روايه للكاتبه ميرال احمد

ولحيته كثيفة، وثيابه ممزقة.
رفع رأسه بصعوبة عندما وقع الضوء على وجهه.
وقال بصوت متعب
أخيرًا… حد نزل.
تراجعت هدير خطوة.
إنت… مين؟
ابتسم ابتسامة باهتة.
اسمي كريم…
ثم سكت لثوانٍ وأضاف
وكنت السكرتير الشخصي لعمر المنشاوي.
اتسعت عيناها.
لكن… قالوا إنك سافرت بره مصر من سنة!
ضحك ضحكة مريرة.
وده اللي كانوا عايزين الكل يصدقه.
اقتربت منه بحذر.
كانت القيود حول يديه حقيقية، وآثارها تركت جروحًا قديمة.
همست
مين عمل فيك كده؟
نظر مباشرة إلى عينيها…
ثم قال كلمة واحدة فقط
ياسر.
وفي اللحظة نفسها…
صدر صوت طنين من لوحة الخزنة.
أضاءت الشاشة فجأة من تلقاء نفسها.
وظهرت عليها رسالة قصيرة
تم إدخال رمز خاطئ… المحاولة الثانية من ثلاث.
تجمدت هدير في مكانها.
لم يلمس أحد الخزنة…
فمن الذي كان يحاول فتحها؟!ارتدت هدير إلى الخلف خطوة، وهي تحدق في شاشة الخزنة المضيئة.
ظهرت الرسالة مرة أخرى
المحاولة الثانية من ثلاث.
ثم انطفأت الشاشة.
نظر كريم إلى الخزنة، وتغيرت ملامحه فجأة.
قال بصوت خافت
لحقونا…
سألته هدير بسرعة
إيه اللي حصل؟
رد وهو يحاول فك القيد من معصمه
الخزنة دي متوصلة بنظام تاني… أي حد بيحاول يفتحها من المكتب الرئيسي فوق، الرسالة بتظهر هنا كمان.
تسارعت دقات قلبها.
يعني ياسر فوق دلوقتي؟
هز رأسه.
أو حد معاه رمز الخزنة.
في تلك اللحظة…
سمعا صوت احتكاك معدني قادم من سقف القبو.
رفع كريم عينيه وقال
فيه باب تاني بينزل على هنا.
وبالفعل…
بدأ باب حديدي صغير في السقف ينفتح ببطء.
انطفأت هدير ضوء الهاتف فورًا.
اختبأت خلف أحد الصناديق الخشبية، بينما بقي كريم مقيدًا في مكانه.
نزل رجل يحمل كشافًا صغيرًا.
كان يرتدي زي أحد الحراس.
لكنه ما إن تأكد أنه وحده…
حتى خلع القبعة السوداء.
عرفته هدير فورًا.
كان الحارس نفسه الذي خرج من غرفة عمر بعد إشارة ياسر.
أخرج ورقة مطوية من جيبه.
ثم وقف أمام الخزنة.
أدخل ستة أرقام.
ظهر على الشاشة
رمز غير صحيح… المحاولة الأخيرة المتبقية.
توقف الحارس.
ارتبك.
مسح العرق عن جبينه، ثم أخرج هاتفه واتصل بأحدهم.
قال بصوت منخفض
يا باشا… الرمز اللي حضرتك ادتهولي غلط.
ساد صمت لثوانٍ.
ثم تغير وجه الحارس فجأة.
حاضر… مفهوم.
أغلق الهاتف.
لكن بدلًا من أن يجرب رقمًا جديدًا…
اتجه نحو كريم.
أخرج مفتاحًا صغيرًا.
وفك القيد من إحدى يديه.
قال ببرود
قوم.
نظرت هدير بدهشة.
هل جاء لينقذه؟
لكن الإجابة جاءت بعد ثانية واحدة.
أخرج الحارس مسدسًا كاتمًا للصوت، وصوبه إلى صدر كريم.
وقال
الباشا قال إن وجودك انتهى.
حبست هدير أنفاسها.
أما كريم…
فلم يبدُ خائفًا.
بل ابتسم ابتسامة غريبة وقال
بلغ ياسر… إنه طول عمره بيدور في المكان الغلط.
عبس الحارس.
يعني إيه؟
ضحك كريم رغم تعبه.
الخزنة الحقيقية… مش دي.
تغيرت ملامح الحارس في لحظة.
إنت بتكدب.
هز كريم رأسه ببطء.
اسأل ياسر… ليه عمر قبل ما يغمى عليه قال الخزنة… وما قالش القبو.
ساد صمت ثقيل.
واضطراب واضح ظهر على وجه الحارس.
وفي تلك اللحظة…
رن هاتفه مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة، ثم رد بسرعة
أيوه يا باشا…
استمع لثوانٍ، ثم اتسعت عيناه.
التفت فجأة نحو الباب وهو يقول بقلق
إيه؟!… عمر فاق؟!تجمد الحارس في مكانه.
قبض على الهاتف بقوة وهو يسمع الصوت القادم من الطرف الآخر.
إزاي فاق؟… الدكتور بنفسه قال إنه مستحيل!
ساد صمت لثوانٍ.
ثم قال بصوت مرتبك
حاضر… حاضر يا باشا.
أغلق الخط، وأعاد المسدس إلى حزامه.
نظر إلى كريم نظرة حادة.
حظك حلو… الحساب اتأجل.
ثم اندفع خارج القبو مسرعًا، وأغلق الباب الحديدي خلفه بعنف.
انتظرت هدير دقيقة كاملة.
لم تجرؤ على الحركة.
حتى همس كريم
خرج… اطلعي.
خرجت من خلف الصناديق وهي ترتجف.
اقتربت منه بسرعة، وأخرجت مفتاح القيد الذي سقط من الحارس أثناء استعجاله.
بعد محاولتين…
انفتح القيد.
فرك كريم معصميه المتورمين وهو يتأوه من الألم.
قالت هدير
لازم نهرب.
هز رأسه بالنفي.
قبل ما نهرب… لازم نعرف عمر قال إيه.
نظرت إليه بدهشة.
هو فاق فعلًا؟
قال وهو يسير بصعوبة نحو الخزنة
لو فاق، يبقى أول واحد هيروح له ياسر… ولو سبقنا، كل حاجة هتنتهي.
وقبل أن يتحركا، لفت انتباه هدير شيء غريب.
كان أسفل الخزنة شق صغير في الرخام، كأنه نتيجة تحريكها أكثر من مرة.
انحنت ولمسته بيدها.
سمعت صوتًا أجوف تحت الأرض.
قالت
اسمع…
اقترب كريم، وضرب الرخام بخفة.
تردد الصوت.
ابتسم لأول مرة منذ رأته.
كنت عارف…
سألته
عارف إيه؟
أشار إلى الخزنة وقال
دي مجرد تمويه.
ثم ركع على الأرض، وأزاح سجادة قديمة كانت مغطاة بالغبار.
تحتها ظهر مقبض نحاسي صغير، بالكاد يُرى.
شدّه بكل قوته.
صدر صوت احتكاك ثقيل.
وببطء…
تحركت الخزنة العملاقة إلى الجانب بضعة سنتيمترات، كأنها باب يخفي شيئًا خلفه.
اتسعت عينا هدير.
خلف الخزنة لم تكن هناك أموال…
ولا سبائك ذهب…
بل غرفة صغيرة جدًا.
وفي منتصفها منضدة خشبية، فوقها صندوق أسود قديم.
وبجواره جهاز تسجيل صوتي.
تقدم كريم بخطوات مترددة.
قال بصوت منخفض
أخيرًا… لقيته.
مد يده نحو جهاز التسجيل.
لكن قبل أن يضغط زر التشغيل…
انفتح الباب الحديدي للقبو مرة أخرى بقوة.
وتردد صوت تصفيق بطيء في المكان.
برافو…
التفتت هدير وكريم معًا.
كان ياسر المنشاوي يقف عند الباب، وخلفه أربعة حراس مسلحين.
ابتسم ابتسامة باردة وقال
أنا كنت مستني أعرف مين هيوصل للمكان ده بدل ما أتعب وأدور عليه بنفسي.
ثم ثبت نظره على هدير وأضاف بهدوء مخيف
واضح إني قللت من شأن عاملة النظافة…أطلقت هدير شهقة مكتومة.
هزت جهاز التسجيل بعصبية.
ضغطت على زر التشغيل مرة…
ثم مرتين…
لكن الشاشة بقيت سوداء.
همست لنفسها
لا… مستحيل.
كانت على بعد كلمة واحدة فقط من الحقيقة.
واصلت السير في الممر، حتى رأت خيطًا رفيعًا من الضوء يتسلل من فتحة صغيرة في الأعلى.
دفعت الغطاء الحديدي بحذر.
خرجت إلى غرفة لم ترها من قبل.
كانت مكتبة قديمة داخل القصر.
رفوفها ممتلئة بكتب جلدية، وصور لعائلة المنشاوي تعود لعشرات السنين.
لكن أكثر ما لفت انتباهها…
كان صوت التلفاز.
خرج الصوت من غرفة مجاورة.
اقتربت بهدوء.
ومن خلف الباب الموارب، رأت مشهدًا لم تتوقعه.
كان عمر المنشاوي مستلقيًا على سرير طبي متنقل.
حوله ثلاثة أطباء.
وبجانبه ممرضة.
أما ياسر…
فلم يكن موجودًا.
قال أحد الأطباء
معجزة… الضغط بدأ يتحسن.
ورد الآخر
بس إدراكه لسه بيروح وييجي.
وفي تلك اللحظة…
فتح عمر عينيه مرة أخرى.
نظر حوله بصعوبة.
ثم قال بصوت متقطع
هدير…
تجمدت في مكانها.
كيف يعرف اسمها؟
دخلت الممرضة بسرعة.
مين هدير يا فندم؟
حاول عمر أن يرفع يده.
وأشار نحو الباب…
نحو المكان الذي كانت تقف فيه هدير.
لكنها ابتعدت بسرعة قبل أن يراها أحد.
اختبأت خلف خزانة كبيرة.
بعد ثوانٍ، دخل ياسر الغرفة وهو يلهث، وكأنه جاء مسرعًا.
اقترب من أخيه وقال بنبرة مليئة بالقلق
أنا هنا يا عمر.
فتح عمر عينيه بصعوبة.
نظر إلى وجه ياسر طويلًا…
ثم همس بكلمة واحدة
خاين…
ساد صمت ثقيل.
التفت الأطباء إلى ياسر في دهشة.
لكن ياسر لم يفقد أعصابه.
ابتسم ابتسامة هادئة، وربت على كتف الطبيب.
وقال
الهذيان طبيعي مع حالته.
هز الطبيب رأسه موافقًا.
لكن عمر كررها مرة أخرى، بصوت أعلى هذه المرة
خاين…
ثم حاول أن يمسك بذراع الطبيب.
وقال وهو يلهث
هاتوا… هدير…
وقبل أن يكمل…
صدر صوت صفير حاد من أجهزة المراقبة.
عاد جسده للاهتزاز بعنف.
اندفع الأطباء لإنقاذه.
واستغل ياسر الفوضى.
أدار رأسه ببطء نحو الباب…
وكأنه شعر بوجود أحد يراقبه.
ثبتت عيناه على الفتحة الضيقة بين الباب وإطاره.
ثم قال بصوت منخفض لا يسمعه إلا أقرب الناس إليه
فتشوا المكتبة… دلوقتي.
شعرت هدير بأن الدم تجمد في عروقها.
سمعت وقع أقدام الحراس يقترب…
ولم يكن أمامها سوى ثوانٍ قليلة لتختبئ، بينما جهاز التسجيل المعطل ما زال بين يديها، والظرف الأصفر داخل حقيبتها، وهما الشيئان الوحيدان اللذان قد يكشفان الحقيقة إذا وقعا في الأيدي الخطأ ساد الصمت في القبو.
لم يتحرك أحد.
كانت فوهات الأسلحة مصوبة مباشرة نحو هدير وكريم.
أما ياسر…
فكان يبتسم بثقة رجل يظن أن اللعبة انتهت.
قال وهو ينزل الدرج ببطء
تعبتوني معاكم… خصوصًا إنتِ.
وأشار إلى هدير.
عاملة نظافة… وقدرت تعملي اللي معرفوش اتناشر دكتور.
ابتلعت هدير ريقها، لكنها لم تتراجع.
قالت بصوت ثابت
إنت اللي عملت فيه كده؟
ضحك ياسر.
لأ… أنا بس سبت المرض يكمل شغله.
نظر كريم إليه باحتقار.
كداب.
اختفت الابتسامة

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *