روايه روماني مكرم 2

خرجتُ من البيت بخطوات ثقيلة، لكنها كانت أصلب وأثبت من كل مرة. لم ألتفت ورائي مطلقًا، رغم صرخات إبراهيم ونحيبه الذي كان يتردد صداه في منور العمارة، وهو يتوسل إليّ كي أقف وأسمعه. سحبتني يد أخي محمود بحنو حازم، وكان سيد يسير أمامنا ليفسح الطريق وسط الجيران الذين تجمعوا على درجات السلم، يتهامسون وينظرون بذهول إلى الدراما التي في وجه الجميع.
نزلت السلم وأنا أشعر أن كل خطوة تباعد بيني وبين ذلك البيت، تقتطع جزءًا من قلبي الذي تنكّر له أقرب الناس. ركبت السيارة القديمة بجوار محمود، وجلست في الخلف صامتة تمامًا، ينعكس ضوء مصابيح الشارع المتراقصة على زجاج النافذة، وأنا أرمق الشارع بعيون جافة لم تعد قادرة على إفراز دمعة واحدة. لقد استُنزفت تمامًا.
وصلنا إلى بيت أبي في الحي القديم. كان بيتنا دافئًا برائحة الشاي بالنعناع والبساطة التي طالما حمتني في طفولتي. بمجرد أن فتحت أمي الباب ورأت وجهي الشاحب، وجرح جبهتي الصغير، والعباءة الغريبة التي أرتديها، سقطت صينية الشاي من يدها لتتحطم على الأرض.
— شيماء! يا لهوي يا بنتي! في إيه؟ مالك يا ضنايا؟
انهمر محمود في الحديث، وروى لأمي وأبي — الذي خرج يترنح على عكازه من غرفته — كل ما حدث بالتفصيل. كانت أمي تلطم خدودها بذهول وتشهق مع كل كلمة، بينما كان أبي يصمت صمتًا رهيبًا، وتتحول عيناه الهادئتان إلى قطعتين من الجمر.
عندما أنهى محمود كلامه، رفع أبي عكازه وضربه بالأرض بقوة جعلت أركان الغرفة ترتج:
— طلقها بالثلاثة في السلم؟ واتهمها في شرفها وأمانتها عشان خاطر كلام أمه وأخوه الحرامي؟ والله لو جثته اتفرشت على باب البيت ده ما هتلمس أيده تاني! البت دي هنا في حمايا وفي بيتي، والشرع والقانون بيننا وبينه!
في تلك الليلة، لم أذق طعم النوم. كنت أستلقي على سريري القديم في غرفة طفولتي، أسترجع شريط الأحداث. كيف يتحول الحب والاستقرار في لحظة واحدة إلى ركام؟ كيف يستطيع إبراهيم، الذي حارب الدنيا ليقنع أهله بالزواج مني، أن يصدق في لحظة طيش أنني خائنة وسارقة؟ لقد أدركت أن الشك حين يدخل قلب الرجل يطمس عقله، لكن الشك المترافق مع الخفة وقلة الحيلة أشد فتكًا من الموت.
مع تباشير الصباح الأولى، وبينما كانت الشمس تشرق ببطء لتعلن عن بداية يوم جديد — اليوم الذي كان مفترضًا أن يُسدد فيه قسط الشقة وتكتمل فيه فرحتنا — اهتز البيت على صوت طرقات متواصلة ومتلهفة على باب الشارع الأسفل.





