايا.
تجمدت في مكانها.
أنا؟
أومأ برأسه.
حالًا.
نظرت إلى الحراس، فلم يمنعها أحد.
سارت خلفه عبر ممرات لم تدخلها من قبل.
حتى توقف أمام باب خشبي قديم في آخر القصر.
أخرج مفتاحًا نحاسيًا من جيبه.
فتح الباب ببطء.
كانت غرفة صغيرة مغطاة بالغبار، وكأن أحدًا لم يدخلها منذ سنوات.
أغلق الباب خلفهما.
ثم قال بصوت منخفض
الكلمة اللي عمر قالها قبل ما يغمى عليه… كانت الخزنة، صح؟
اتسعت عينا هدير.
كيف عرف؟
وقبل أن تسأله…
أخرج عم رشدي من داخل خزانة قديمة ظرفًا أصفر سميكًا، ووضعه بين يديها.
وقال
لو حصل لعمر أي حاجة… الظرف ده ماينفعش يقع في إيد ياسر.
وفي اللحظة نفسها…
سمعا صوت مقبض الباب يتحرك من الخارج ببطء…
كأن أحدهم كان يحاول الدخول دون أن يشعر بهما تجمد عم رشدي في مكانه.
وأشار إلى هدير ألا تنطق بكلمة.
استمر مقبض الباب في الحركة ببطء…
مرة…
ثم مرتين…
ثم توقف.
مرت ثوانٍ ثقيلة، قبل أن يُسمع صوت خطوات تبتعد في الممر.
تنفس عم رشدي بصعوبة، ثم همس
لسه بيدوروا.
ضمت هدير الظرف إلى صدرها.
هو فيه إيه؟
نظر إليها الرجل العجوز طويلًا، وكأنه يحاول أن يقرر إن كان يثق بها أم لا.
ثم قال
أنا خدمت العيلة دي أكتر من أربعين سنة… وشفت حاجات لو خرجت للناس، القاهرة كلها هتتكلم عنها.
ابتلعت هدير ريقها.
الظرف ده فيه إيه؟
أجاب بحزم
ما تفتحيهوش هنا.
لكن فضولها كان أقوى.
ألقت نظرة سريعة داخل الظرف.
لم تجد أموالًا…
ولا عقود ملكية…
بل صورة قديمة جدًا.
في الصورة، كان عمر المنشاوي شابًا في العشرينات، يقف بجوار رجل يرتدي بدلة عسكرية قديمة.
وبينهما…
طفل صغير لا يتجاوز الخامسة.
قلبت الصورة.
وجدت على ظهرها عبارة بخط يد قديم
الحقيقة لا تُدفن… حتى لو انتظرَت عشرين سنة.
وتحتها تاريخ قديم.
شعرت هدير بالحيرة.
مين الطفل ده؟
لكن عم رشدي انتزع الصورة منها بسرعة وأعادها إلى الظرف.
كل حاجة في وقتها.
وفجأة…
رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتغير لون وجهه.
أغلق الهاتف دون أن يرد.
قالت هدير
مين؟
همس
الرقم الداخلي للقصر… محدش يعرف إني هنا.
وفي اللحظة نفسها…
انطفأت أنوار الغرفة.
غرق المكان في الظلام.
ثم دوى صوت صفارة الإنذار مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت أقرب بكثير.
سمعا أصوات أقدام تركض في الممر.
وصوت رجل يصيح
فتشوا كل الأوضة… محدش يخرج من الجناح الغربي!
التفت عم رشدي إلى هدير بسرعة.
اسمعيني كويس… لو مسكونا وإنتِ معاكي الظرف، مش هيسألوكي أي سؤال.
ارتجفت.
يعني إيه؟
نظر إليها بعينين امتلأتا بالخوف لأول مرة.
يعني هيختفي… زي ناس كتير اختفوا قبل كده.
ثم أمسك بلوح خشبي قديم في أرضية الغرفة، ورفعه.
ظهر تحته ممر ضيق مظلم.
قال بصوت منخفض
انزلي بسرعة.
نظرت هدير إلى الفتحة، ثم إليه.
وأنت؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
لازم أفضل هنا… عشان أضيع عليهم الوقت.
قبل أن تعترض…
سمعا صوت ارتطام قوي بالباب.
ضربة أولى…
ثم ثانية…
ثم صرخ أحد الحراس من الخارج
افتح الباب فورًا!
أمسك عم رشدي بيد هدير، ووضع الظرف داخل حقيبة أدوات التنظيف الخاصة بها بنفسه.
ثم دفعها برفق نحو الممر السري وهو يقول
افتكري حاجة واحدة… عمر المنشاوي ما كانش بيخاف على نفسه…
توقفت هدير وسألته بسرعة
كان بيخاف على إيه؟
نظر إليها للحظة، ثم قال الجملة التي جعلت قلبها يتسارع
كان بيخاف من الشخص اللي عايش معانا في القصر… والكل فاكره أوفى واحد في العيلة.
وفي اللحظة التالية…
انكسر الباب بقوة، واقتحم الحراس الغرفة، بينما كانت هدير تهبط أول درجات الممر السري، تسمع الصراخ فوق رأسها… ولا تعرف إن كانت ستتمكن من الخروج قبل أن يكتشف أحد مكانها حبست هدير أنفاسها وهي تهبط درجات السلم الحجري الضيق.
أغلقت اللوحة الخشبية فوق رأسها بصوت خافت…
ثم عمّ الظلام.
لم يكن معها سوى ضوء هاتفها القديم، الذي بالكاد بقيت فيه بطارية تكفي دقائق.
أضاءته.
ظهر أمامها ممر طويل، جدرانه من الحجر القديم، وعلى الأرض آثار أقدام لم تكن مغطاة بالغبار.
توقفت.
هذا يعني…
أن أحدًا يستخدم هذا الممر حتى الآن.
فوقها مباشرة، كانت تسمع أصوات الحراس.
فتشوا المكان كله!
عم رشدي فين؟
ثم دوى صوت ارتطام عنيف، تلاه صرخة مكتومة.
أغمضت هدير عينيها.
أرادت أن تعود لتساعده…
لكنها تذكرت كلماته.
لو رجعتي… كل حاجة هتضيع.
واصلت السير.
بعد أمتار قليلة، انتهى الممر عند باب حديدي صغير.
دفعت الباب بحذر.
خرجت إلى قبو قديم أسفل القصر.
كان مليئًا بالأثاث المغطى بالأقمشة وصناديق خشبية ضخمة.
وفي آخر القبو…
كانت هناك خزنة حديدية عملاقة.
توقفت مكانها.
همست لنفسها
الخزنة…
إذن هذه هي الكلمة التي كان عمر يحاول قولها.
اقتربت منها.
وجدت بجوارها لوحة مفاتيح إلكترونية، لكنها كانت مطفأة.
وفوقها مباشرة…
ورقة صغيرة ملصقة بشريط شفاف.
كُتب عليها بخط يد مرتعش
إذا وصلت إلى هنا… فلا تثق في أحد.
ارتجفت يدها.
وفي اللحظة نفسها…
سمعت صوتًا خلفها.
استدارت بسرعة.
لكنها لم تجد أحدًا.
فقط…
صوت أنفاس.
بطيئة…
وثقيلة.
سلطت ضوء الهاتف نحو زاوية القبو.
فشهقت.
كان هناك رجل مقيد إلى كرسي حديدي.
شعره طويل،

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *