السجينه٢

العنبر اتقلب في ثواني. العساكر انتشروا زي الجراد، والعنبر كله واقف مشدود مش فاهمين إيه اللي بيحصل. المعلمة رسمية قامت واقفة من سريرها، وشها اتخ*ط*ف وبقى لون الليمونة، والعرق نازل يغرق وشها وهي بتحاول تتصاهر بالثبات، وقالت بصوت مهزوز:
ـ خير يا فندم؟ إيه التفريغ والتفتيش ده على الصبح؟ هو أنا عملت حاجة مش مظبوطة؟
رئيس المباحث ما ردش عليها كلمة، وقف قدام سريرها بالضبط وشاور للظابط اللي معاه:
ـ اقلب المرتية، وفك اللوح الخشب اللي ورا السرير.
رسمية بلعت ريقها بالعافية، وحاولت تقرب بفرعنة:
ـ يا باشا ده سريري من خمس سنين، محدش يقدر تحط إيده فيه، السجن كله عارف المكان ده..
قطع كلامها صوت خبط حاد من العسكري وهو بيضرب ظهر الحيطة بكتف بندقيته. الصوت طلع مجوف، وكأن وراه فراغ كبير!
العنبر كله كتم أنفاسه. فريدة كانت واقفة بعيد، عينيها بتتنقل بين رسمية وبين نور، ومش مستوعبة السرعة اللي الأحدث بتتحرك بيها.
العسكري شد اللوح الخشب بعنف، واللوح اتكسر في إيده ليظهر وراه تجويف متقفل بصاج سري جوه الحيطة! الضابط مد إيده وطلع شنطة بلاستيك سودا ثقيلة، فتحها قدام رئيس المباحث.. كان جوة الشنطة تلفونات محمولة، فلوس بالآلاف، والأهم من ده كله.. ملف أوراق قديم متقفل بشمع أحمر!
رئيس المباحث مسك الملف، وبص لرسمية بنظرة كفيلة تنهي مستقبلها، وقال بنبرة حادة زي الموس:
ـ بقى هو ده السر اللي بقالك سنين مأمنة بيه نفسك يا رسمية؟ الملف اللي فيه كل كبيرة وصغيرة عن شبكة التهريب والتغطية اللي عملتيها زمان؟
رسمية اتجننت، صرخت بصوت هيستيري وهي بتشاور على نور بكل قوتها:
ـ والله ما بتاعي! البت دي هي اللي زرعته هنا! البت الجديدة دي جاية تحفر ورايا.. افتشوا سريرها، هي اللي عملت اللعبة دي!
رئيس المباحث بص لنور اللي كانت واقفة بعيد، ساندة ضهرها على السرير الميري، أيديها في جيبها ووشها خالٍ تماماً من أي انفعال.
نور رفعت عينها بهدوء، وقالت بصوت واطي بس كل العنبر سمعه:
ـ أنا هنا بقالي يومين بس يا فندم.. والسرير ده المعلمة رسمية مابتعملش حد يقرب منه من سنين.. تفتكر ألحق أعمل تجويف في الحيطة وأخبي فيه ملفات وفلوس بالشكل ده من غير ما حد يحس؟
الظابط هز راسه بالرفض وقال لرئيس المباحث:
ـ فعلاً يا فندم، الفتحة دي معمولة من سنين ومدهونة بنفس لون الحيطة القديم.. رسمية هي اللي مخبياها هنا من زمان.
رئيس المباحث قرب من رسمية، وغمز للعساكر:
ـ كلبشها! اتفضلي معانا على مكتب المأمور.. والمرة دي مفيش كفالة ولا واسطة هتنفعك، القضية دي هتروح للنيابة العسكرية فوراً.
العساكر جم على رسمية، مسكوها من دراعاتها والكلبشات اتقفلت على إيديها بصوت رن في الصمت المخيف اللي مسك العنبر. رسمية كانت بتتجر بره وهي بتصرخ وبتتخبط في السجينات، وبتتوفد لنور بعيون مليانة غل ورعب:
ـ مش هسيبك يا بت! والله ما هسيبك!
أول ما باب العنبر اتقفل بعنف، وساد الصمت تاني..
كل العيون جوه العنبر اتوجهت ناحية نور.
حتى فريدة.. أخطر سجينة اللي كانت بتخوف الكل.. رجعت لورا خطوتين من غير ما تحس، وبصت لنور بنظرة انكسار ورعب صافي. عرفوا كلهم إن البنت الهادية اللي دخلت من غير ما تنطق كلمة، هي اللي قتلت أعتى راس في السجن، وهدت إمبراطورية رسمية في أقل من 48 ساعة.
نور مشيت بخطوات هادية ناحية سرير رسمية الفاضي، بصلت للتجويف المكسور، وابتسمت ابتسامة خفيفة جداً.. ابتسامة واحد أخيرًا رد حق أبوه المظلوم، وطوى صفحة الظلم بأيده.
…….
الشمس طلعت تاني يوم، بس العنبر ما كانش هو هو. الجو بقى أهدى من الموت، ومحدش كان بيسترجي يرفع عينه في نور. حتى فريدة، كانت قاعدة في ركن سريرها، لافّة إيدها في ملاية، وعينيها في الأرض كأنها اتصغرت للنص وفقدت كل هيبتها في ليلة واحدة.
نور قامت عادي، غسلت وشها، وقعدت على سريرها ببرودها المعتاد. فريدة قربت منها بخطوات بطيئة جدًا، من غير أي شر ولا فرعنة، ووقفت على بعد خطوتين. بصت لها بصوت واطي ومكسور:
ـ أنا.. أنا آسفة يا نور. ما كنتش أعرف إنتي مين.. ولا إيه اللي جابك هنا.
نور رفعت عينها فيها، ونظرتها المرة دي ما كانش فيها غضب، كان فيها شفقة خفيفة:
ـ السر في المكان ده يا فريدة، إن القوة مش بالصوت العالي ولا بإنك تفتري على الضعيف.. القوة إنك تكوني عارفة إنتي بتعملي إيه، ومع مين بتقفي.
قبل ما فريدة ترد، صوت الميكروفون المترب في السجن دوّى في العنبر كله:
ـ المسجونة نور.. لمّي حاجتك واتفضلي على إدارة السجن فوراً!
العنبر كله اتهز تاني. لمّي حاجتك؟! ده مكملتش أسبوع جوه السجن!
نور وقفت، لمّت الميدالية النحاس الصغيرة اللي كانت ماسكاها بالليل وحطتها في جيبها. بصت للعنبر بَصّة أخيرة، ومشت مرفوعة الراس بين صفين المساجين اللي وقفوا يراقبوا خروجها بصمت مذهول.
في مكتب المأمور..
كان واقف رئيس المباحث، وجنبه لواء من الأمن الوطني. ملف الأسرار كان مفتوح على الترابيزة قدامهم.
أول ما نور دخلت ووقف باب المكتب وراها، اللواء وقف من على كرسيه، وأدالها التحية العسكرية بنفسه وقال بنبرة احترام شديد:
ـ برافو يا سيادة النقيب نور.. المهمة تمت على أكمل وجه. الملف اللي استرجعتيه الليلة دي مش بس هيدين رسمية، ده سيرمي أعتى شبكة تهريب سلاح ورجال أعمال فاسدين ورا الشمس.. وأبوكي الله يرحمه روحه ترتاح النهاردة.
نور أدت التحية العسكرية بثبات شديد، وعينها لمعت بدمعة محبوسة بقالها خمس سنين:
ـ تمام يا فندم. كان لازم أدخل بنفسي بقضية مزورة عشان أربكهم، الملف ده ما كانش هيخرج أبدًا غير من جوه جحر الأفعى.
رئيس المباحث ابتسم لها بتقدير:
ـ إجراءات إخلاء السبيل وتسوية البلاغ الصوري خلصت، عربيتك وشغلك مستنيينك بره.
بعد نص ساعة..
الباب الحديدي المصفح بتاع بوابة السجن الخارجية اتفتح ببطء شديد. نور خرجت، والشمس ضربت في وشها بعد أيام الضلمة. بصت للأسوار العالية وراها، وخدت نفس طويل وعميق من الهوا الحر.
في العنبر جوه.. السجينات كانوا واقفين عند الشبابيك المفتوحة بسلك ضيق، بيبصوا عليها من بعيد وهي بتركب العربية السودة اللي كانت مستنياها.
فريدة وقفت جنب الشباك، همست لنفسها وهي مش مصدقة اللي شافته:
ـ كانت ظابطة شرطة!.. وقدرت تمثل علينا كلنا وتجيب أجل رسمية في يومين..
العربية تحركت وسابت وراها أسوار السجن، ورسمية وفريدة.. وسابت قصتها اتحفرت في العنبر كأسطورة مش هتتنسى أبدًا: أسطورة البنت اللي دخلت أخطر مكان، خدت حق أبوها بذكاء وهدوء.. وخرجت مرفوعة الراس.
……
العربية السودة كانت ماشية بسرعة على الطريق الصحراوي، ونور قاعدة في الكرسي اللي ورا، بتفر في ورق الملف الأصلي اللي خدته من الحيطة. عينيها كانت بتتحرك بين السطور، لحد ما وقفت عند اسم معين مكتوب بخط اتقرأ بصعوبة فوق: “شريف بيه النواوي”.. راجل الأعمال اللي اسمه مابينزلش من الأخبار، والشريك الفعلي والمعلم الكبير لرسمية بره السجن.





