روايه للكاتبه ميرال احمد

من وجه ياسر للحظة.
ثم اقترب منه وصفعه بقوة حتى سقط على الأرض.
وقال بغضب مكتوم
إنت كان المفروض تختفي من زمان.
رفع كريم رأسه وهو يمسح الدم من شفتيه.
ثم قال بهدوء غريب
عمر عرف كل حاجة… قبل ما يقع بأسبوع.
تغير وجه ياسر.
اسكت.
لكن كريم أكمل
وعشان كده سجل اعتراف كامل…
ونظر نحو جهاز التسجيل.
…وسابه هنا.
اتجهت عينا ياسر إلى الجهاز في اللحظة نفسها.
صرخ في أحد الحراس
هاتوه!
اندفع الحارس نحو الطاولة.
لكن هدير كانت أقرب.
أمسكت بجهاز التسجيل قبل أن تصل إليه يد الحارس، وركضت نحو آخر الغرفة.
صرخ ياسر
اقفلي عليها!
ركض الحارسان خلفها.
كانت الغرفة ضيقة، ولا يوجد مخرج واضح.
اصطدمت بالجدار.
ظنت أن النهاية قد جاءت.
لكن أثناء ارتطامها بالحائط…
ضغط مرفقها على حجر بارز.
فصدر صوت ميكانيكي خافت.
وانفتح جزء من الجدار فجأة.
نظرت هدير في دهشة.
كان هناك ممر آخر مخفي.
صرخ كريم بكل ما بقي لديه من قوة
اجري يا هدير!
دخلت الممر دون تفكير.
وانغلق الجدار خلفها قبل أن يصل إليها الحراس بثوانٍ.
ضربوا الحائط بأيديهم في غضب.
أما ياسر…
فوقف مكانه لا يصدق ما حدث.
همس لنفسه
حتى الممر ده… عمر مخبّيه؟
في الجهة الأخرى، كانت هدير تركض وسط الظلام، وهي تضم جهاز التسجيل إلى صدرها.
وفجأة…
سمعت صوت الجهاز يعمل وحده بسبب ارتطامه بجسدها.
خرج منه صوت ضعيف ومتقطع…
لكنه كان واضحًا.
أنا… عمر المنشاوي… لو حد بيسمع التسجيل ده… يبقى الشخص اللي كنت بخاف منه وصل قبلي…
توقفت هدير مكانها.
ثم جاء الصوت التالي، وهو يلهث
والاسم… هو…
لكن قبل أن ينطق بالاسم…
انقطع التسجيل فجأة.
نفدت البطارية.
وقفت هدير في الظلام، وقلبها يخفق بعنف.
الاسم الذي كان سيكشف الحقيقة كلها…
اختفى قبل أن يُسمع بثانية واحدة فقط تراجعت هدير خطوة إلى الخلف، وهي تحاول كتم أنفاسها.
أصوات الحراس أصبحت أقرب.
فتشوا كل رف… محدش يخرج من هنا.
نظرت حولها بسرعة.
لم يكن في المكتبة مكان يختبئ فيه شخص بالغ…
إلا خزانة خشبية ضخمة في آخر القاعة.
اندست بداخلها، وأغلقت الباب بصعوبة، تاركة فتحة صغيرة ترى منها ما يحدث.
دخل أول حارس.
ثم الثاني.
وبعدهما ياسر بنفسه.
كانت عيناه تجولان في المكان ببطء، وكأنه يعرف أن فريسته لا تزال هنا.
توقف أمام إحدى الطاولات.
لاحظ كتابًا مفتوحًا.
ابتسم ابتسامة خفيفة.
حد كان هنا من ثواني.
قال أحد الحراس
نجيب الكلاب يا باشا؟
رد ياسر بهدوء
لأ… هي مش هتعرف تخرج من القصر.
ثم أضاف وهو ينظر إلى الرفوف
سيبوها تتعب… وفي الآخر هتيجي بنفسها.
شعرت هدير بقشعريرة.
كان واثقًا بشكل مخيف.
وفجأة…
رن هاتف ياسر.
نظر إلى الشاشة، ثم ابتعد عدة خطوات عن الحراس.
خفض صوته، لكن المكتبة كانت ساكنة لدرجة أن هدير استطاعت أن تسمع بعض الكلمات.
إيه؟… صحي تاني؟
ساد صمت.
ثم قال بحدة
امنعوا أي حد يقرب منه… خصوصًا البنت.
اتسعت عينا هدير.
إذن عمر ما زال يحاول الوصول إليها.
أغلق ياسر الهاتف، واستدار ليغادر.
لكن قبل أن يخرج، توقف أمام صورة زيتية كبيرة معلقة على الحائط.
نظر إليها لثوانٍ.
ثم ضغط بإصبعه على إطارها.
صدر صوت تك.
وانفتح جزء صغير من الجدار.
أخرج ياسر مفتاحًا ذهبيًا صغيرًا من التجويف، وأخفاه في جيبه.
ثم أغلق المكان كأن شيئًا لم يكن.
رأت هدير كل شيء.
همست في نفسها
المفتاح…
بعد خروج ياسر، أكمل الحراس التفتيش لدقائق، ثم غادروا واحدًا تلو الآخر.
انتظرت هدير حتى خيم الصمت.
خرجت ببطء من الخزانة.
اتجهت فورًا إلى الصورة.
تحسست الإطار حتى وجدت الزر الصغير.
ضغطت عليه.
انفتح التجويف مرة أخرى…
لكنه كان فارغًا.
إلا من ورقة مطوية في الركن.
أخرجتها بسرعة.
كانت مكتوبة بخط عمر المنشاوي.
إذا اختفى المفتاح… فمعنى ذلك أن ياسر سبقك.
وتحتها سطر آخر
لكن المفتاح الحقيقي لا يفتح الخزنة… بل يفتح الحقيقة.
عبست هدير.
قبل أن تفهم المقصود، سمعت صوتًا خلفها.
استدارت بسرعة.
كان عم رشدي.
وجهه شاحب، وثيابه ممزقة، وعلى جبينه أثر دم.
ابتسم بصعوبة وقال
الحمد لله… لقيتك.
ركضت نحوه.
إنت عايش!
هز رأسه بتعب.
ملحقوش يخلصوا عليا… لكن مفيش وقت.
ناولها شيئًا صغيرًا ملفوفًا في قطعة قماش.
فتحته.
فوجدت… مفتاحًا ذهبيًا مطابقًا تمامًا للمفتاح الذي أخذه ياسر قبل دقائق.
نظرت إليه بدهشة.
يعني… فيه مفتاحين؟
ابتسم عم رشدي ابتسامة غامضة وقال
وده السر اللي عمر خبيه عن الكل…
لكن قبل أن يكمل، انطلقت رصاصة من آخر الممر.
ارتطم الزجاج خلف هدير وتناثر في كل مكان.
وسقط عم رشدي على ركبتيه، وهو يضع يده على كتفه المصاب، بينما دوى صوت بارد من نهاية المكتبة
المرة دي… مش هتهربوا بعد صوت الرصاصة، سقط عم رشدي على ركبتيه وهو يضغط على كتفه.
صرخت هدير
عم رشدي!
أمسك يدها بقوة، ودفع المفتاح الذهبي في كفها.
وقال بصوت متقطع
متوقفيش… أوعي توقفي.
وفي اللحظة نفسها، اندفع الحراس إلى داخل المكتبة.
لكن قبل أن يصلوا إليها، دوى صوت قوي من أجهزة الإنذار في القصر كله.
ركض أحد الحراس وهو يصرخ
البيه عمر رجعله الوعي بالكامل!
تجمد ياسر.
ترك هدير للحظة، واتجه مسرعًا إلى غرفة أخيه.
كانت تلك الثواني كافية.
ركضت هدير مع عم رشدي حتى وصلا إلى غرفة عمر.
فتح الأطباء الطريق عندما رأوا عم رشدي، بينما كانت أجهزة المراقبة تصدر صوتًا منتظمًا لأول مرة منذ أسابيع.
فتح عمر عينيه.
نظر إلى هدير مباشرة.
ثم مد يده المرتعشة.
وضعت المفتاح الذهبي في كفه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وأشار إلى الدرج الموجود بجوار سريره.
فتح عم رشدي الدرج.
كان بداخله جهاز صغير يشبه وحدة تخزين إلكترونية، ومعه خطاب مختوم.
قال عمر بصعوبة
افتحوا…
فتح عم رشدي الخطاب أمام الجميع.
قرأ بصوت مرتفع
إذا وصل هذا الخطاب إلى أيديكم، فهذا يعني أنني ما زلت حيًا… أو أن أحدًا حاول قتلي.
ساد الصمت.
وأكمل القراءة
كنت أشك منذ أشهر أن هناك من يعبث بأدويتي. لذلك استبدلت كل الأوراق المهمة بنسخ، وسجلت كل شيء في هذه الوحدة.
نظر الجميع إلى ياسر.
بدأ العرق يتصبب من جبينه.
أوصل أحد الأطباء الوحدة إلى جهاز الكمبيوتر الموجود بالغرفة.
ظهرت تسجيلات من كاميرات سرية.
كان أول مقطع يُظهر ياسر وهو يدخل ليلًا إلى غرفة الأدوية، ويستبدل زجاجات العلاج بأخرى.
وفي مقطع آخر، ظهر وهو يهدد كريم ويأمر باحتجازه في القبو.
أما آخر مقطع…
فكان يُظهره وهو يضع المادة الغريبة في فنجان الشاي.
سادت الغرفة حالة من الذهول.
تراجع ياسر خطوة إلى الخلف.
ثم خطوتين.
وحاول الهرب.
لكن الحراس أنفسهم، الذين كانوا ينفذون أوامره منذ سنوات، أوقفوه هذه المرة.
قال كبير الحراس بحزم
انتهى يا باشا.
خفض ياسر رأسه.
ولأول مرة، اختفت ثقته تمامًا.
اقترب عمر من هدير بعينيه، وقال بصوت ضعيف
أنتِ… أنقذتِ حياتي.
ابتسمت هدير والدموع في عينيها.
بعد أسابيع، تعافى عمر تدريجيًا.
وأعلن أمام أفراد العائلة أن هدير لم تعد عاملة نظافة، بل أصبحت مسؤولة عن مؤسسة خيرية جديدة تحمل اسم والدته، لمساعدة الأسر الفقيرة وعلاج المرضى غير القادرين.
أما كريم، فعاد إلى عمله بعد أن ظهرت براءته كاملة.
وتكفل عمر بعلاج عم رشدي حتى تعافى من إصابته.
وأما ياسر…
فواجه العدالة بعد ظهور الأدلة، وانتهى نفوذه الذي بناه بالخداع والطمع.
وفي يوم غادرت فيه هدير القصر بعد انتهاء أول اجتماع للمؤسسة، مرت بالممر الذي كانت تدفع فيه جردل الممسحة كل صباح.
ابتسمت وهي تتذكر أول يوم دخلت فيه وهي تخفض رأسها حتى لا يراها أحد.
لم تكن تملك مالًا… ولا نفوذًا… ولا سلطة.
لكن ملاحظة صغيرة، وشجاعة في اللحظة المناسبة، كانتا كافيتين لتكشفا حقيقة عجز عن رؤيتها الجميع.
تمت.

الصفحة السابقة 1 2 3 4

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *